صفحة جزء
ولما تقدم أن شرط رفع الإثم عن المضطر ترك العدوان وكان العدوان في ذلك وفي غيره ربما أدى إلى القتل وتلا ذلك بما استتبعه كما تقدم إلى أن ختم بهذه الآية وختمها بمدح الصبر والصدق في دعوى الإيمانوالوفاء بالعهد وكل شيء وكان من جملة ما خاف فيه أهل الكتاب العهد أمر سفك الدماء فغيروه كله أو بعضه على ما أشار إليه تعالى بقوله وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم الآيات وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله أعظم مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد أخبر المؤمنين بما أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذا لهم بالإقبال عليهم بالخطاب يا أيها الذين آمنوا أي ادعوا الإيمان بألسنتهم، ولما حصل التعديل بها وقع سابقا من التأديب فعلم المخاطبون أن الحكم إنما هو لله بني للمجهول قوله: كتب عليكم أي فرض [ ص: 22 ] في الكتاب وقد سمعتم إنذاري للذين اختلفوا في الكتاب، والذي عين إرادة الفرض أن الكتب استفاض في الشرع في معناه وأشعر به التعبير بـ على القصاص أي المساواة في القتل والجراحات لأنه من القص وهو تتبع الأثر.

قال الحرالي : كأنه يتبع بالجاني [ ص: 23 ] إثر ما جنى فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته - انتهى.

في القتلى أي في سائر أمور القتل فمن قتل بشيء قتل به، ومن قتل على كيفية قتل بمثلها، كان قطع يدا فسرى إلى النفس فتقطعه، فإن سرى وإلا جززنا رقبته لتكون الآية عامة مخصوصة في بعض الصور، ومتى لم يقل بالعموم كانت مجملة والتخصيص أولى من الإجمال، فصدقوا دعواكم الإيمان مما يعمل الأئمة الاستيفاء وغيرهم بالانقياد فيه ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، وأيضا لما ذكر إيتاء المال على حبه وكان قد ذكر أن البار هو المؤمن بالكتاب وكان من الكتاب بذل الروح المعلوم حبها عقبه به إشارة إلى أن المال عديلها لا يؤتى لأجل [ ص: 24 ] الله إلا بمحض الإيمان كما أن الروح لا تبذل إلا بذلك.

ولما كان أهل الكتاب قد بدلوا حكم التوراة في القصاص الذي أشير بآية المائدة إلى أنه كتب عليهم العدل فيه فكان من كان منهم أقوى جعل لقومه في ذلك فضلا فكان بنو النضير كما نقله ابن هشام في السيرة يأخذون في قتلاهم الدية كاملة وبنو قريظة نصف الدية وكان بعضهم كما نقله البغوي في سورة المائدة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقتل النفس بالنفس أشار سبحانه وتعالى إلى مخالفتهم في هذا الجور مبينا للمساواة: الحر بالحر ولا يقتل بالعبد لأن ذلك ليس بأولى من الحكم المذكور ولا مساويا بقتل العبد به لأنه أولى ولا بالحكم فهو مفهوم موافقة.

ولما قدم هذا لشرفه تلاه بقوله: والعبد بالعبد تعظيما للذكورية، وكذا يقتل بالحر لأنه أولى، ولا يقتل الحر بالعبد لأنه ليس مساويا للحكم والأنثى بالأنثى وتقتل [ ص: 25 ] الأنثى بالذكر والذكر بها، لأن كلا منهما مساو للآخر وفاقا للأصل المؤيد بقوله صلى الله عليه وسلم النساء شقائق الرجال احتياطا للدماء التي انتهاكها أكبر الكبائر بعد الشرك، ونقصت الدية النصف إن كانت بدل الدم وفاقا لقوله تعالى: وللرجال عليهن درجة وتنبيها على انحطاط حرمة الأموال عن حرمة الدماء على أن تصيب مفهوم الآية أنه لا يقتل بالمقتول إلا قاتله ، وإذا تأملت قوله القتلى دون أن يقول: القتل. علمت ذلك.

قال الحرالي : لأن أخذ غير الجاني ليس قصاصا بل اعتداء ثانيا ولا ترفع العدوى بالعدوى إنما ترفع العدوى بالقصاص على نحوه وحده - انتهى.

