صفحة جزء
فصل وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ ; بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى [ ص: 202 ] الله عنه ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبسها عليه لنقص درجته ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى ; فإن الله سبحانه وتعالى تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فقال تعالى : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } وقد ثبت في الصحيحين أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء وقال : قد فعلت ففي صحيح مسلم عن { ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير } قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها قبل ذلك شيء أشد منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ ص: 203 ] إلى قوله { أو أخطأنا } قال الله قد فعلت { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } قال : قد فعلت { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } قال قد فعلت .

وقد قال تعالى { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم }
} .

وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما مرفوعا أنه قال { إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر } فلم يؤثم المجتهد المخطئ ; بل جعل له أجرا على اجتهاده وجعل خطأه مغفورا له ولكن المجتهد المصيب له أجران فهو أفضل منه ; ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله لئلا يكون نبيا ; بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقا [ للشرع ] وعلى ما يقع له مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق ; بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء بهمحمد صلى الله عليه وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف ؟ توقف فيه .

والناس في هذا الباب " ثلاثة أصناف " طرفان ووسط ; فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولي لله وافقه في كل ما يظن أنه حدث [ ص: 204 ] به قلبه عن ربه وسلم إليه جميع ما يفعله ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهدا مخطئا وخيار الأمور أوساطها وهو أن لا يجعل معصوما ولا مأثوما إذا كان مجتهدا مخطئا فلا يتبع في كل ما يقوله ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده .

والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء ووافق قول آخرين لم يكن لأحد أن يلزمه بقول المخالف ويقول هذا خالف الشرع .

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم } وروى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر } { وفي حديث آخر إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه وفيه لو كان نبي بعدي لكان عمر } وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر .

ثبت هذا عنه من رواية الشعبي . وقال ابن عمر : ما كان عمر يقول في شيء : إني لأراه كذا إلا كان كما يقول .

وعن قيس بن طارق قال كنا نتحدث أن عمر ينطق على لسانه ملك .

وكان عمر يقول [ ص: 205 ] اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنه تتجلى لهم أمور صادقة .

وهذه الأمور الصادقة التي أخبر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنها تتجلى للمطيعين هي الأمور التي يكشفها الله عز وجل لهم .

فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات ومكاشفات ; فأفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبي بكر عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فإن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر .

وقد ثبت في الصحيح تعيين عمر بأنه محدث في هذه الأمة فأي محدث ومخاطب فرض في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فعمر أفضل منه ومع هذا فكان عمر رضي الله عنه يفعل ما هو الواجب عليه فيعرض ما يقع له على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فتارة يوافقه فيكون ذلك من فضائل عمر كما نزل القرآن بموافقته غير مرة وتارة يخالفه فيرجع عمر عن ذلك كما رجع يوم الحديبية لما كان قد رأى محاربة المشركين والحديث معروف في البخاري وغيره ; فإن { النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمر سنة ست من الهجرة ومعه المسلمون نحو ألف وأربعمائة وهم الذين بايعوه تحت الشجرة وكان قد صالح المشركين بعد مراجعة جرت بينه وبينهم على أن يرجع في ذلك العام ويعتمر من العام القابل وشرط لهم شروطا فيها نوع غضاضة على المسلمين في [ ص: 206 ] الظاهر فشق ذلك على كثير من المسلمين وكان الله ورسوله أعلم وأحكم بما في ذلك من المصلحة وكان عمر فيمن كره ذلك حتى قال للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى قال : أفليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه

ثم قال : أفلم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى . قال : أقلت لك أنك تأتيه العام ؟ قال : لا قال : إنك آتيه ومطوف به

فذهب عمر إلى أبي بكر رضي الله عنهما فقال له مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليه أبو بكر مثل جواب النبي صلى الله عليه وسلم
} ولم يكن أبو بكر يسمع جواب النبي صلى الله عليه وسلم فكان أبو بكر رضي الله عنه أكمل موافقة لله وللنبي صلى الله عليه وسلم من عمر وعمر رضي الله عنه رجع عن ذلك وقال : فعملت لذلك أعمالا .

