صفحة جزء
[ ص: 149 ] فصل وإذا عرف الأصل الذي منه تفرع نزاع الناس في " مسألة كلام الله " فالذين قالوا ما لا يسبق الحوادث فهو حادث مطلقا تنازعوا في كلام الله تعالى . فقال كثير من هؤلاء : الكلام لا يكون إلا بمشيئة المتكلم وقدرته فيكون حادثا كغيره من الحوادث ثم قالت طائفة : والرب لا تقوم به الحوادث فيكون الكلام مخلوقا في غيره فجعلوا كلامه مخلوقا من المخلوقات ولم يفرقوا بين قال وفعل . وقد علم أن المخلوقات لا يتصف بها الخالق فلا يتصف بما يخلقه في غيره من الألوان والأصوات والروائح والحركة والعلم والقدرة والسمع والبصر فكيف يتصف بما يخلقه في غيره من الكلام ولو جاز ذلك لكان ما يخلقه من إنطاق الجمادات كلامه ومن علم أنه خالق كلام العباد وأفعالهم يلزمه أن يقول كل كلام في الوجود فهو كلامه كما قال بعض الاتحادية :

وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه

وهذا قول الجهمية والنجارية والضرارية وغيرهم فإن هؤلاء [ ص: 150 ] يقولون : إنه خالق أفعال العباد وكلامهم مع قولهم إن كلامه مخلوق فيلزمهم هذا .

وأما " المعتزلة " فلا يقولون إن الله خالق أفعال العباد لكن الحجة توجب القول بذلك .

وقالت طائفة : بل الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم ويمتنع أن يكون كلامه مخلوقا في غيره وهو متكلم بمشيئته وقدرته فيكون كلامه حادثا بعد أن لم يكن ; لامتناع حوادث لا أول لها . وهذا قول الكرامية وغيرهم . ثم من هؤلاء من يقول : كلامه كله حادث لا محدث . ومنهم من يقول هو حادث ومحدث . وقال كثير من هؤلاء الذين يقولون بامتناع حوادث لا أول لها مطلقا : الكلام لازم لذات الرب كلزوم الحياة ليس هو متعلقا بمشيئته وقدرته بل هو قديم كقدم الحياة ; إذ لو قلنا إنه بقدرته ومشيئته لزم أن يكون حادثا وحينئذ فيلزم أن يكون مخلوقا أو قائما بذات الرب فيلزم قيام الحوادث به وذلك يستلزم تسلسل الحوادث . لأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده . قالوا : وتسلسل الحوادث ممتنع ; إذ التفريع على هذا الأصل .

ثم إن هؤلاء لما قالوا بقدم عين الكلام تنازعوا فيه فقالت طائفة : [ ص: 151 ] القديم لا يكون حروفا ولا أصواتا ; لأن الصوت يستحيل بقاؤه كما يستحيل بقاء الحركة وما امتنع بقاؤه امتنع قدم عينه بطريق الأولى والأحرى فيمتنع قدم شيء من الأصوات المعينة كما يمتنع قدم شيء من الحركات المعينة . لأن تلك لا تكون كلاما إلا إذا كانت متعاقبة والقديم لا يكون مسبوقا بغيره فلو كانت الميم من ( بسم الله قديمة مع كونها مسبوقة بالسين والباء لكان القديم مسبوقا بغيره وهذا ممتنع فيلزم أن يكون القديم هو المعنى فقط ولا يجوز تعدده ; لأنه لو تعدد لكان اختصاصه بقدر دون قدر ترجيحا بلا مرجح وإن كان لا يتناهى لزم وجود أعداد لا نهاية لها في آن واحد . قالوا : وهذا ممتنع فيلزم أن يكون معنى واحدا هو الأمر والخبر وهو معنى التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وهذا أصل قول الكلابية والأشعرية .

وقالت طائفة من أهل الكلام والحديث والفقهاء وغيرهم : بل هو حروف قديمة الأعيان لم تزل ولا تزال وهي مترتبة في ذاتها لا في وجودها كالحروف الموجودة في المصحف وليس بأصوات قديمة .

ومنهم من قال : بل هو أيضا أصوات قديمة ولم يفرق هؤلاء بين الحروف المنطوقة التي لا توجد إلا متعاقبة وبين الحروف المكتوبة التي توجد في آن واحد كما يفرق بين الأصوات والمداد . فإن الأصوات لا تبقى بخلاف المداد فإنه جسم يبقى وإذا كان الصوت لا يبقى امتنع [ ص: 152 ] أن يكون الصوت المعين قديما ; لأن ما وجب قدمه لزم بقاؤه وامتنع عدمه والحروف المكتوبة قد يراد بها نفس الشكل القائم بالمداد أو ما يقدر بقدر المداد : كالشكل المصنوع في حجر وورق فإزالة بعض أجزائه تدل على حدوثه وقد يراد بالحروف نفس المداد .

وأما الحروف المنطوقة فقد يراد بها أيضا الأصوات المقطعة المؤلفة وقد يراد بها حدود الأصوات وأطرافها كما يراد بالحرف في الجسم حده ومنتهاه . فيقال : حرف الرغيف وحرف الجبل ونحو ذلك . ومنه قوله تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف } وقد يراد بالحروف الحروف الخيالية الباطنة وهي ما يتشكل في باطن الإنسان من الكلام المؤلف المنظوم قبل أن يتكلم به .

وقد تنازع الناس هل يمكن وجود حروف بدون أصوات في الحي الناطق ؟ على قولين لهم وعلى هذا تنازعت هذه الطائفة القائلة بقدم أعيان الحروف هل تكون قديمة بدون أصوات قديمة أم لا بد من أصوات قديمة لم تزل ولا تزال ؟ ثم القائلون بقدم الأصوات المعينة تنازعوا في المسموع من القارئ . هل يسمع منه الصوت القديم ؟ فقيل : المسموع هو الصوت القديم وقيل بل المسموع هو صوتان أحدهما القديم والآخر المحدث فما لا بد منه في وجود القرآن فهو القديم وما زاد على ذلك فهو المحدث . [ ص: 153 ] وقيل : بل الصوت القديم غير المسموع من العبد .

التالي السابق


الخدمات العلمية