وكذا أخذ غير المساوي اعتداء فلا يقتل مسلم [ ص: 26 ] بكافر بما أفهمه القصاص، وتقييد الحكم بأهل الإيمان مع قوله سبحانه وتعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة في أمثالها من الآيات.

ولما فتح سبحانه وتعالى لنا باب الرحمة بالقصاص منبها على تبكيت أهل الكتاب وكان ذلك من حكم التوراة لكن على سبيل الحتم وكان العفو على النصارى كذلك أظهر في الفرقان زيادة توسعة بوضع هذا الإصر عنا بالتخيير بينهما.

قال الحرالي : نقلا من عقاب الآخرة إلى ابتلاء الدنيا ونقلا من ابتلاء الدنيا في الدم إلى الكفارة بأخذ حظ من المال كما كان في الفداء الأول لذبح إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ولده فقال: فمن عفي له عن جنايته من العفو وهو ما جاء بغير تكلف ولا كره - انتهى.

وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى أن الحكم يتبع العفو من أي عاف كان له العفو في شيء [ ص: 27 ] من الحق ولو كان يسيرا وهو معنى قوله: من أخيه شيء أي أي شيء كان من العفو بالنزول عن طلب الدم إلى الدية، وفي التعبير بلفظ الأخ كما قال الحرالي تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه من حيث وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ وإن لم يكن خطأ الطبع فهو خطأ القصد من حيث لم يقصد أن يقتل مؤمنا إنما قصد أن يقتل عدوا وشاتما أو عاديا على أهله وماله أو ولده.

فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوة الإيمان فاتباع أي فالأمر في ذلك اتباع من ولي الدم بالمعروف فيه توطين النفس على كسرها عن حدة ما تجره إليها أحقاد الجنايات، والمعروف ما شهد عيانة لموافقته وبقبول موقعه بين الأنفس فلا يلحقها منه تنكر.

ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال وأداء إليه بإحسان لئلا [ ص: 28 ] يجمع بين جنايته أو جناية وليه وسوء قضائه، وفي إعلامه إلزام لأولياء الجاني بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول بما لهم من السلطان فقد جعلنا لوليه سلطانا فيراقبون فيهم رحمة الله التي رحمهم بها فلم يأخذ الجاني بجنايته - انتهى.

ولما وسع لنا سبحانه وتعالى بهذا الحكم نبه على علته تعظيما للمنة فقال: ذلك أي الأمر العظيم الرفق وهو التخيير بين القصاص والعفو مجانا وعلى الدية تخفيف أي عن القتال وأوليائه من ربكم المحسن إليكم بهذه الحنيفية السمحة وهذا الحكم الجميل، وجمع الضمير مراعاة كما قال الحرالي للجانبين لأن كل طائفة معرضة لأن تصيب منها الأخرى - انتهى. ورحمة لأولياء القتيل بالدية وللآخرين بالعفو عن الدم، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فمن عفي له من أخيه شيء أي يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كتب على من كان قبلكم فمن [ ص: 29 ] اعتدى بعد ذلك قتل بعد قبول الدية انتهى.

وقال أهل التفسير: كتب على اليهود القصاص وحرم عليهم الدية والعفو وعلى النصارى العفو وحرم عليهم الدية ولما كانت هذه منة عظيمة تسبب عنها تهديد من أباها فقال تعالى: فمن اعتدى أي بالقتل بعد ذلك أي التخيير والعفو ولو كان العافي غيره فله عذاب أليم بقتله أو أخذ الدية منه جزاء على عداوته بقدره وتعديه بما أشعر بإبائه لهذه الرخصة التي حكم بها المالك في عبيده الملك الذي لا تسوغ مخالفته، وفي تسمية جزائه بالعذاب وعدم تخصيصه بإحدى الدارين إعلام بشياعه في كليهما تغليظا عليه.

قال الحرالي : وفي الآية دليل على أن القاتل عمدا لا يصير بذلك كافرا، قال الأصبهاني : قال ابن عباس : سمي القاتل في أول الآية مؤمنا وفي وسطها أخا ولم يؤيسه آخرها من التخفيف والرحمة .

التالي السابق


الخدمات العلمية