صفحة جزء
ولما ذكر آية البحر لعظمتها، عم بمنافع الخافقين دلالة على أنه ما خلق ذلك كله، على عظمه إلا لنا، تنبيها على أن الأمر عظيم فقال تعالى: وسخر لكم أي: خاصة ولو شاء لمنعه ما في السماوات بإنزاله إليكم منبها على أنها بحيث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه، وأكد بإعادة الموصول لأن السياق للدلالة على عزته وحكمته الدالتين على توحده باستحقاق العبادة الذي هم له منكرون كما دلتا على توحده بالإيجاد والسيادة وهم معترفون بذلك بألسنتهم، وأفعالهم أفعال من ينكره، فقال: وما في الأرض وأوصلكم إليه ولو شاء لجعلكم كما في السماء لا وصول لكم إليه، وأكد ما دل على ما مضى من العموم بقوله: جميعا حال كون ذلك كله من أعيان تلك الأشياء ومن تسخيرها منه لا صنع لأحد غيره في شيء منه في ذلك، قال الرازي في اللوامع: قال أبو يعقوب النهر جوري: سخر لك الكل لئلا يسخرك منها شيء، [ ص: 77 ] وتكون مسخرا لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى، فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم خادمه، وقال القشيري: ما من شيء من الأعيان الظاهرة إلا و [من] وجه للإنسان به انتفاع، فمن أن يستسخرك ما هو مسخر لك.

ولما صح أنه لا شريك له في شيء من الخلق لا من الذوات ولا من المعاني، حسن جدا قوله، مؤكدا لأن عملهم يخالفه: إن في ذلك أي: الأمر العظيم وهو تسخيره لنا كل شيء في الكون لآيات أي: دلالات واضحات على أنهم في الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من الأعضاء والقوى على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا لقوم أي: ناس فيهم أهلية للقيام بما يجعل إليهم يتفكرون أنه المتوحد باستحقاق الإلهية فلا يشركون به شيئا.

التالي السابق


الخدمات العلمية