صفحة جزء
[ ص: 355 ] ما تقوله السادة العلماء - رضي الله عنهم - أجمعين في أناس قصاصين ؟ ينقلون مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وقصص الأنبياء - عليهم السلام - تحت القلعة وفي الجوامع والأسواق ويقولون : إن النبي أتى إليه ملك يقال له : حبيب فقال له : إن كنت رسول الله فإنا نريد أن القمر ليلة تسع وعشرين يعود وينزل من طوقك ويطلع من أكمامك فأراهم ذلك فآمنوا به جميعهم وقال : كانوا الرب .

ويقولون : إنه أتى إليه ملك يقال له : بشير بن غنام عمل عليه حيلة وأخذ منه تسع أنفس علقهم على النخل فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا فخلصهم وكان من جملتهم خالد .

وأتى إليه ملك وهو في مكة يقال له : الملك الدحاق وكانت له بنت اسمها حمانة فكسر النبي صلى الله عليه وسلم وزوج بنته لبلال فقتله وهو في الصلاة فحط النبي صلى الله عليه وسلم بردته فأحياه الله له .

[ ص: 356 ] وأنه بعث المقداد إلى ملك يقال له : الملك الخطار فالتقى في طريقه ملكة يقال لها : روضة فتزوج بها وراح إلى الملك الذي أرسل إليه فاقتتل هو وإياه فأسره وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقاتل في غزاة تبوك بولص بن عبد الصليب وأنه قاتل في الأحزاب وكانوا ألوفا وانكسرت الأحزاب قدام علي سبع عشرة فرقة وخلف كل واحدة رجل يضرب بالسيف ويقول : أنا علي - وليه - ضرب عمرو بن العامري فقطع فخذه فأخذ عمرو فخذه وضرب بها في المسلمين فقلع شجرة وقتل بها جماعة منهم والملائكة ضجت عند ذلك وقالوا : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي .

وأن عليا قاتل الجن في البئر ورماه بالمنجنيق إلى حصن الغراب وجاءت رميته ناقصة فمشى في الهواء وأنه ضرب مرحبا اليهودي وكان على رأسه جرن رخام فقسم له وللفرس نصفين وأنه عبر العسكر على زنده إلى خيبر وهد الحصن وأن ذو الفقار أنزل إليه من السماء فإن الله سماه من السماء وقال : علي أسبق من العجل وأنه بعث مع كل نبي سرا وبعث مع النبي جهرا وأنه كان عصا موسى وسفينة نوح وخاتم سليمان وأنه شرب من سرة النبي صلى الله عليه وسلم لما مات فوزن علم الأولين والآخرين .

وأن ملك الموت جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في زي أعرابي [ ص: 357 ] فقال له النبي : قابض أم زائر ؟ فقال له : ما زرت أحدا من قبلك حتى أزورك فأعطاه تفاحة فشمها فخرجت روحه فيها وأن فاطمة بكت عليه حتى أقلقت أهل المدينة حتى أخرجوها إلى بيوت الأحزان وينقلون قصص الأنبياء من جنس هذا السؤال ويفسرونها بآيات لم تسمع من أهل العلم وكل واحدة من هذه تحزبوا فيها ليلة .

وكان بعض العلماء قد منعهم من هذا النقل وأنهم لا ينقلون إلا من كتب عليها سماعات المشايخ أهل العلم فاعتمدوا على كتب فيها من جنس ما ذكر من تصنيف رجل يقال له : البكري فما يجب عليهم في مثل هذه الأمور ؟ لأنهم ينقلون ما يخالف ما ثبت عن الرسل عليهم السلام وينقلون في بعض الأشياء ما هو تنقيص بهم وهل يثاب من أمر بمنعهم .

وينقلون أيضا : أن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها فعرقت ودلقت فخلق الله من كل قطرة نبيا وكانت القبضة النبي وبقي كوكب دري وكان نورا منقولا من أصلاب الرجال إلى بطون النساء .


فأجاب شيخ الإسلام قدوة الإيمان تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني فقال : [ ص: 358 ] الحمد لله رب العالمين . هذه الأحاديث من الأحاديث المفتراة باتفاق أهل العلم وإنما تؤخذ مثل هذه الأحاديث من مثل " تنقلات الأنوار " للبكري وأمثاله ممن روى الأكاذيب الكثيرة .

أما الأول فإن القمر لم يدخل في طوق النبي صلى الله عليه وسلم . ولا ثيابه ولا باشر النبي صلى الله عليه وسلم ولكن انشق فرقتين : فرقة دون الجبل وفرقة فوق الجبل .