وكذلك لما مات النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عمر موته أولا فلما قال أبو بكر : إنه مات رجع عمر عن ذلك .

وكذلك في " قتال مانعي الزكاة " قال عمر لأبي بكر : كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أمرت أن [ ص: 207 ] أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها } فقال له أبو بكر رضي الله عنه ألم يقل : " إلا بحقها " فإن الزكاة من حقها والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . قال عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق .

ولهذا نظائر تبين تقدم أبي بكر على عمر مع أن عمر رضي الله عنه محدث ; فإن مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدث لأن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما يقوله ويفعله والمحدث يأخذ عن قلبه أشياء وقلبه ليس بمعصوم فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان عمر رضي الله عنه يشاور الصحابة رضي الله عنهم ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم ويحتجون عليه بالكتاب والسنة ويقررهم على منازعته ولا يقول لهم : أنا محدث ملهم مخاطب فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا تعارضوني فأي أحد ادعى أو ادعى له أصحابه أنه ولي لله وأنه مخاطب يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كل ما يقوله ولا يعارضوه ويسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب والسنة فهو وهم مخطئون ومثل هذا من أضل الناس فعمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل منه وهو [ ص: 208 ] أمير المؤمنين وكان المسلمون ينازعونه فيما يقوله وهو وهم على الكتاب والسنة وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم فإن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يجب لهم الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله عز وجل وتجب طاعتهم فيما يأمرون به ; بخلاف الأولياء فإنهم لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به ; بل يعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله وما خالف الكتاب والسنة كان مردودا وإن كان صاحبه من أولياء الله وكان مجتهدا معذورا فيما قاله له أجر على اجتهاده . لكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئا وكان من الخطإ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع ; فإن الله تعالى يقول : { فاتقوا الله ما استطعتم } وهذا تفسير قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } قال ابن مسعود وغيره : حق تقاته أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى ; وأن يشكر فلا يكفر أي بحسب استطاعتكم فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها كما قال تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } وقال تعالى : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } وقال تعالى : { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها } .

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الإيمان بما جاءت به الأنبياء في غير موضع كقوله تعالى : { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } وقال تعالى : { الم } { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } وقال تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } .

وهذا الذي ذكرته من أن أولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة وأنه ليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة هو مما اتفق عليه أولياء الله عز وجل من خالف في هذا فليس من أولياء الله سبحانه الذين أمر الله [ ص: 210 ] باتباعهم ; بل إما أن يكون كافرا وإما أن يكون مفرطا في الجهل .

وهذا كثير في كلام المشايخ كقول الشيخ أبي سليمان الداراني : إنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين : الكتاب والسنة .

وقال أبو القاسم الجنيد رحمة الله عليه : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا أو قال : لا يقتدى به .

وقال أبو عثمان النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة ; لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم { وإن تطيعوه تهتدوا } وقال أبو عمرو بن نجيد : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل .

وكثير من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه ولي لله ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يفعله وإن خالف الكتاب والسنة فيوافق ذلك الشخص له ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه وبين أهل الجنة وأهل النار وبين السعداء والأشقياء [ ص: 211 ] فمن اتبعه كان من أولياء الله المتقين وجنده المفلحين وعباده الصالحين ; ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أولا إلى البدعة والضلال وآخرا إلى الكفر والنفاق ويكون له نصيب من قوله تعالى { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } { يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } { لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا } وقوله تعالى { يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } { ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } وقوله تعالى { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب } { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب } { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار } .

وهؤلاء مشابهون للنصارى الذين قال الله تعالى فيهم : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } وفي [ ص: 212 ] المسند وصححه الترمذي عن عدي بن حاتم في تفسيره هذه الآية { لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال : ما عبدوهم : فقال النبي صلى الله عليه وسلم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم وكانت هذه عبادتهم إياهم } ولهذا قيل في مثل هؤلاء إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فإن أصل الأصول تحقيق الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فلا بد من الإيمان بالله ورسوله وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فلا بد من الإيمان بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق إنسهم وجنهم وعربهم وعجمهم علمائهم وعبادهم ملوكهم وسوقتهم وأنه لا طريق إلى الله عز وجل لأحد من الخلق إلا بمتابعته باطنا وظاهرا حتى لو أدركه موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء لوجب عليهم اتباعه كما قال تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } { فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } .

