صفحة جزء
[ ص: 52 ] فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون

قوله تعالى : " فما آمن لموسى إلا ذرية " في المراد بالذرية هاهنا ثلاثة أقوال : أحدها : أن المراد بالذرية : القليل ، قاله ابن عباس .

والثاني : أنهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى ، مات آباؤهم لطول الزمان وآمنوا هم ، قاله مجاهد ، وقال ابن زيد : هم الذين نشؤوا مع موسى حين كف [ ص: 53 ] فرعون عن ذبح الغلمان . قال ابن الأنباري : وإنما قيل لهؤلاء " ذرية " لأنهم أولاد الذين بعث إليهم موسى ، وإن كانوا بالغين .

والثالث أنهم قوم ، أمهاتهم من بني إسرائيل ، وآباؤهم من القبط ، قاله مقاتل ، واختاره الفراء . قال : وإنما سموا ذرية كما قيل لأولاد فارس : الأبناء ، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم . وفي هاء " قومه " قولان :

أحدهما : أنها تعود إلى موسى ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

والثاني : إلى فرعون ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . فعلى القول الأول يكون قوله : " على خوف من فرعون وملئهم " أي : وملإ فرعون . قال الفراء : وإنما قال : " وملئهم " بالجمع ، وفرعون واحد ، لأن الملك إذا ذكر ذهب الوهم إليه وإلى من معه ، تقول : قدم الخليفة فكثر الناس ، تريد : بمن معه . وقد يجوز أن يريد بفرعون : آل فرعون ، كقوله : واسأل القرية [يوسف :82] . وعلى القول الثاني : يرجع ذكر الملإ إلى الذرية . قال ابن جرير : وهذا أصح ، لأنه كان في الذرية من أبوه قبطي وأمه إسرائيلية ، فهو مع فرعون على موسى .

قوله تعالى : " أن يفتنهم " يعني فرعون ، ولم يقل : يفتنوهم ، لأن قومه كانوا على من كان عليه . وفي هذه الفتنة قولان :

أحدهما : أنها القتل ، قاله ابن عباس . والثاني : التعذيب قاله ابن جرير .

قوله تعالى : " وإن فرعون لعال في الأرض " قال ابن عباس : متطاول في أرض مصر " وإنه لمن المسرفين " حين كان عبدا فادعى الربوبية .

قوله تعالى : " إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا " لما شكا بنو إسرائيل إلى موسى ما يهددهم به فرعون من ذبح أولادهم ، واستحياء نسائهم ، قال لهم هذا

وفي قوله : " لا تجعلنا فتنة " ثلاثة أقوال :

[ ص: 54 ] أحدها : لا تهلكنا بعذاب على أيدي قوم فرعون ، ولا بعذاب من قبلك ، فيقول قوم فرعون : لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم .

والثاني : لا تسلطهم علينا فيفتنونا والقولان مرويان عن مجاهد .

والثالث : لا تسلطهم علينا فيفتتنوا بنا ، لظنهم أنهم على حق ، قاله أبو الضحى ، وأبو مجلز .

قوله تعالى : " أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا " قال المفسرون : لما أرسل موسى ،أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها ، ومنعوا من الصلاة ،كانوا لا يصلون إلا في الكنائس فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلون فيها خوفا من فرعون . " وتبوآ " معناه : اتخذا ، وقد شرحناه في (الأعراف :74) . وفي المراد بمصر قولان : أحدهما: أنه البلد المعروف بمصر ، قاله الضحاك . والثاني : أنه الإسكندرية ، قاله مجاهد . وفي البيوت قولان : أحدهما : أنها المساجد ، قاله الضحاك ، والثاني : القصور ، قاله مجاهد . وفي قوله : " واجعلوا بيوتكم قبلة " أربعة أقوال :

أحدها : اجعلوها مساجد ، رواه مجاهد ، وعكرمة ، والضحاك عن ابن عباس ، وبه قال النخعي ، وابن زيد . وقد ذكرنا أن فرعون أمر بهدم مساجدهم ، فقيل لهم : اجعلوا بيوتكم قبلة بدلا من المساجد .

والثاني : اجعلوها قبل القبلة ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وروى الضحاك عن ابن عباس ، قال : قبل مكة . وقال مجاهد : أمروا أن يجعلوها مستقبلة الكعبة ، وبه قال مقاتل ، وقتادة ، والفراء .

والثالث : اجعلوها يقابل بعضها بعضا ، وهو مروي عن ابن عباس أيضا ، وبه قال سعيد بن جبير .