وكذلك حبيب أبي مالك لا وجود له والحديث المذكور عن بشير بن غنام أيضا كذب وهذا الاسم غير معروف . وخالد بن الوليد لم يؤسر أصلا بل أسلم بعد الحديبية وما زال منصورا في حروبه .

وكذلك ما ذكر عن المسمى بالملك الدحاق كذب وهذا الاسم لا وجود له فيمن حاربه النبي صلى الله عليه وسلم عاش ولكن الذين عاشوا بعد الموت في هذه الأمة كان بينهم طائفة في زمن الصحابة والتابعين وأما من أحيا الله له دابته بعد الموت من المؤمنين فهؤلاء بعضهم كان من المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من كان بعد موته صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 359 ] وكذلك ما ذكر عن الملك المسمى بالخطار هو من الأكاذيب ولا وجود له . وأما غزاة تبوك فلم يكن بها قتال ; بل قدم النبي صلى الله عليه وسلم بالشام رومهم وعربهم وغيرهم ولم يجتمع المسلمون في غزاة مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما اجتمع معه عام تبوك وهي آخر المغازي وأقام بتبوك عشرين يوما فلم تقدم عليه النصارى .

وكذلك الأحزاب لم يكن فيها اقتتال بين الجيشين بل كان الأحزاب محاصرين للمسلمين خارج الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة وكان المسلمون داخل الخندق وكان فيها مناوشة قليلة بين بعض المسلمين وبعض الكفار بمنزلة المبارزة أو ما يشبهها وقتل علي - رضي الله عنه - عمرو بن عبد ود العامري ولم تنكسر الأحزاب بقتال ولا قتل منهم ولا من المسلمين عدد له قدر بل أرسل الله عليهم الريح - ريح الصبا - وأرسل الملائكة كما قال تعالى في قصة الأحزاب : { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها } الآيات وما ذكر من كيفية قتل عمرو في عبد ود العامري فهو كذب وكذلك ضرب عمرو بن عبد ود الشجرة بفخذه وقلعها كذب ولم يكن هناك شجر وإنما النخيل كان بعيدا من العسكر .

وكذلك ما ذكر من مناداة المنادي بقوله : " لا سيف إلا ذو [ ص: 360 ] الفقار ولا فتى إلا علي " كذب مفترى . وكذلك من نقل أن ذلك كان يوم بدر أو غيره وذو الفقار لم يكن سيفا لعلي ولكن كان سيفا لأبي جهل غنمه المسلمون منه يوم بدر وكان سيفا من السيوف المعدنية ولم ينزل من السماء سيف ولم يكن سيف يطول لا هو ولا غيره .

وكذلك ما ذكره من قتال الجن وأن عليا أو غيره من الإنس قاتلهم في بئر ذات العلم أو غيره من الإنس فهذا كله كذب والجن لم تكن لتقاتل الصحابة أصلا ولكن الجن الكفار كانوا يقاتلون الجن المؤمنين وأما علي وأمثاله من الصحابة فهم أجل قدرا من أن يثبت الجن لقتالهم . وقد ثبت في الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب : ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك } .

وما ذكر من رمي علي في المنجنيق ومحاصرة المسمى بحصن الغراب : كله كذب مفترى ولم يرم المسلمون قط أحدا في منجنيق إلى الكفار لا عليا ولا غيره بل ولم ينصب المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم منجنيقا إلا على الطائف لما حاصرها النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة حنين وهزيمة هوازن حاصر الطائف ونصب المنجنيق وأقام عليها شهرا ولم تفتح حتى أسلم أهل الطائف بعد ذلك طوعا ولما كان [ ص: 361 ] المسلمون يقاتلون مسيلمة الكذاب وأصحابه ألجئوهم إلى حديقتهم فحمل الناس البراء بن مالك حتى ألقوه إليهم داخل السور ففتح لهم الباب .

وأما قصة مرحب فقد روي في الصحيح : أن عليا رضي الله عنه قتل مرحبا وروي في الصحيح أن محمد بن مسلمة قتل مرحبا وقال بعضهم : بل إحدى الروايتين غلط .

وأما كون البيضة التي على رأسه كانت جرن رخام فكذب وكذلك كون الضربة قسمت الفارس وفرسه ونزلت إلى الأرض ; فهذا كله كذب ; ولم ينقل مثل هذا أهل العلم بالمغازي والسير وإنما ينقله الجهال والكذابون .

