صفحة جزء
ولما كان [المعنى] أنهم فريق في الجنة وفريق في السعير، بين ذلك ببيان عاقبة سببه في جواب من كأنه قال: إلى أين يتفرقون؟ قائلا: من كفر أي منهم [فعمل شيئا] فعليه أي لا على غيره كفره [أي وباله]، وعلى أنفسهم يعتدون ولها يهدمون فيصيرون في ذلك اليوم إلى النار التي هم بها مكذبون، ومن كان عليه كفره الذي أوبقه إلى الموت، فلا خلاص له فيما بعد الفوت، ووحد الضمير ردا له على لفظ [من] نصا على أن كل واحد مجزي بعمله لا المجموع من حيث هو مجموع، وإفهاما لأن الكفرة قليل وإن كانوا أكثر من المؤمنين، لأنهم لا مولى لهم، ولتفرق كلمتهم تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى [الآية و] لأنه لا اجتماع بين أهل النار ليتأسى بعضهم ببعض، بل كل منهم في شغل شاغل عن معرفة ما [ ص: 110 ] يتفق لغيره ومن عمل صالحا [أي] بالإيمان وما يترتب عليه، وأظهر ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على من كفر وبشارة بأن أهل الجنة كثير وإن كانوا قليلا، لأن الله مولاهم فهو يزكيهم ويؤيدهم، وفي جمع الجزاء مع إفراد الشرط ترغيب في العمل من غير نظر إلى مساعد بأنه ينفع نفسه وغيره، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأقل ما ينفع والديه وشيخه في ذلك العمل، وعبر بالنفس ليدل - بعد الدلالة على إرادة العامل ومن شايعه حتى كان بحكم اتحاد القصد إياه - على أن العمل الصالح يزكي النفوس ويطهرها من رذائل الأخلاق، فقال: فلأنفسهم أي خاصة أعمالهم [ولهم خاصة عملهم الصالح] ولأنفسهم يمهدون أي يسوون ويوطئون منازل في القبور والجنة، بل وفي الدنيا فإن الله يعزهم بعز طاعته، والآية من الاحتباك: حذف أولا عدوانهم على أنفسهم لما دل عليه من المهد، وثانيا كون العمل خاصا بهم لما دل عليه من كون الكفر على صاحبه خاصة، [وأحسن من هذا أن [ ص: 111 ] يقال: ذكر الكفر الذي هو السبب دليلا على الإيمان ثانيا، والعمل الصالح الذي هو الثمرة ثانيا دليلا على العمل السيئ أولا].

التالي السابق


الخدمات العلمية