[ ص: 55 ] والرابع : واجعلوا بيوتكم التي بالشام قبلة لكم في الصلاة ، فهي قبلة اليهود إلى اليوم ، قاله ابن بحر .

فإن قيل : البيوت جمع ، فكيف قال " قبلة " على التوحيد ؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري ، فقال : من قال : المراد بالقبلة الكعبة ، قال : وحدت القبلة لتوحيد الكعبة . قال : ويجوز أن يكون أراد : اجعلوا بيوتكم قبلا ، فاكتفى بالواحد عن الجمع ، كما قال العباس بن مرداس :


فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد برئت من الإحن الصدور



يريد : إنا إخوتكم . ويجوز أن يكون وحد " قبلة " لأنه أجراها مجرى المصدر ، فيكون المعنى : واجعلوا بيوتكم إقبالا على الله ، وقصدا لما كنتم تستعملونه في المساجد . ويجوز أن يكون وحدها ، والمعنى : واجعلوا بيوتكم شيئا قبلة ، ومكانا قبلة ، ومحلة قبلة .

قوله تعالى : " وأقيموا الصلاة " قال ابن عباس : أتموا الصلاة " وبشر المؤمنين " أنت يا محمد . قال سعيد بن جبير: بشرهم بالنصر في الدنيا ، وبالجنة في الآخرة .

قوله تعالى : " ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا " قال ابن عباس : كان لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت .

قوله تعالى : " ليضلوا عن سبيلك " وفي لام " ليضلوا " أربعة أقوال :

أحدها : أنها لام " كي " والمعنى : آتيتهم ذلك كي يضلوا وهذا قول الفراء .

والثاني : أنها لام العاقبة ، والمعنى : إنك آتيتهم ذلك فأصارهم إلى الضلال ، ومثله قوله : ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص :8] أي : آل أمرهم إلى أن صار لهم عدوا ، لا أنهم قصدوا ذلك وهذا كما تقول للذي كسب مالا فأداه [ ص: 56 ] إلى الهلاك : إنما كسب فلان لحتفه ، وهو لم يكسب المال طلبا للحتف ، وأنشدوا :


وللمنايا تربي كل مرضعة     وللخراب يجد الناس عمرانا



وقال آخر :


وللموت تغذو الوالدات سخالها     كما لخراب الدور تبنى المساكن



وقال آخر :


فإن يكن الموت أفناهم     فللموت ما تلد الوالده



أراد : عاقبة الأمر ومصيره إلى ذلك ، هذا قول الزجاج .

والثالث : أنها لام الدعاء ، والمعنى : ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك ، ذكره ابن الأنباري .

والرابع : أنها لام أجل ، فالمعنى : آتيتهم لأجل ضلالتهم عقوبة منك لهم ، ومثله قوله : سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم [التوبة :95] أي : لأجل إعراضكم ، حكاه بعض المفسرين . وقرأ أهل الكوفة إلا المفضل ، وزيد ، وأبو حاتم عن يعقوب : " ليضلوا " بضم الياء ، أي : ليضلوا غيرهم .

قوله تعالى : " ربنا اطمس " روى الحلبي عن عبد الوارث : " اطمس " بضم الميم ، " على أموالهم " وفيه قولان :

أحدهما : أنها جعلت حجارة ، رواه مجاهد عن ابن عباس ، وبه قال قتادة ، والضحاك ، وأبو صالح ، والفراء . وقال القرظي : جعل سكرهم حجارة . وقال ابن زيد : صار ذهبهم ودراهمهم وعدسهم وكل شيء لهم حجارة . وقال مجاهد : مسخ الله النخل والثمار والأطعمة حجارة ، فكانت إحدى الآيات التسع . وقال الزجاج : تطميس الشيء : إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كان عليها .

[ ص: 57 ] والثاني : أنها هلكت فالمعنى : أهلك أموالهم ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وأبو عبيدة ، وابن قتيبة ، ومنه يقال : طمست عينه ، أي : ذهبت ، وطمس الطريق إذا عفا ودرس .

وفي قوله : " واشدد على قلوبهم " أربعة أقوال :

أحدها : اطبع عليها ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال مقاتل ، والفراء ، والزجاج .

والثاني : أهلكهم كفارا ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال الضحاك .

والثالث : اشدد عليها بالضلالة ، قاله مجاهد

والرابع : أن معناه : قس قلوبهم ، قاله ابن قتيبة .

