صفحة جزء
[ ص: 6280 ] بسم الله الرحمن الرحيم

109- سورة الكافرون

مكية، وآيها ست.

قال ابن كثير : ثبت في صحيح مسلم : عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهذه السورة وب"قل هو الله أحد" في ركعتي الطواف.

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في ركعتي الفجر.

وروى الإمام أحمد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعا وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة "قل يا أيها الكافرون"، و"قل هو الله أحد".

وروى الإمام أحمد عن الحارث بن جبلة قال: قلت: يا رسول الله! علمني شيئا أقوله عند منامي. قال: إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ: "قل يا أيها الكافرون"، فإنها براءة من الشرك.

وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن. قال في (اللباب): ووجه ذلك أن القرآن مشتمل على الأمر والنهي، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بعمل القلوب وإلى ما يتعلق بعمل الجوارح، فحصل من ذلك أربعة أقسام، وهذه السورة مشتملة على النهي عن عبادة غير الله تعالى، وهي من الاعتقاد، وذلك من أفعال القلوب. فكانت هذه السورة ربع القرآن على هذا التقسيم. وسيأتي في تفسير الإخلاص سر آخر.

[ ص: 6281 ] بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى:

[ 1 - 6 ] قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين

قل يا أيها الكافرون أي: المشركون الجاحدون للحق، الذي وضحت حجته واتضحت محجته.

لا أعبد ما تعبدون أي: من الآلهة والأوثان الآن.

ولا أنتم عابدون ما أعبد أي: الآن.

ولا أنا عابد أي: فيما أستقبل ما عبدتم أي: فيما مضى.

ولا أنتم عابدون أي: فيما تستقبلون أبدا ما أعبد أي: فيما أستقبل ما عبدتم أي: الآن وفيما أستقبل، هكذا فسره الإمام ابن جرير رحمه الله، ثم قال: وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤيسهم من الذين طمعوا فيه وحدثوا به أنفسهم. وإن ذلك الغير كائن منه ولا منهم في وقت من الأوقات. وآيس نبي الله صلى الله عليه وسلم مع الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا. ثم روى رحمه الله عن ابن إسحاق عن سعيد بن مينا قال: لقي الوليد بن المغيرة [ ص: 6282 ] والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد! هلم، فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا وخذ منه بحظك; فأنزل الله قل يا أيها الكافرون السورة، وفي رواية: وأنزل الله في ذلك هذه السورة، وقوله: قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون بل الله فاعبد وكن من الشاكرين انتهى.

وقيل: الجملتان الأخيرتان لنفي العبادة حالا كما أن الأوليين لنفسها استقبالا، قال أبو السعود: وإنما لم يقل: (ما عبدت); ليوافق (ما عبدتم); لأنهم كانوا موسومين قبل البعثة بعبادة الأصنام وهو عليه السلام لم يكن حينئذ موسوما بعبادة الله تعالى. وإيثار (ما) في "ما أعبد" على (من); لأن المراد هو الوصف، كأنه قيل: "ما أعبد من المعبود العظيم الشأن الذي لا يقادر قدر عظمته. وقيل: أن "ما" مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي. وقيل: الأوليان بمعنى (الذي)، والأخريان مصدريتان.

وقيل: قوله تعالى: ولا أنا عابد ما عبدتم تأكيد لقوله تعالى: لا أعبد ما تعبدون وقوله تعالى: ولا أنتم عابدون ما أعبد ثانيا تأكيدا لمثله المذكور أولا. انتهى.

ونقل ابن كثير عن الإمام ابن تيمية أن المراد بقوله: لا أعبد ما تعبدون نفي الفعل، لأنها جملة فعلية ولا أنا عابد ما عبدتم نفي قبوله لذلك بالكلية، لأن النفي بالجملة الاسمية آكد، فكأنه نفى الفعل وكونه قابلا لذلك، ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا، وهو قول حسن.

واختار الإمام كون "ما" في الأوليين موصولة وفيما بعدها مصدرية، قال: فمفاد الجملتين الأوليين الاختلاف التام في المعبود، ومفاد الجملتين الأخريين تمام الاختلاف في العبادة، فلا [ ص: 6283 ] معبودنا واحد ولا عبادتنا واحدة; لأن معبودي ذلك الإله الواحد المنزه عن الند والشفيع، المتعالي عن الظهور في شخص معين، الباسط فضله لكل من أخلص له، الآخذ قهره بناصية كل من نابذ المبلغين الصادقين عنه، والذي تعبدونه على خلاف ذلك. وعبادتي مخلصة لله وحده، وعبادتكم مشوبة بالشرك مصحوبة بالغفلة عن الله تعالى; فلا تسمى على الحقيقة عبادة. فأين هي من عبادتي؟ وقوله تعالى: لكم دينكم تقرير لقوله تعالى: لا أعبد ما تعبدون وقوله تعالى: ولا أنا عابد ما عبدتم كما أن قوله تعالى: ولي دين تقرير لقوله تعالى: ولا أنتم عابدون ما أعبد والمعنى أن دينكم الذي هو الإشراك مقصور على الحصول لكم، لا يتجاوزه إلى الحصول لي أيضا، كما تطمعون فيه; فإن ذلك من المحالات، وأن ديني الذي هو التوحيد، مقصور على الحصول لي، لا يتجاوزه إلى الحصول لكم، فلا مشاركة بينه وبين ما أنتم عليه.

تنبيه:

قال ابن كثير استدل الإمام الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة لكم دينكم ولي دين على أن الكفر كله ملة واحدة فورث اليهود من النصارى وبالعكس، إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به; لأن الأديان -ما عدا الإسلام- كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود، وبالعكس; لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يتوارث أهل ملتين شتى » .

التالي السابق


الخدمات العلمية