صفحة جزء
واختلف في سهم ذوي القربى ، فقال أبو حنيفة في الجامع الصغير : { يقسم الخمس على ثلاثة أسهم : للفقراء والمساكين [ ص: 246 ] وابن السبيل } .

وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال { خمس الله والرسول واحد ، وخمس ذوي القربى لكل صنف سماه الله تعالى في هذه الآية خمس الخمس } . وقال الثوري { سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس هو خمس الخمس وما بقي فللطبقات التي سمى الله تعالى } . وقال مالك : { يعطي من الخمس أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى ويجتهد } . وقال { الأوزاعي خمس الغنيمة لمن سمي في الآية } . وقال الشافعي : { يقسم سهم ذوي القربى بين غنيهم وفقيرهم } . قال أبو بكر : قوله تعالى : ولذي القربى لفظ مجمل مفتقر إلى البيان وليس بعموم ؛ وذلك لأن ذا القربى لا يختص بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من الناس ، ومعلوم أنه لم يرد بها أقرباء سائر الناس ، فصار اللفظ مجملا مفتقرا إلى البيان .

وقد اتفق السلف على أنه قد أريد أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم ، فمنهم من قال : إن المستحقين لسهم الخمس من الأقرباء هم الذين كانت لهم نصرة وإن السهم كان مستحقا بالأمرين من القرابة والنصرة وإن من ليس له نصرة ممن حدث بعد فإنما يستحقه بالفقر كما يستحقه سائر الفقراء ؛ ويستدلون على ذلك بحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان فقلنا : يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم بمكانك الذي وضعك الله فيهم ، أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا وإنما هم ونحن منك بمنزلة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه . فهذا يدل من وجهين على أنه غير مستحق بالقرابة فحسب :

أحدهما : أن بني المطلب وبني عبد شمس في القرب من النبي صلى الله عليه وسلم سواء ، فأعطى بني المطلب ولم يعط بني عبد شمس ، ولو كان مستحقا بالقرابة لساوى بينهم .

والثاني : أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خرج مخرج البيان لما أجمل في الكتاب من ذكر ذي القربى ، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب ، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النصرة مع القرابة دل على أن ذلك مراد الله تعالى ، فمن لم يكن له منهم نصرة فإنما يستحقه بالفقر . وأيضا فإن الخلفاء الأربعة متفقون على أنه لا يستحق إلا بالفقر وقال محمد بن إسحاق : سألت محمد بن علي فقلت : ما فعل علي رضي الله عنه بسهم ذوي القربى حين ولي ؟ فقال : سلك به سبيل أبي بكر وعمر وكره أن يدعى عليه خلافهما . قال أبو بكر : لو لم يكن هذا رأيه لما قضى به ؛ لأنه قد خالفهما في أشياء مثل الجد والتسوية في العطايا وأشياء أخر ، فثبت أن رأيه ورأيهما كان سواء في [ ص: 247 ] أن سهم ذوي القربى إنما يستحقه الفقراء منهم .

ولما أجمع الخلفاء الأربعة عليه ثبتت حجته بإجماعهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي .

وفي حديث يزيد بن هرمز عن ابن عباس فيما كتب به إلى نجدة الحروري حين سأله عن سهم ذي القربى فقال : كنا نرى أنه لنا فدعانا عمر إلى أن نزوج منه أيمنا ونقضي منه عن مغرمنا فأبينا أن لا يسلمه لنا وأبى ذلك علينا قومنا " وفي بعض الألفاظ : " فأبى ذلك علينا بنو عمنا " . فأخبر أن قومه وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رأوه لفقرائهم دون أغنيائهم ، وقول ابن عباس : " كنا نرى أنه لنا إخبار أنه قاله من طريق الرأي ولا حظ للرأي مع السنة واتفاق جل الصحابة من الخلفاء الأربعة .

ويدل على صحة قول عمر فيما حكاه ابن عباس عنه حديث الزهري عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه والفضل بن عباس قالا : يا رسول الله قد بلغنا النكاح فجئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدي إليك ما يؤدي العمال ونصيب ما يصيبون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ثم أمر محمية أن يصدقهما من الخمس ؛ وهذا يدل على أن ذلك مستحق بالفقر ، إذ كان إنما اقتضى لهما على مقدار الصداق الذي احتاجا إليه للتزوج ولم يأمر لهما بما فضل عن الحاجة ويدل على أن الخمس غير مستحق قسمته على السهمان وأنه موكول إلى رأي الإمام قوله صلى الله عليه وسلم : ما لي من هذا المال إلا الخمس والخمس مردود إليكم ولم يخصص القرابة بشيء منه دون غيرهم ، دل ذلك على أنهم فيه كسائر الفقراء يستحقون منه مقدار الكفاية وسد الخلة ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : يذهب كسرى فلا كسرى بعده أبدا ويذهب قيصر فلا قيصر بعده أبدا والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله فأخبر أنه ينفق في سبيل الله ولم يخصص به قوما من قوم ويدل على أنه كان موكولا إلى رأي النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى المؤلفة قلوبهم وليس لهم ذكر في آية الخمس ، فدل على ما ذكرنا . ويدل عليه أن كل من سمي في آية الخمس لا يستحق إلا بالفقر وهم اليتامى وابن السبيل ، فكذلك ذو القربى ؛ لأنه سهم من الخمس . ويدل عليه أنه لما حرم عليهم الصدقة أقيم ذلك لهم مقام ما حرم عليهم منها ، فوجب أن لا يستحقه منهم إلا فقير كما أن الأصل الذي أقيم هذا مقامه لا يستحقه إلا فقير .

فإن قيل : موالي بني هاشم لا تحل لهم الصدقة ولم يدخلوا في استحقاق السهم من الخمس . قيل له : هذا غلط ؛ لأن موالي بني هاشم لهم سهم من الخمس إذ [ ص: 248 ] كانوا فقراء على حسب ما هو لبني هاشم .

فإن قيل : إذا كانت قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحقون سهمهم بالفقر والحاجة فما وجه تخصيصه إياهم بالذكر وقد دخلوا في جملة المساكين ؟ قيل له : كما خص اليتامى وابن السبيل بالذكر ولا يستحقونه إلا بالفقر ، وأيضا لما سمى الله الخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل كما قال : إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الصدقة لا تحل لآل محمد فلو لم يسمهم في الخمس جاز أن يظن ظان أنه لا يجوز إعطاؤهم منه كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقات ، فسماهم إعلاما منه لنا أن سبيلهم فيه بخلاف سبيلهم في الصدقات .

فإن قيل : قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم العباس من الخمس وكان ذا يسار ، فدل على أنه للأغنياء والفقراء منهم .

قيل له : الجواب عن هذا من وجهين :

أحدهما : أنه أخبر أنه أعطاهم بالنصرة والقرابة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام فاستوى فيه الفقير والغني لتساويهم في النصرة والقرابة . والثاني : أنه جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطى العباس ليفرقه في فقراء بني هاشم ولم يعطه لنفسه

التالي السابق


الخدمات العلمية