قوله تعالى : " فلا يؤمنوا " فيه قولان :

أحدهما : أنه دعاء عليهم أيضا ، كأنه قال : اللهم فلا يؤمنوا ، قاله الفراء ، وأبو عبيدة ، والزجاج . وقال ابن الأنباري : معناه : فلا آمنوا ، قال الأعشى :


فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى     ولا تلقني إلا وأنفك راغم



معناه : لا انبسط ولا لقيتني

والثاني : أنه عطف على قوله : " ليضلوا عن سبيلك " ، فالمعنى : أنك آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا ، حكاه الزجاج عن المبرد .

قوله تعالى : " حتى يروا العذاب الأليم " قال ابن عباس : هو الغرق ، وكان [ ص: 58 ] موسى يدعو، وهارون يؤمن ، فقال الله تعالى : " قد أجيبت دعوتكما " ، وكان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة .

فإن قيل : كيف قال : " دعوتكما " وهما دعوتان ؟ فعنه ثلاثة أجوبة :

أحدها : أن الدعوة تقع على دعوتين وعلى دعوات وكلام يطول كما بينا في (الأعراف :158) أن الكلمة تقع على كلمات قال الشاعر :


وكان دعا دعوة قومه     هلم إلى أمركم قد صرم



فأوقع " دعوة " على ألفاظ بينها آخر بيته .

والثاني : أن يكون المعنى : قد أجيبت دعواتكما ، فاكتفى بالواحد من ذكر الجميع ، ذكر الجوابين ابن الأنباري . وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم أنه قرأ " دعواتكما " بالألف وفتح العين .

والثالث : أن موسى هو الذي دعا ، فالدعوة له ، غير أنه لما أمن هارون ، أشرك بينهما في الدعوة ، لأن التأمين على الدعوة منها .

وفي قوله : " فاستقيما " أربعة أقوال :

أحدها : فاستقيما على الرسالة وما أمرتكما به ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني : فاستقيما على دعاء فرعون وقومه إلى طاعة الله ، قاله ابن جرير .

والثالث : فاستقيما في دعائكما على فرعون وقومه .

والرابع : فاستقيما على ديني ، ذكرهما أبو سليمان الدمشقي .

قوله تعالى : " ولا تتبعان " قرأ الأكثرون بتشديد تاء " تتبعان " . وقرأ [ ص: 59 ] ابن عامر بتخفيفها مع الاتفاق على تشديد نون " تتبعان " ، إلا أن النون الشديدة دخلت للنهي مؤكدة ، وكسرت لسكونها وسكون النون التي قبلها ، واختير لها الكسر لأنها بعد الألف ، فشبهت بنون الاثنين . قال أبو علي : ومن خفض النون أمكن أن يكون خفف النون الثقيلة ، فإن شئت كان على لفظ الخبر ، والمعنى الأمر ، كقوله : " يتربصن بأنفسهن " [البقرة :228 و234] و تضار والدة [البقرة :233] أي : لا ينبغي ذلك ، وإن شئت جعلته حالا من قوله : " فاستقيما " تقديره : استقيما غير متبعين . وفي المراد بسبيل الذين لا يعلمون قولان : أحدهما : أنهم فرعون وقومه ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : الذين يستعجلون القضاء قبل مجيئه ، ذكره أبو سليمان الدمشقي .

فإن قيل : كيف جاز أن يدعو موسى على قومه ؟

فالجواب : أن بعضهم يقول : كان ذلك بوحي ، وهو قول صحيح ، لأنه لا يظن بنبي أن يقدم على مثل ذلك إلا عن إذن من الله عز وجل ، لأن دعاءه سبب للانتقام .

قوله تعالى : " فأتبعهم فرعون وجنوده " قال أبو عبيدة : أتبعهم وتبعهم سواء . وقال ابن قتيبة : أتبعهم : لحقهم . " بغيا وعدوا " أي : ظلما . وقرأ الحسن " فاتبعهم " بالتشديد ، وكذلك شددوا " وعدوا " مع ضم العين .

