صفحة جزء
ولما أتم ضرب المثل المفيد لتمام قدرته على الأفعال الهائلة؛ ببشارة؛ ونذارة؛ حتى إن من طبع على قلبه فهو لا يؤمن؛ وإن كان قريبا في النسب؛ والدار؛ ومن أسكن قلبه الخشية يؤمن؛ وإن شط به النسب والمزار؛ فتم التعريف بالقسم المقصود بالذات؛ وهو من يتبع الذكر؛ [ ص: 123 ] وختم بالبعث؛ وكانوا له منكرين؛ وكان قد جعله في صدر الكلام؛ من تمام بشارة من اتبع الذكر؛ دل عليه بقوله - مبتدئا بنكرة؛ تنوينها دال على تعظيمها -: وآية ؛ أي: علامة عظيمة؛ لهم ؛ على قدرتنا على البعث؛ وإيجادنا له؛ الأرض ؛ أي: هذا الجنس الذي هم منه; ثم وصفها بما حقق وجه الشبه؛ فقال: الميتة ؛ التي لا روح لها؛ لأنه لا نبات بها؛ أعم من أن يكون بها نبات؛ وفني؛ فتفتت؛ وصار ترابا؛ أو لم يكن بها شيء أصلا؛ ثم استأنف بيان كونها آية؛ بقوله: أحييناها ؛ أي: باختراع النبات فيها؛ أو بإعادته؛ بسبب المطر؛ كما كان بعد اضمحلاله.

ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى؛ قال: وأخرجنا منها حبا ؛ ونبه (تعالى) على عظيم القدرة فيها؛ وعلى عموم نفعها؛ بمظهر العظمة؛ وزاد في التنبيه بالتذكير بأن الحب معظم ما يقيم الحيوان؛ فقال - مقدما للجار؛ إشارة إلى عد غيره بالنسبة إليه عدما؛ لعظيم وقعه؛ وعموم نفعه؛ [ ص: 124 ] بدليل أنه متى قل جاء القحط؛ ووقع الضرر -: فمنه ؛ أي: بسبب هذا الإخراج؛ يأكلون ؛ أي: فهو حب حقيقة؛ يعلمون ذلك علم اليقين؛ وعين اليقين؛ وحق اليقين؛ لا يقدرون على أن يدعوا أن ذلك خيال سحري بوجه؛ وفي هذه الآية وأمثالها حث عظيم على تدبر القرآن؛ واستخراج ما فيه من المعاني الدالة على جلال الله؛ وكماله؛ وقد أنشد هنا الأستاذ أبو القاسم القشيري - رحمه الله -؛ في تفسيره؛ في عيب من أهمل ذلك؛ فقال:


يا من تصدر في دست الإمامة في ... مسائل الفقه إملاء وتدريسا

    غفلت عن حجج التوحيد تحكمها
... شيدت فرعا وما مهدت تأسيسا

التالي السابق


الخدمات العلمية