صفحة جزء
آ. (96) قوله تعالى: ولتجدنهم أحرص الناس . . هذه اللام جواب قسم محذوف، والنون للتوكيد تقديره: والله لتجدنهم. و "وجد" هنا متعدية لمفعولين أولهما الضمير، والثاني "أحرص"، وإذا تعدت لاثنين كانت [ ص: 10 ] كـ "علم" في المعنى نحو: "وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين". ويجوز أن تكون متعدية لواحد ومعناها معنى لقي وأصاب، وينتصب "أحرص" على الحال: إما على رأي من لا يشترط التنكير في الحال، وإما على رأي من يرى أن إضافة "أفعل" إلى معرفة غير محضة. و"أحرص"أفعل تفضيل فـ "من"مرادة معها، وقد أضيفت لمعرفة فجاءت على أحد الجائزين، أعني عدم المطابقة، وذلك أنها إذا أضيفت إلى معرفة على نية "من" جاز فيها وجهان: المطابقة لما قبلها نحو: الزيدان أفضلا الرجال، والزيدون أفاضل الرجال، وهند فضلى النساء. والهنود فضليات النساء، ومنه قوله: "أكابر مجرميها"، وعدمها نحو: الزيدون أفضل الرجال، وعليه هذه الآية، وكلا الوجهين فصيح، خلافا لابن السراج حيث ادعى تعين الإفراد، ولأبي منصور الجواليقي حيث زعم أن المطابقة أفصح. وإذا أضيفت لمعرفة لزم أن تكون بعضها، ولذلك منع النحويون: "يوسف أحسن إخوته" على معنى التفضيل، وتأولوا ما يوهم غيره نحو: "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" بمعنى العادلان فيهم، وأما: [ ص: 11 ]

620 - يا رب موسى أظلمي وأظلمه فاصبب عليه ملكا لا يرحمه



فشاذ، وسوغ ذلك كون "أظلم" الثاني مقحما كأنه قال: "أظلمنا". وأما إذا أضيف لنكرة فقد سبق حكمها عند قوله: "أول كافر".

قوله: "على حياة" متعلق بـ "أحرص"، لأن هذا الفعل يتعدى بـ "على"، تقول: حرصت عليه. والتنكير في "حياة" تنبيه على أنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي "على الحياة" بالتعريف. وقيل: إن ذلك على حذف مضاف تقديره: على طول حياة، والظاهر أنه لا يحتاج إلى تقدير صفة ولا مضاف، بل يكون المعنى: أنهم أحرص الناس على مطلق حياة. وإن قلت: فكيف وإن كبرت فيكون أبلغ في وصفهم بذلك. وأصل حياة: حيية تحركت الياء وانفتح ما قبلها وقلبت ألفا.

قوله: "ومن الذين أشركوا" يجوز أن يكون متصلا داخلا تحت أفعل التفضيل، ويجوز أن يكون منقطعا عنه، وعلى القول باتصاله به فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه حمل على المعنى، فإن معنى أحرص الناس: أحرص من الناس، فكأنه قيل: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا. الثاني: أن يكون حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، والتقدير: وأحرص من الذين أشركوا، وعلى ما تقرر من كون "ومن الذين أشركوا" متصلا بأفعل التفضيل فلا بد من ذكر "من" لأن "أحرص" جرى على اليهود، فلو عطف بغير "من" لكان معطوفا على الناس، فيكون في المعنى: ولتجدنهم أحرص الذين أشركوا فيلزم إضافة أفعل إلى غير ما اندرج تحته، لأن اليهود ليسوا من هؤلاء المشركين الخاصين لأنهم قالوا في تفسيرهم إنهم المجوس أو عرب يعبدون [ ص: 12 ] الأصنام، اللهم إلا أن يقال إنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، فحينئذ لو لم يؤت بـ "من" لكان جائزا. الثالث: أن في الكلام حذفا وتقديما وتأخيرا، والتقدير: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس، فيكون "ومن الذين أشركوا" صفة لمحذوف، ذلك المحذوف معطوف على الضمير في "لتجدنهم"، وهذا وإن كان صحيحا من حيث المعنى، ولكنه ينبو عنه التركيب لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة. وعلى القول بانقطاعه من "أفعل" يكون "ومن الذين أشركوا" خبرا مقدما، و "يود أحدهم" صفة لمبتدإ محذوف تقديره: ومن الذين أشركوا قوم أو فريق يود أحدهم، وهو من الأماكن المطرد فيها حذف الموصوف بجملته، كقوله:"وما منا إلا له مقام معلوم"، وقوله: "منا ظعن ومنا أقام". والظاهر أن الذين أشركوا غير اليهود كما تقدم. وأجاز الزمخشري أن يكون من اليهود لأنهم قالوا: عزير ابن الله، فيكون إخبارا بأن من هذه الطائفة التي اشتد حرصها على الحياة من يود لو يعمر ألف سنة، ويكون من وقوع الظاهر المشعر بالغلبة موقع المضمر، إذ التقدير: ومنهم قوم يود أحدهم. وقد ظهر مما تقدم أن الكلام من باب عطف المفردات على القول بدخول "ومن الذين أشركوا" تحت أفعل، ومن باب عطف الجمل على القول بالانقطاع.

