صفحة جزء
[ ص: 242 ] ولما كان السياق مفهما عظيم ملكه سبحانه وقدرته بكثرة ما في الأكوان من الأجسام والمعاني التي هي لفظاعتها لا تحتمل، قال مبينا لذلك: تكاد السماوات أي على عظم خلقهن ووثاقة إبداعهن، وفلقهن بما أعلم به الواقع، ونبه عليه بتذكير تكاد في قراءة نافع والكسائي يتفطرن أي يتشققن ويتفرط أجزاؤهن مطلق انفطار في قراءة من قرأ بالنون وخفف وهم هنا أبو عمرو ويعقوب وشعبة عن عاصم ، وتفطرا شديدا في قراءة الباقين بالتاء المثناة من فوق مفتوحة وتشديد الطاء، مبتدئا ذلك من فوقهن الذي جرت العادة أن يكون أصلب مما تحته، فانفطار غيره من باب الأولى، وابتداء الانفطار من ثم لأن جهة الفوق أجدر بتجلي ما يشق حمله من عظيم العظمة والجلال والكبرياء والعزة التي منها ما يحمل من الملائكة الذين لا تسع عقولهم وصفهم على ما عليه من كل واحد منهم من عظم الخلق في الهيئة والطول والمتانة والكبر إلى غير ذلك مما لا يحيط به علما إلا الذي يراهم بحيث إن أحدهم إذا أشير له إلى الأرض حملها كما قال صلى الله عليه وسلم "أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم [ ص: 243 ] إلا فيه ملك قائم يصلي" ومن غير ذلك من العظمة والكبرياء والجبروت والعلاء، أو يكون انفطارهن من عظيم شناعة الكفر بالذي خلق الأرض في يومين وجعلهم له أندادا كما قال في السورة المناظرة لهذه سورة مريم تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا ونقص ما في هذه عن تلك لأنه لم يذكر هنا للولد، وهذا كناية عن التخويف بالعذاب لأن من المعلوم أن العالي إذا انفطر تهيأ للسقوط، فإذا سقط أهلك من تحته فكيف إذا كان من العلو والعظم وثقل الجسم على صفة لا يحيط بها إلا بارئها، فذكر الفوق تصوير لما يترتب على هذا الانفطار من البلايا الكبار، وعلى هذا يحسن أني يعود الضمير على الأراضي التي كفروا بفاطرها.

ولما بين أن سبب كيدودة انفطارهن جلالة العظمة التي منها كثرة الملائكة وشناعة الكفر، بين لها سببا آخر وهو عظيم قولهم، فقال: والملائكة أي والحال أنهم، وعدل عن التأنيث مراعاة للفظ إلى التذكير وضمير الجمع، إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين فقال: يسبحون أي يوقعون التنزيه والتقديس لله سبحانه [ ص: 244 ] وتعالى ملتبسين بحمد ربهم أي بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحا يليق بما لهم - بما أشارت إليه الإضافة دائما لا يفترون، فلهم بذلك زجل وأصوات لا تحملها العقول، ولا تثبت لها الجبال، فلا تستبعدن ذلك، فكم من صاعقة سمعتها من السحاب فرجت لها الأرض فتصدعت لها الأبنية المتينة والجبال الصلاب، ولفت القول إلى صفة الإحسان لمدح الملائكة بالإشارة إلى أنهم عرفوا إحسان المحسن وعملوا في الشكر بما اقتضاه إحسانه فصار تعريضا بذم الكفرة بما غطوا من إحسانه، وتذرعوا من كفرانه.

ولما كانوا لما عندهم من العلم بجلال الله سبحانه يستحيون منه سبحانه كما يفعل أهل الأرض ويقولون ما لا يليق بحضرته الشماء وجنابه الأسمى، وكانوا يعلمون مما جادلهم سبحانه عنهم أن له بهم عناية، فكانوا يرون أن الأقرب إلى رضاه الاستغفار لهم، فلذلك عبر عنهم سبحانه بقوله حاذقا ما أوجبه السياق في غافر من ذكر الإيمان، إشارة إلى أن أقرب الخلق من العرش كأبعد الناس في الإيمان [ ص: 245 ] المشروط بالغيب إبلاغا في التنزيه لأنه لا مقتضى له هنا: ويستغفرون أي وهم مع التسبيح يطلبون الغفران لمن في الأرض لما يرون من شدة تقصيرهم في الوفاء بحق تلك العظمة، التي لا تضاهى، أما للمؤمن فمطلقا، وأما للكافر فبتأخير المعالجة، وكذا لبقية الحيوانات، وذلك لما يهولهم مما يشاهدونه من عظمة ذي الكبرياء وجلالة ذي الجبروت. قال ابن برجان : لم يشأ الله جل ذكره كون شيء إلا قيض ملائكة من عباده يشفعون في كونه، وكذلك في إبقاء ما شاء إبقاءه وإعدام ما شاء إعدامه، وهذه أصول الشفاعة فلا تكن من الممترين، وألطف من ذلك أن تكون كيدودة انفطارهن في حال تسبيح الملائكة واستغفارهم لما يرين من فوقهن من العظمة، ومن تحتهن من ذنوب الثقلين، فلولا ذكرهم لتفطرن وحضر العذاب، فعوجل الخلق بالهلاك، وقامت القيامة، وقضي الأمر، وإذا كانت كيدودة الانفطار مع هذا التنزيه والاستغفار، فما ظنك بما يكون لو عرى الأمر عنه وخلا منه، ولذلك ذكر العموم هنا ولم يخص المؤمنين بالاستغفار كما في غافر لما اقتضاه السياق هنا من العموم، ولأن مقصود غافر [ ص: 246 ] تصنيف الناس في الآخرة صنفين وتوفية كل ما يستحقه فناسب ذلك إفراد الذين تلبسوا بالإيمان ومقصود هذه الجمع على الدين في الدنيا فناسب الدعاء للكل ليجازى كل بما يستحقه من إطلاق المغفرة في الدارين للمؤمن وتقييدها بالتأخير في الدنيا للكافر.

ولما كانت أفعال أهل الأرض وأقوالهم عظيمة المخالفة لما يرضيه سبحانه فهم يستحقون المعاجلة بسببها، أجاب من كأنه قال: هذا يستجاب لهم في المؤمنين، فكيف يستجاب لهم في الكافرين ليجمع الكلام التهييب والتهويل في أوله والبشارة واللطف والتيسير في آخره، فقال لافتا القول عن صفة الإحسان إلى الاسم الأعظم تعريفا بعظيم الأمر حملا على لزوم الحمد وإدامة الشكر: ألا إن الله أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال، فله جميع العظمة، وأكد لأن ذلك لعظمه لا يكاد يصدق هو أي وحده، ورتب وصفيه سبحانه على أعلى وجوه البلاغة فبدأ بما أفهم إجابة الملائكة وأتبعه الإعلام بمزيد الإكرام فقال: الغفور الرحيم أي العام الستر والإكرام على الوجه الأبلغ أما لأهل الإيمان فواضح دنيا وآخرة، وأما لأهل الكفران ففي الدنيا فهو يرزقهم ويعافيهم ويملي لهم ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة وأما غير الله فلا يغفر [ ص: 247 ] لأهل معصيته، ولو أراد ذلك ما تمكن.

التالي السابق


الخدمات العلمية