صفحة جزء
ولما كان هذا مشيرا إلى رشادهم، فكان التقدير: فما أرسلناك إلا لإسعادهم والكفاية [لهم -] في البلاغ إلى جنات النعيم، عطف عليه ما يفهم سبب التأخير لإنجاز ما يستعجله غير العابدين من العذاب فقال: وما أرسلناك أي بعظمتنا العامة على حالة من الأحوال إلا على حال كونك رحمة للعالمين كلهم، أهل السماوات وأهل الأرض [ ص: 509 ] من الجن والإنس وغيرهم، طائعهم بالثواب، وعاصيهم بتأخير العقاب، [الذي كنا نستأصل به الأمم -]، فنحن نمهلهم ونترفق بهم، إظهارا لشرفك وإعلاء لقدرك، حتى نبين أنهم مع كثرتهم وقوتهم وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما يريدون منك، ثم نرد كثيرا منهم إلى دينك، ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك، بعد طول ارتكابهم الضلال، وارتباكهم في أشراك المحال، وإيضاعهم في الجدال والمحال، فيعلم قطعا أنه لا ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في السماء والأرض، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الأولون والآخرون، وتقوم الملائكة صفوفا والثقلان وسطهم، ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه، يطلبون من يشفع لهم في أن يحاسبوا ليستريحوا من ذلك الكرب إما إلى جنة أو نار، فيقصدون أكابر الأنبياء نبيا نبيا عليهم الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، فيحيل بعضهم على بعض، وكل منهم يقول: لست لها، حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، [ويقوم -] ومعه لواء الحمد فيشفعه الله وهو المقام المحمود الذي يغبطه [به -] الأولون والآخرون وقد سبقت أكثر الحديث بذلك في سورة غافر عند ولا شفيع يطاع

التالي السابق


الخدمات العلمية