وأظهر من ذلك عبور العسكر على ساعد علي ومرور البغلة ودعاء علي عليها بقطع النسل ; فإن هذا وأمثاله إنما يرويه من هو من أجهل الناس بأحوال الصحابة ومن هو من أجهل الناس بأحوال الوجود ; فإن البغلة ما زالت عقيما ; وعسكر خيبر لم يكن فيه بغلة أصلا ولم يكن مع المسلمين بغلة ولا في المدينة بغلة ولا حولها من أرض العرب بغلة إلا البغلة التي أهداها المقوقس صاحب مصر للنبي صلى الله عليه وسلم وكان أهداها له بعد خيبر ; فإنه صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل الحديبية رجع منصرفا [ ص: 362 ] ففتح الله عليهم خيبر ثم رجع وأرسل إلى الملوك رسله فأرسل إلى كسرى وقيصر والمقوقس وملوك العرب بالشام واليمن واليمامة والمشرق ولكن المعروف عند أهل العلم أن عليا قلع باب خيبر .

وما ذكر من نزول ذو الفقار من السماء كذب وقد تقدم أنه كان سيفا من سيوف أبي جهل غنمه المسلمون يوم بدر منه فأما علي فقد سماه أبوه بهذا الاسم قبل أن يبعث الله محمدا بالنبوة وقبل أن يثبت لأحد حكم الإسلام : لا من الرجال ولا من الصبيان .

وأما قول القائل : إنه كان عصى موسى وسفينة نوح وخاتم سليمان فهذا لا يقوله عاقل يتصور ما يقول وهو بكلام المجانين أشبه منه بكلام العقلاء وهذا لا يقصد [ أحد ] مدح علي به إلا لفرط في الجهل فإن عليا هو ومن دونه من الصحابة أشرف قدرا عند الله من هذه الجمادات وإن كانت العصا آية لموسى فليس كل ما كان معجزة لنبي أفضل من المؤمنين بل المؤمنون أفضل من الطير الذي كان المسيح يصوره من الطين فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأفضل من الجراد والقمل والضفادع والدم الذي كان آية لموسى وأفضل من العصا والحية وأفضل من ناقة صالح . فمن ظن أنه بهذا الكذب والجهل يمدح عليا كان جهله من المدح والثناء من جنس جهله بأن هذه الجمادات لم تكن آدميين قط .

[ ص: 363 ] وأما قول القائل : أنه شرب من سرة النبي صلى الله عليه وسلم فدرى علم الأولين والآخرين فهو أيضا من الأكاذيب فإن العلم الذي تعلم علي من النبي صلى الله عليه وسلم كان حاصلا قبل موته وما رزقه الله من الفهم والسماع وزيادة العلم بعد موته فلم يكن سببه شرب ماء السرة ولا شرب أحد على نبي ولا غير نبي فحصل له بذلك علم أصلا ولا كان أحد من الصحابة لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم يعلم علم الأولين والآخرين .

وقد ثبت للصحابة رضي الله عنهم من الفضائل الثابتة في الصحاح ما أغنى الله بها عن أكاذيب المفترين مثل قوله الذي صح عنه من غير وجه : { لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا } وقوله : { لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر } وقوله : { إن آمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر } وقوله : { أيها الناس إني أتيت إليكم فقلت : إني رسول الله إليكم فقلتم : كذبت وقال أبو بكر : صدقت فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي } وقوله في مرضه الذي توفي فيه : { مروا أبا بكر فليصل بالناس } مرة بعد مرة ومثل { قوله لعائشة : ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا لأبي بكر لا يختلف الناس من بعدي ثم قال : يأبى الله [ ص: 364 ] والمؤمنون إلا أبا بكر } وأمثال ذلك .

ومثل قوله : { إنه كان في الأمم قبلكم محدثون ; فإن يكن في أمتي أحد فعمر } { وقوله لعمر : ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك } وقوله : { رأيت كأني أتيت بإناء من لبن فشربت ثم ناولت فضلي عمر قالوا : فما أولته ؟ قال : العلم } وقوله : { رأيت كأن الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما بلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض علي عمر وعليه قميص يجره قالوا : فما أولته ؟ قال : الدين } وقوله : { رأيت كأني على قليب أنتزع منها فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا فلم أر عبقريا يفري فريه حتى صدر الناس بعطن } .

وأمثال ذلك مثل { قوله عن عثمان : ألا أستحي ممن تستحيي منه ملائكة السماء } وقوله : { من يشتري بئر رومة وله الجنة فاشتراها عثمان } { وقوله في عثمان لما جهز جيش العسرة : ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم } { وقوله يوم بيعة الرضوان لما بايع المسلمين تحت الشجرة : هذه يدي عن يمين عثمان } وكان قد بعثه رسولا إلى أهل مكة وقال ابن عمر : كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ; ثم عثمان . وأمثال ذلك .