قوله تعالى : " حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه " قرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر " أنه " بفتح الألف ، والمعنى : آمنت بأنه فلما حذف حرف الجر ، وصل الفعل إلى " أن " فنصب . وقرأ حمزة والكسائي " إنه " بكسر الألف ، فحملوه على القول المضمر ، كأنه قال : آمنت ، فقلت : إنه . قال ابن عباس : لم يقبل الله إيمانه عند رؤية العذاب . قال ابن الأنباري : [ ص: 60 ] جنح فرعون إلى التوبة حين أغلق بابها لحضور الموت ومعاينة الملائكة ، فقيل له : " آلآن " أي : الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها ، وكنت من المفسدين بالدعاء إلى عبادة غير الله عز وجل ؟ والمخاطب له بهذا كان جبريل . وجاء في الحديث أن جبريل جعل يدس الطين في فم فرعون خشية أن يغفر له . قال الضحاك بن قيس : اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة ، إن يونس عليه السلام كان عبدا صالحا ، وكان يذكر الله ، فلما وقع في بطن الحوت سأل الله ، فقال الله : فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون [الصافات :143] ، وإن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا لذكر الله تعالى ، فلما أدركه الغرق قال : آمنت ، فقال الله : " آلآن وقد عصيت قبل " .

قوله تعالى : " فاليوم ننجيك " وقرأ يعقوب " ننجيك " مخففة . قال اللغويون ، منهم يونس وأبو عبيدة : نلقيك على نجوة من الأرض ، أي : ارتفاع ، ليصير علما أنه قد غرق . وقرأ ابن السميفع " ننحيك " بحاء . وفي سبب إخراجه من البحر بعد غرقه ثلاثة أقوال :

أحدها : أن موسى وأصحابه لما خرجوا ، قال من بقي من المدائن من قوم فرعون : ما أغرق فرعون ، ولكنه هو وأصحابه يتصيدون في جزائر البحر ، فأوحى الله إلى البحر أن الفظ فرعون عريانا ، فكانت نجاة عبرة ، وأوحى الله تعالى إلى [ ص: 61 ] البحر : أن الفظ ما فيك ، فلفظهم البحر بالساحل ، ولم يكن يلفظ غريقا ، فصار لا يقبل غريقا إلى يوم القيامة ، رواه الضحاك عن ابن عباس .

والثاني : أن أصحاب موسى قالوا : إنا نخاف أن يكون فرعون ما غرق ، ولا نؤمن بهلاكه ، فدعا موسى ربه ، فأخرجه حتى أيقنوا بهلاكه ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وإلى نحوه ذهب قيس بن عباد ، وعبد الله بن شداد ، والسدي ، ومقاتل . وقال السدي : لما قال بنو إسرائيل : لم يغرق فرعون ، دعا موسى ، فخرج فرعون في ستمائة ألف وعشرين ألفا عليهم الحديد ، فأخذته بنو إسرائيل يمثلون به . وذكر غيره أنه إنما أخرج من البحر وحده دون أصحابه . وقال ابن جريج : كذب بعض بني إسرائيل بغرقه ، فرمى به البحر على ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل قصيرا أحمر كأنه ثور . وقال أبو سليمان : عرفه بنو إسرائيل بدرع كان له من لؤلؤ لم يكن لأحد مثلها . فأما وجهه فقد غيره سخط الله تعالى .

والثالث : أنه كان يدعي أنه رب ، وكان يعبده قوم ، فبين الله تعالى أمره ، فأغرقه وأصحابه ، ثم أخرجه من بينهم ، قاله الزجاج . وفي قوله : " ببدنك " أربعة أقوال : أحدها : بجسدك من غير روح ، قاله مجاهد . وذكر البدن دليل على عدم الروح . والثاني : بدرعك ، قاله أبو صخر . وقد ذكرنا أنه كانت له درع من لؤلؤ ، وقيل : من ذهب ، فعرف بدرعه . والثالث : نلقيك عريانا ، قاله الزجاج . والرابع : ننجيك وحدك ، قاله ابن قتيبة .

وفي قوله : " لتكون لمن خلفك آية " ثلاثة أقوال :

أحدها : لتكون لمن بعدك في النكال آية لئلا يقولوا مثل مقالتك ، فإنك لو كنت إلها ما غرقت ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . قال أبو عبيدة : " خلفك " بمعنى بعدك ، والآية : العلامة .

[ ص: 62 ] والثاني : لتكون لبني إسرائيل آية ، قاله السدي .

والثالث : لمن تخلف من قومه ، لأنهم أنكروا غرقه على ما ذكرنا في أول الآية ، فخرج في معنى الآية قولان : أحدهما : عبرة للناس . والثاني : علامة تدل على غرقه . وقال الزجاج : الآية أنه كان يدعي أنه رب ، فبان أمره ، وأخرج من بين أصحابه لما غرقوا . وقرأ ابن السميفع ، وأبو المتوكل ، وأبو الجوزاء " لمن خلقك " بالقاف .

التالي السابق


الخدمات العلمية