صفحة جزء
[ ص: 357 ] سورة المعارج

سورة سأل سائل، ويقال لها: سورة المعارج، ويقال لها: سورة الواقع

وهي مكية كلها بإجماعهم

بسم الله الرحمن الرحيم

سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى

قوله تعالى: سأل سائل قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحارث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء [الأنفال: 32]، وهذا مذهب الجمهور، منهم ابن عباس، ومجاهد . وقال الربيع بن أنس: هو أبو جهل . قرأ أبو جعفر ، ونافع، وابن عامر: [ ص: 358 ] "سال" بغير همز . والباقون: بالهمز . فمن قرأ: "سأل" بالهمز ففيه ثلاثة أقوال .

أحدها: دعا داع على نفسه بعذاب واقع .

والثاني: سأل سائل عن عذاب واقع لمن هو؟ وعلى من ينزل؟ ومتى يكون؟ وذلك على سبيل، الاستهزاء فتكون الباء بمعنى "عن" وأنشدوا:


فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب



والثالث: سأل سائل عذابا واقعا، والباء زائدة .

ومن قرأ بلا همز ففيه قولان .

أحدهما: أنه من السؤال أيضا، وإنما لين الهمزة، يقال: سأل، وسال، وأنشد الفراء:


تعالوا فسالوا يعلم الناس أينا     لصاحبه في أول الدهر تابع



والثاني: المعنى: سال واد في جهنم بالعذاب للكافرين، وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن . وكان ابن عباس في آخرين يقرؤون "سال سيل" بفتح السين، وسكون الياء من غير ألف ولا همز .

[ ص: 359 ] وإذا قلنا: إنه من السؤال، فقوله تعالى: للكافرين جواب للسؤال، كأنه لما سأل: لمن هذا العذاب؟ قيل: للكافرين . والواقع: الكائن . والمعنى: أن العذاب للذي سأله هذا الكافر كائن لا محالة في الآخرة "للكافرين ليس له دافع من الله" قال الزجاج: المعنى: ذلك العذاب واقع من الله للكافرين .

قوله تعالى: ذي المعارج فيه قولان .

أحدهما: أنها السموات، قاله ابن عباس . وقال مجاهد: هي معارج الملائكة . قال ابن قتيبة: وأصل "المعارج" الدرج وهي من عرج: إذا صعد . قال الفراء: لما كانت الملائكة تعرج إليه، وصف نفسه بذلك . قال الخطابي: المعارج: الدرج، واحداها: معرج، وهو المصعد، فهو الذي يصعد إليه بأعمال العباد، وبأرواح المؤمنين . فالمعارج: الطرائق التي يصعد فيها .

والثاني: أن المعارج: الفواضل والنعم، قاله قتادة .

قوله تعالى تعرج الملائكة قرأ الكسائي: "يعرج" بالياء .

"والروح" في "الروح" قولان .

أحدهما: جبريل، قاله الأكثرون .

والثاني: روح الميت حين تقبض، قاله قبيصة بن ذؤيب .

قوله تعالى إليه أي: إلى الله عز وجل "في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" فيه قولان .

أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والقرظي، وهذا هو مقدار يوم القيامة من وقت البعث إلى أن يفصل بين الخلق . وفي [ ص: 360 ] الحديث: "إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة" وقيل: بل لو ولي حساب الخلق سوى الله عز وجل لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة، والحق يفرغ منه في ساعة من نهار . وقال عطاء: يفرغ الله من حساب الخلق في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا . فعلى هذا يكون المعنى: ليس دافع من الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وقيل المعنى سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير .

والثاني: أن مقدار صعود الملائكة من أسفل الأرض إلى العرش لو صعده غيرهم قطعه في خمسين ألف سنة، وهذا معنى قول مجاهد .