[ ص: 365 ] ومثل قوله عام خيبر : { لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه } وكان علي غائبا بالمدينة لأنه كان أرمد فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قدم علي فأعطاه الراية حتى فتح الله على يديه { ولما خرج في غزوة تبوك بجميع الناس ولم يأذن في التخلف إلا لأهل العذر واستخلف عليا على المدينة فطعن فيه بعض المنافقين فلحقه علي وهو يبكي وقال : أتخلفني مع النساء والصبيان ؟ فقال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ غير أنه لا نبي بعدي وأدار كساءه على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا } { ولما أراد أن يباهل أهل نجران أخذ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وخرج ليباهل بهم } { ولما تنازع علي وجعفر وزيد في حضانة ابنة حمزة قضى بها لخالتها وكانت تحت جعفر وقال لجعفر : أشبهت خلقي وخلقي وقال لعلي : أنت مني وأنا منك وقال لزيد : أنت أخونا ومولانا } .

وكذلك قال : { إن الأشعريين إذا أرملوا في السفر أو قلت نفقة عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان معهم في ثوب واحد ثم قسموه بالسوية هم مني وأنا منهم } .

وقال : { إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح } .

[ ص: 366 ] وقال : { إن لكل نبي حواريين وحواريي الزبير } .

فهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح فيها غنية عن الكذب .

وكذلك ما ذكر من إتيان ملك الموت في صورة أعرابي وإعطاؤه إياه تفاحة فشمها هو أيضا من الكذب . بل الحديث الطويل الذي روي في قصة موت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه طرق الباب فخرج إليه واحد بعد واحد وأنهم لما عرفوا أنه ملك الموت خضعوا له ; هو أيضا من الكذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث . مع أنه قد رواه الطبراني من حديث عبد المنعم بن إدريس عن أبيه من حديث وهب ابن منبه عن ابن عباس وعبد المنعم هذا معروف بالأكاذيب .

وكذلك ما ذكر من بكاء فاطمة على النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقلقت أهل المدينة وأخرجوها إلى بيوت الأحزان هذا أيضا من الأكاذيب المفتراة وما يروي مثل هذا إلا جاهل أو من قصده أن يسب فاطمة والصحابة رضي الله عنهم ينقل مثل هذا الفعل الذي نزه الله فاطمة والصحابة عنه .

وكذلك ما ذكر من " أن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها فعرقت ودلقت فخلق من كل قطرة نبيا وأن القبضة كانت [ ص: 367 ] هي النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بقي كوكب دري " فهذا أيضا كذب باتفاق أهل المعرفة . بحديثه .

وكذلك ما يشبه هذا مثل أحاديث يذكرها شيرويه الديلمي في كتابه " الفردوس " ويذكرها ابن حمويه في حقائقه مثل كتاب " المحبوب " ونحو ذلك مثل ما يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كوكبا أو أن العالم كله خلق منه أو أنه كان موجودا قبل أن يخلق أبواه أو أنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل ; وأمثال هذه الأمور فكل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل العلم بسيرته .

والأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبي صلى الله عليه وسلم بل خلق كل واحد من أبويه ونفخ الله فيه الروح ولا كان كلما يعلم الله لرسله وأنبيائه بوحيه يأخذونه بواسطة سوى جبريل [ بل ] تارة يكلمهم الله وحيا يوحيه إليهم وتارة يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى بن عمران وتارة يبعث ملكا فيوحي بإذنه ما يشاء .

. ومن الأنبياء من يكون على شريعة غيره كما كان أنبياء بني إسرائيل على شريعة التوراة .

وأما كونهم كلهم يأخذون من واحد فهذا يقوله ونحوه أهل [ ص: 368 ] الإلحاد من أهل الوحدة والاتحاد : كابن عربي صاحب " الفتوحات المكية " و " الفصوص " وأمثالهما ; فإنه لما ذكر مذهبه الذي مضمونه أن الوجود واحد وأن الوجود الخالق هو الوجود المخلوق وإن تعددت الأعيان الثابتة في العدم . قال : وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم وما يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم حتى أن الرسل لا يرونه إذا رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع ورسالته ينقطعان وأما الولاية فلا تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرونه إلا من مشكاة خاتم الأولياء .

وساق الكلام إلى أن ذكر أن خاتم الأنبياء موضع لبنة فضة وأن خاتم الأولياء موضع لبنتين : لبنة ذهب ولبنة فضة فهو موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره وما يتبعه من الأحكام لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن ; فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسل .

