صفحة جزء
ولما كان الذي سبق ادعاؤه أمرين؛ أحدهما أن هؤلاء المنذرين [ ص: 302 ] يسارعون في اقتفاء آثار آبائهم في الضلال؛ والثاني أن أكثر الأولين ضلوا؛ وسيقت دليلا شهوديا على الثاني هذه القصص الست؛ التي ما اهتدى من أهلها أمة بكمالها إلا قوم يونس - عليه السلام -؛ كان ذلك سببا للأمر بإقامة الدليل على ضلال هؤلاء؛ تبعا لآبائهم؛ بأمر ليس في بيان الضلال أوضح منه؛ فقال - متهكما بهم؛ مخصصا الأمر به - صلى الله عليه وسلم - إشارة إلى عظم هذه النتيجة؛ وأنه لا يفهمها حق فهمها سواه - صلى الله عليه وسلم -: فاستفتهم ؛ أي: فاطلب من هؤلاء الذين يعرضون عن دعوتك إلى أباطيلهم؛ أن يجيبوك؛ فتوة منهم؛ وكرما: بأي دليل؛ وبأي حجة حكموا بما يقولونه تبعا لآبائهم؛ في الملائكة؛ الذين تقدم في "فاطر"؛ أنهم رسل الله؛ وفي "يـس"؛ أنهم في غاية الشدة؛ بحيث إن عذاب الأمة الكثيرة يكفي فيه واحد منهم؛ وبحيث إن صيحة واحدة من أحدهم تميت الأحياء كلهم؛ وصيحة أخرى تحيي الأموات كلهم؟ هذا إلى ما أفادته هذه السورة لهم من الصف؛ والزجر؛ والتلاوة؛ حين ابتدأت بالإقسام بهم؛ لأن لمقصودها نظرا عظيما إلى أحوالهم في تجردهم؛ وتقديسهم؛ ويلزم من هذا الاستفتاء تنزيههم؛ وتنزيه الذي خلقهم؛ وذلك [ ص: 303 ] مقصود السورة؛ ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى ما هو دليل عليها؛ فإن الرسول دال على قدر من أرسله؛ فقال: ألربك ؛ أي: خاصة؛ وهو الملك الأعلى؛ الذي رباك؛ وأحسن إليك بهدايتك؛ والهداية بك؛ وغير ذلك من أمرك؛ حتى كنت أكمل الخلق؛ وأعلاهم في كل أمر يكون به الكمال؛ والقرب من الله؛ فاصطفاك لرسالته؛ ففي إفراد الضمير إشارة إلى أنه لا يختار إلا الأكمل الأشرف الأفضل.

ولما كان المراد تبكيتهم؛ بكونهم جعلوا الأخس لله؛ وكانت الإناث أضعف من الذكور؛ ولكنها قد تطلق الأنوثة على غير الحيوان؛ وكانت الإناث في بعض الأجناس - كالأسحار - أشرف؛ عدل عن التعبير بالإناث؛ وعبر بما ينص على المراد؛ فقال: البنات ؛ أي: دون البنين؛ وهم - مع أنهم مربوبون مقهورون - يأنفون منهم غاية الأنفة؛ ولهم ؛ أي: دونه؛ البنون ؛ مع أن الرب؛ الذي خصوه بأدنى القبيلين؛ تارة يخلق الذكر من تراب؛ ويربيه أحسن تربية؛ وأخرى من غيره؛ أو يخرجه من بطن حوت؛ أو غمرات نار؛ أو غير ذلك؛ فبأي وسيلة ادعوا له ولدا؛ والولد لا يكون إلا بالتدريج في أطوار الخلق؛ من النطفة إلى ما فوقها؛ ولا يرضى بذلك إلا عاجز؟ فكيف بادعاء أدنى الصنفين من الولد؛ سبحان ربك رب العزة.

التالي السابق


الخدمات العلمية