قال ابن عباس رضي الله عنهما ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه وقد قال [ ص: 213 ] تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا } { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } .

وكل من خالف شيئا مما جاء به الرسول مقلدا في ذلك لمن يظن أنه ولي الله فإنه بنى أمره على أنه ولي لله ; وأن ولي الله لا يخالف في شيء ولو كان هذا الرجل من أكبر أولياء الله كأكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يقبل منه ما خالف الكتاب والسنة ; فكيف إذا لم يكن كذلك وتجد كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت ; أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها [ ص: 214 ] أو يمشي على الماء أحيانا ; أو يملأ إبريقا من الهواء ; أو ينفق بعض الأوقات من الغيب أو أن يختفي أحيانا عن أعين الناس ; أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته ; أو يخبر الناس بما سرق لهم ; أو بحال غائب لهم أو مريض أو نحو ذلك من الأمور ; وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله ; بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه .

وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور ; وهذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله ; فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لأهل البدع وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي لله ; بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة .

مثال ذلك أن هذه الأمور المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ ; ولا يصلي الصلوات المكتوبة ; بل يكون [ ص: 215 ] ملابسا للنجاسات معاشرا للكلاب ; يأوي إلى الحمامات والقمامين والمقابر والمزابل ; رائحته خبيثة لا يتطهر الطهارة الشرعية ; ولا يتنظف ; وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب ولا كلب } وقال عن هذه الأخلية : { إن هذه الحشوش محتضرة } أي يحضرها الشيطان وقال : { من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا ; فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم } .

وقال { إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا } وقال : { إن الله نظيف يحب النظافة } وقال : { خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم : الحية والفأرة والغراب والحدأة والكلب العقور } وفي رواية { الحية والعقرب } .

وأمر صلوات الله وسلامه عليه بقتل الكلاب وقال : { من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط } وقال : { لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب } وقال : { إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب } .

وقال تعالى : { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } .

فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان أو يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير ; وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي يحبها الشيطان أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويتوجه إليها أو يسجد إلى ناحية شيخه ولا يخلص الدين لرب العالمين أو يلابس الكلاب أو النيران أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة أو يأوي إلى المقابر ; ولا سيما إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين أو يكره سماع القرآن وينفر عنه ويقدم عليه سماع الأغاني والأشعار ويؤثر سماع مزامير الشيطان على سماع كلام الرحمن فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن .

قال ابن مسعود رضي الله عنه لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله عز وجل ; وقال ابن مسعود : الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقل والغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل .

[ ص: 217 ] وإن كان الرجل خبيرا بحقائق الإيمان الباطنة فارقا بين الأحوال الرحمانية والأحوال الشيطانية فيكون قد قذف الله في قلبه من نوره كما قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم } وقال تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } فهذا من المؤمنين الذين جاء فيهم الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { اتقوا فراسة المؤمن ; فإنه ينظر بنور الله } قال الترمذي حديث حسن .

وقد تقدم الحديث الصحيح الذي في البخاري وغيره قال فيه : { لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه } .

فإذا كان العبد من هؤلاء فرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما يفرق الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزيف وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء وكما يفرق من يعرف [ ص: 218 ] الفروسية بين الشجاع والجبان وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق وبين المتنبئ الكذاب فيفرق بين محمد الصادق الأمين رسول رب العالمين وموسى والمسيح وغيرهم وبين مسيلمة الكذاب ; والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي ; وباباه الرومي ; وغيرهم من الكذابين ; وكذلك يفرق بين أولياء الله المتقين وأولياء الشيطان الضالين .

التالي السابق


الخدمات العلمية