صفحة جزء
[ ص: 17 ] سورة الفاتحة

بسم الله القيوم الشهيد الذي لا يعزب شيء عن علمه ، ولا يكون شيء إلا بإذنه ؛ الرحمن الرحيم الذي عمت رحمته الموجودات ، وطبع في مرائي القلوب عظمته فتعالت تلك السبحات ، وأجري على الألسنة ذكره في العبادات والعادات ؛ الرحيم الذي تمت نعمته بتخصيص أهل ولايته بأرضى العبادات .

قال شيخنا الإمام المحقق أبو الفضل محمد بن العلامة القدوة أبي عبد الله محمد ابن العلامة القدوة أبي القاسم محمد المشدالي المغربي [ ص: 18 ] البجائي المالكي علامة الزمان سقى الله عهده سحائب الرضوان ، وأسكنه أعلى الجنان : الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة ، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات [ وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات ] في القرب والبعد من المطلوب ، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها ؛ فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن ، وإذا فعلته تبين لك إن شاء الله وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة سورة والله الهادي . انتهى . وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها [ ص: 19 ] لأن اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه ، وذلك هو الذي أنبأ به آدم عليه الصلاة والسلام عند العرض على الملائكة عليهم الصلاة والسلام ، ومقصود كل سورة هاد إلى تناسبها ؛ فأذكر قصود السورة ، وأطبق بينه وبين اسمها ، وأفسر كل بسملة بما يوافق مقصود السورة ، ولا أخرج عن معاني كلماتها ؛ فالفاتحة اسمها " أم الكتاب " و " الأساس " و " المثاني " و " الكنز " [ و " الشافية " ] و " الكافية " و " الوافية " [ و " الواقية " ] و " الرقية " و " الحمد " و " الشكر " و " الدعاء " و " الصلاة " ، فمدار هذه الأسماء كما ترى على أمر خفي كاف لكل مراد وهو المراقبة التي [ ص: 20 ] سأقول إنها مقصودها فكل شيء لا يفتتح بها لا اعتداد به ، وهي أم كل خير ، وأساس كل معروف ، ولا يعتد بها إلا إذا ثنيت فكانت دائمة التكرار ، وهي كنز لكل شيء ، شافية لكل داء ، كافية لكل هم ، وافية بكل مرام ، واقية من كل سوء ، رقية لكل ملم ، وهي إثبات للحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال ، وللشكر الذي هو تعظيم المنعم ، وهي عين الدعاء فإنه التوجه إلى المدعو ، وأعظم مجامعها الصلاة .

إذا تقرر ذلك فالغرض الذي سيقت له الفاتحة وهو إثبات [ ص: 21 ] استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال ، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة ، وباستحقاق العبادة والاستعانة ، بالسؤال في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله ، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم ، لإفراده بالعبادة ، فهو مقصود الفاتحة بالذات وغيره وسائل إليه ، فإنه لا بد في ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم أنه المختص بأنه الخالق الملك المالك ، لأن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع ، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق ، والمقصود من جمعهم تعريفهم الملك وبما يرضيه ، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته [ ص: 22 ] الفاتحة بالقصد الأول ، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا .

التالي السابق


الخدمات العلمية