قوله: "يود أحدهم" هذا مبني على ما تقدم، فإن قيل بأن "ومن الذين أشركوا" داخل تحت "أفعل" كان في "يود" خمسة أوجه أحدها: أنه حال من الضمير في "لتجدنهم" أي: لتجدنهم وادا أحدهم. الثاني: أنه حال من الذين أشركوا فيكون العامل فيه "أحرص" المحذوف. الثالث: أنه حال من فاعل "أشركوا". الرابع: أنه مستأنف استؤنف للإخبار بتبيين حال أمرهم في [ ص: 13 ] ازدياد حرصهم على الحياة. الخامس وهو قول الكوفيين: أنه صلة لموصول محذوف، ذلك الموصول صفة للذين أشركوا، والتقدير: ومن الذين أشركوا الذين يود أحدهم. وإن قيل بالانقطاع فيكون في محل رفع، لأنه صفة لمبتدإ محذوف كما تقدم. و "أحد" هنا بمعنى واحد، وهمزته بدل من واو، وليس هو "أحد" المستعمل في النفي فإن ذاك همزته أصل بنفسها، ولا يستعمل في الإيجاب المحض. و "يود" مضارع وددت بكسر العين في الماضي، فلذلك لم تحذف الواو في المضارع لأنها لم تقع بين ياء وكسرة بخلاف "يعد" وبابه، وحكى الكسائي فيه "وددت" بالفتح. قال بعضهم: "فعلى هذا يقال يود بكسر الواو". والودادة التمني.

قوله: "لو يعمر" في "لو" هذه ثلاثة أقوال، أحدها - وهو الجاري على قواعد نحاة البصرة -: أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف لدلالة "يود" عليه، وحذف مفعول "يود" لدلالة "لو يعمر" عليه، والتقدير: يود أحدهم طول العمر، لو يعمر ألف سنة لسر بذلك، فحذف من كل واحد ما دل عليه الآخر، ولا محل لها حينئذ من الإعراب. والثاني - وبه قال الكوفيون وأبو علي الفارسي وأبو البقاء -: أنها مصدرية بمنزلة أن الناصبة، فلا يكون لها جواب، وينسبك منها وما بعدها مصدر يكون مفعولا ليود، والتقدير: يود أحدهم تعميره ألف سنة. واستدل أبو البقاء بأن الامتناعية معناها في الماضي، وهذه يلزمها المستقبل كـ "أن" ، وبأن "يود" يتعدى لمفعول وليس مما يعلق، وبأن "أن" قد وقعت بعد يود في قوله: "أيود أحدكم أن تكون له جنة" وهو كثير، وموضع الرد عليه غير الكتاب. الثالث - وإليه نحا الزمخشري -: أن يكون معناها التمني فلا تحتاج إلى جواب لأنها في [ ص: 14 ] قوة: يا ليتني أعمر، وتكون الجملة من لو وما في حيزها في محل نصب مفعولا به على طريق الحكاية بيود، إجراء له مجرى القول. قال الزمخشري: "فإن قلت: كيف اتصل لو يعمر بيود أحدهم؟ قلت: هي حكاية لودادتهم، و "لو" في معنى التمني، وكان القياس: "لو أعمر" إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله: "يود أحدهم"، كقولك: حلف بالله ليفعلن انتهى". وقد تقدم شرحه، إلا قوله: "وكان القياس لو أعمر، يعني بذلك أنه كان من حقه أن يأتي بالفعل مسندا للمتكلم وحده وإنما أجرى "يود" مجرى القول لأن "يود" فعل قلبي والقول ينشأ عن الأمور القلبية".