قوله تعالى: فاصبر أي: اصبر على تكذيبهم إياك "صبرا جميلا" لا جزع فيه، وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم، ثم نسخ بآية السيف "إنهم يرونه" يعني: العذاب "بعيدا" غير كائن "ونراه قريبا" كائنا، لأن كل ما هو آت قريب . ثم أخبر متى يكون فقال تعالى: يوم تكون السماء كالمهل وقد شرحناه في [الكهف: 29] "وتكون الجبال كالعهن" أي: كالصوف، فشبهها في ضعفها ولينها بالصوف . وقيل: شبهها به في خفتها وسيرها، لأنه قد نقل أنها تسير على صورها، وهي كالهباء . قال الزجاج: "العهن" الصوف واحدته: عهنة، ويقال: عهنة، وعهن، مثل: صوفة، وصوف . وقال ابن قتيبة: "العهن" الصوف المصبوغ . [ ص: 361 ] وقوله تعالى: ولا يسأل حميم حميما قرأ الأكثرون: "يسأل" بفتح الياء . والمعنى: لا يسأل قريب عن قرابته، لاشتغاله بنفسه . وقال مقاتل: لا يسأل الرجل قرابته، ولا يكلمه من شدة الأهوال . وقرأ معاوية، وأبو رزين، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وابن محيصن، وابن أبي عبلة، وأبو جعفر بضم الياء . والمعنى: لا يقال للحميم: أين حميمك؟

قوله تعالى: يبصرونهم أي: يعرف الحميم حميمه حتى يعرفه، وهو مع ذلك لا يسأل عن شأنه، ولا يكلمه اشتغالا بنفسه . يقال: بصرت زيدا كذا: إذا عرفته إياه . قال ابن قتيبة: معنى الآية: لا يسأل ذو قرابة عن قرابته، ولكنهم يبصرونهم، أي: يعرفونهم . وقرأ قتادة، وأبو المتوكل ، وأبو عمران، "يبصرونهم" بإسكان الباء، وتخفيف الصاد، وكسرها .

قوله تعالى: يود المجرم يعني: يتمنى المشرك لو قبل منه الفداء "يومئذ ببنيه وصاحبته" وهي الزوجة "وفصيلته" قال ابن قتيبة: أي: عشيرته . وقال الزجاج: هي أدنى قبيلته منه . ومعنى "تؤويه" تضمه، فيود أن يفتدي بهذه المذكورات "ثم ينجيه" ذلك الفداء "كلا" لا ينجيه ذلك "إنها لظى" قال الفراء: هو اسم من أسماء جهنم، فلذلك لم يجر، وقال غيره: معناها في اللغة: اللهب الخالص . وقال ابن الأنباري: سميت لظى لشدة توقدها وتلهبها، يقال: هو يتلظى، أي: يتلهب ويتوقد . وكذلك النار تتلظى يراد بها هذا المعنى . وأنشدوا:


جحيما تلظى لا تفتر ساعة     ولا الحر منها غابر الدهر يبرد



"نزاعة للشوى" قرأ الجمهور "نزاعة للشوى" بالرفع على معنى: هي نزاعة .

[ ص: 362 ] وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن، ومجاهد، وعكرمة، وابن أبي عبلة، وحفص عن عاصم "نزاعة" بالنصب . قال الزجاج: وهذا على أنها حال مؤكدة، كما قال تعالى: هو الحق مصدقا [فاطر: 31] ويجوز أن ينصب على معنى "إنها تتلظى نزاعة" .

وفي المراد بـ "الشوى" أربعة أقوال .

أحدها: جلدة الرأس، قاله مجاهد . والثاني: محاسن الوجه، قاله الحسن، وأبو العالية . والثالث: العصب، والعقب، قاله ابن جبير . والرابع: الأطراف: اليدان، والرجلان، والرأس، قاله الفراء، والزجاج .

قوله تعالى: تدعو من أدبر عن الإيمان "وتولى" عن الحق . قال المفسرون: تقول: إلي يا مشرك، إلي يا منافق "وجمع فأوعى" قال الفراء: أي جمع المال في وعاء فلم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحما .

التالي السابق


الخدمات العلمية