صفحة جزء
وسئل هل يجوز المسح على الجورب كالخف أم لا ؟ وهل يكون الخرق الذي فيه الطعن مانعا من المسح فقد يصف بشرة شيء من محل [ ص: 214 ] الفرض ؟ وإذا كان في الخف خرق بقدر النصف أو أكثر هل يعفى عن ذلك أم لا ؟ .


فأجاب : نعم يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء كانت مجلدة أو لم تكن . في أصح قولي العلماء . ففي السنن : أن النبي { مسح على جوربيه ونعليه } . وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك فإن الفرق بين الجوربين والنعلين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة فلا فرق بين أن يكون جلودا أو قطنا أو كتانا أو صوفا كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه ومحظوره ومباحه وغايته أن الجلد أبقى من الصوف : فهذا لا تأثير له كما لا تأثير لكون الجلد قويا بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى .

وأيضا فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقا بين المتماثلين وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة وما أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله ومن فرق بكون هذا ينفذ الماء منه وهذا لا ينفذ منه : فقد ذكر فرقا طرديا عديم التأثير .

[ ص: 215 ] ولو قال قائل : يصل الماء إلى الصوف أكثر من الجلد فيكون المسح عليه أولى للصوق الطهور به أكثر : كان هذا الوصف أولى بالاعتبار من ذلك الوصف وأقرب إلى الأوصاف المؤثرة وذلك أقرب إلى الأوصاف الطردية وكلاهما باطل .

وخروق الطعن لا تمنع جواز المسح ولو لم تستر الجوارب إلا بالشد جاز المسح عليها على الصحيح وكذلك الزربول الطويل الذي لا يثبت بنفسه ولا يستر إلا بالشد . والله أعلم .

؟ وقال رحمه الله لما ذهبت على البريد وجد بنا السير وقد انقضت مدة المسح فلم يمكن النزع والوضوء إلا بانقطاع عن الرفقة أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف فغلب على ظني عدم التوقيت عند الحاجة كما قلنا في الجبيرة ونزلت حديث عمر وقوله : لعقبة بن عامر : { أصبت السنة } علي هذا توفيقا بين الآثار ثم رأيته مصرحا به في مغازي ابن عائد أنه كان قد ذهب على البريد كما ذهبت لما فتحت دمشق ذهب بشيرا بالفتح من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة فقال له عمر : منذ كم لم تنزع خفيك ؟ فقال : منذ يوم الجمعة قال : أصبت فحمدت الله على الموافقة .

[ ص: 216 ] وهذا أظنه أحد القولين لأصحابنا وهو : أنه إذا كان يتضرر بنزع الخف صار بمنزلة الجبيرة . وفي القول الآخر : أنه إذا خاف الضرر بالنزع تيمم ولم يمسح . وهذا كالروايتين لنا إذا كان جرحه بارزا يمكنه مسحه بالماء دون غسله فهل يمسحه أو يتيمم له ؟ على روايتين . والصحيح المسح لأن طهارة المسح بالماء أولى من طهارة المسح بالتراب ; ولأنه إذا جاز المسح على حائل العضو فعليه أولى .

وذلك أن طهارة المسح على الخفين طهارة اختيارية وطهارة الجبيرة طهارة اضطرارية فماسح الخف لما كان متمكنا من الغسل والمسح وقت له المسح وماسح الجبيرة لما كان مضطرا إلى مسحها لم يوقت وجاز في الكبرى فالخف الذي يتضرر بنزعه جبيرة . وضرره يكون بأشياء : إما أن يكون في ثلج وبرد عظيم : إذا نزعه ينال رجليه ضرر أو يكون الماء باردا لا يمكن معه غسلهما فإن نزعهما تيمم فمسحهما خير من التيمم . أو يكون خائفا إذا نزعهما وتوضأ : من عدو أو سبع أو انقطاع عن الرفقة في مكان لا يمكنه السير وحده ; ففي مثل هذه الحال له ترك طهارة الماء إلى التيمم ; فلأن يجوز ترك طهارة الغسل إلى المسح أولى . ويلحق بذلك إذا كان عادما للماء ومعه قليل يكفي لطهارة المسح لا لطهارة الغسل فإن نزعهما تيمم فالمسح عليهما خير من التيمم .

[ ص: 217 ] وأصل ذلك أن قوله { : يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن } منطوقه إباحة المسح هذه المدة والمفهوم لا عموم له بل يكفي أن لا يكون المسكوت كالمنطوق فإذا خالفه في صورة حصلت المخالفة فإذا كان فيما سوى هذه المدة لا يباح مطلقا بل يحظر تارة ويباح أخرى حصل العمل بالحديث وهذا واضح وهي مسألة نافعة جدا .

فإنه من باشر الأسفار في الحج والجهاد والتجارة وغيرها : رأى أنه في أوقات كثيرة لا يمكن نزع الخفين والوضوء إلا بضرر يباح التيمم بدونه واعتبر ذلك بما لو انقضت المدة والعدو بإزائه ففائدة النزع الوضوء على الرجلين فحيث يسقط الوضوء على الرجلين يسقط النزع وقد يكون الوضوء واجبا لو كانا بارزتين لكن مع استتارهما يحتاج إلى قلعهما وغسل الرجلين ثم لبسهما ثانيا إذا لم تتم مصلحته إلا بذلك بخلاف ما إذا استمر فإن طهارته باقية وبخلاف ما إذا توضأ ومسح عليهما : فإن ذلك قد لا يضره .

ففي هذين الموضعين لا يتوقت إذا كان الوضوء ساقطا فينتقل إلى التيمم فإن المسح المستمر أولى من التيمم وإذا كان في النزع واللبس ضرر يبيح التيمم : فلأن يبيح المسح أولى . والله أعلم ؟ .

التالي السابق


الخدمات العلمية