و "ألف سنة" منصوب على الظرف بيعمر، وهو متعد لمفعول واحد قد أقيم مقام الفاعل. وفي "سنة" قولان "أحدهما: أن أصلها: سنوة لقولهم: سنوات وسنية وسانيت. والثاني: أنها من سنهة لقولهم: سنهات وسنيهة وسانهت، واللغتان ثابتتان عن العرب كما ذكرت لك.

قوله: "وما هو بمزحزحه من العذاب" في هذا الضمير خمسة أقوال، أحدها: أنه عائد على "أحد" وفيه حينئذ وجهان، أحدهما: أنه اسم "ما" الحجازية، و "بمزحزحه" خبر "ما"، فهو في محل نصب والباء زائدة. و "أن يعمر" فاعل بقوله "بمزحزحه"، والتقدير: وما أحدهم مزحزحه تعميره. الثاني من الوجهين في "هو": أن يكون مبتدأ، و "بمزحزحه" خبره، و "أن يعمر" فاعل به كما تقدم، وهذا على كون "ما" تميمية، والوجه الأول أحسن لنزول القرآن بلغة الحجاز وظهور النصب في قوله: "ما هذا بشرا"، "ما هن أمهاتهم".

الثاني من الأقوال: أن يعود على المصدر المفهوم من "يعمر"، أي: [ ص: 15 ] وما تعميره، ويكون قوله: "أن يعمر" بدلا منه، ويكون ارتفاع "هو" على الوجهين المتقدمين، أعني كونه اسم "ما" أو مبتدأ.

الثالث: أن يكون كناية عن التعمير، ولا يعود على شيء قبله، ويكون "أن يعمر" بدلا منه مفسرا له، والفرق بين هذا وبين القول الثاني أن ذاك تفسيره شيء متقدم مفهوم من الفعل، وهذا مفسر بالبدل بعده، وقد تقدم أن في ذلك خلافا، وهذا ما عنى الزمخشري بقوله: "ويجوز أن يكون "هو" مبهما، و "أن يعمر" موضحه".

الرابع: أنه ضمير الأمر والشأن وإليه نحا الفارسي في "الحلبيات" موافقة للكوفيين، فإنهم يفسرون ضمير الأمر بغير جملة إذا انتظم من ذلك إسناد معنوي، نحو: ظننته قائما الزيدان، وما هو بقائم زيد، لأنه في قوة: ظننته يقوم الزيدان، وما هو يقوم زيد، والبصريون يأبون تفسيره إلا بجملة مصرح بجزئيها سالمة من حرف جر، وقد تقدم تحقيق القولين.

الخامس: أنه عماد، نعني به الفصل عند البصريين، نقله ابن عطية عن الطبري عن طائفة، وهذا يحتاج إلى إيضاح: وذلك أن بعض الكوفيين يجيزون تقديم العماد مع الخبر المقدم، يقولون في: زيد هو القائم: هو القائم زيد، وكذلك هنا، فإن الأصل عند هؤلاء أن يكون "بمزحزحه" خبرا مقدما و "أن يعمر" مبتدأ مؤخرا، و "هو" عماد، والتقدير: وما تعميره هو بمزحزحه، فلما قدم الخبر قدم معه العماد. والبصريون لا يجيزون شيئا من ذلك.

و "من العذاب" متعلق بقوله: "بمزحزحه" و "من" لابتداء الغاية.

[ ص: 16 ] والزحزحة: التنحية، تقول: زحزحته فزحزح، فيكون قاصرا ومتعديا، فمن مجيئه متعديا قوله:


621 - يا قابض الروح من نفس إذا احتضرت     وغافر الذنب زحزحني عن النار



وأنشده ذو الرمة:


622 - يا قابض الروح من جسم عصى زمنا      . . . .



ومن مجيئه قاصرا قول الآخر:


623 - خليلي ما بال الدجى لا يزحزح     وما بال ضوء الصبح لا يتوضح



قوله: "أن يعمر": إما أن يكون فاعلا أو بدلا من "هو" أو مبتدأ حسب ما تقدم من الإعراب في "هو".

"والله بصير بما يعملون" مبتدأ وخبره، و "بما" متعلق ببصير. و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف أي: يعملونه، ويجوز أن تكون مصدرية أي: بعملهم. والجمهور "يعملون" بالياء، نسقا على ما تقدم، والحسن وغيره "تعملون" بالتاء للخطاب على الالتفات، وأتى بصيغة المضارع، وإن كان علمه محيطا بأعمالهم السالفة مراعاة لرؤوس الآي، وختم الفواصل.

التالي السابق


الخدمات العلمية