فهذا الكلام ونحوه فيه كثير من الضلال مثل دعواه أن جميع الأنبياء والرسل يستفيدون معرفة الله من خاتم الأنبياء ; فإن هذا كذب . [ ص: 369 ] ومن قال : إن إبراهيم الخليل وموسى وعيسى وغيرهم إنما استفادوا معرفة الله من النبي صلى الله عليه وسلم فقد كذب بل الله أوحى إليهم وعلمهم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن موجودا حين خلقوا والمتقدم لا يستفيد من المتأخر .

{ وقوله صلى الله عليه وسلم كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد } وفي لفظ { كتبت نبيا } كقوله صلى الله عليه وسلم { إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته } فإن الله خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه كتب وأظهر ما سيكون من ذريته فكتب نبوة محمد وأظهرها كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما [ نطفة ] ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيقال : اكتب رزقه وأجله ; وعمله ; وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح } فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه بعد أن يخلق بدن الجنين في بطن أمه وقبل نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ؟ فهكذا كتب خبر سيد ولد آدم وآدم منجدل في طينته قبل أن ينفخ الروح فيه .

وأما قول بعضهم : { كنت نبيا وآدم بين الماء والطين } فهذا نقل باطل نقلا وعقلا ; فإن آدم [ ليس ] بين الماء والطين ; بل الطين ماء وتراب ; ولكن كان بين الروح والجسد . فهذا ونحوه فيه [ ص: 370 ] علم الله بالأشياء قبل كونها وكتابته إياها وإخباره بها وذلك غير وجود أعيانها ; لأنها لا توجد أعيانها حتى تخلق ومن لم يفرق بين ثبوت الشيء في العلم والكلام والكتاب وبين حقيقته [ في ] الخارج وكذلك بين الوجود العلمي والعيني : عظم جهله وضلاله .

وأهل العلم قد أعظموا النكبة على من يقول : المعدوم شيء ثابت في الخارج وإن كان لهؤلاء شبهة عقلية لكونهم ظنوا أن تميزه في العلم والإرادة يقتضي تمييزه في الخارج فإنهم أخطئوا في ذلك والتحقيق الفرق بين الثبوت العلمي والعيني وأما وجود الأشياء قبل خلقها فهذا أعظم في الجهل والضلال .

[ وأما ] دعواه أن الأولياء كلهم حتى الأنبياء يستفيدون من خاتم الأولياء فهذا مخالف للعقل والشرع ; فإن الأنبياء أفضل من الأولياء وخيار الأولياء أتبعهم للأنبياء كما كان أبو بكر أفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبيين والمرسلين .

وكذلك دعواه أن خاتم الأولياء يأخذ العلم الظاهر من حيث يأخذه النبي ; ويأخذ العلم الباطن من المعدن الذي يأخذ منه الملك ما يوحيه إلى النبي ; فهذا من أعظم الكفر والضلال وهو مبني على قول المتفلسفة الذين يجعلون النبوة فيضا يفيض على عقل النبي ويقولون : إن الملك [ ص: 371 ] هو [ ما ] يتمثل في نفس النبي من الأشكال النورانية فيقولون : إن النبي يأخذ عن تلك الصور الخيالية وهي الملك عندهم فمن أخذ المعاني العقلية عن العقل المجرد كان أعظم وأكمل ممن يأخذ عن الأمثلة الخيالية فهؤلاء اعتقدوا أقوال هؤلاء الفلاسفة الملحدين وسلكوا مسلك الرياضة فأخذوا يتكلمون بتلك الأمور الإلحادية الفلسفية ويخرجونها في قالب المكاشفات والمخاطبات .

وما ذكروه من خاتم الأولياء لا حقيقة له وإن كان قد ذكره الحكيم الترمذي في كتاب " خاتم الأولياء " فقد غلط في ذلك الكتاب غلطا معروفا عند أهل المعرفة والعلم والإيمان . وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع .

فهذه الأحاديث وأمثالها مما هو كذب وفرية عند أهل العلم لا سيما إذا كانت معلومة البطلان بالعقل ; بل متخيلة في العقل ليس لأحد أن يرويها ويحدث بها إلا على وجه البيان لكونها كذبا كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين } .

وعلى ولاة الأمور أن يمنعوا من التحدث بها في كل مكان ومن أصر على ذلك فإنه يعاقب العقوبة البليغة التي تزجره وأمثاله عن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل بيته ; وغيرهم من أهل العلم والدين والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية