صفحة جزء
[ ص: 160 ] قال - رحمه الله تعالى - : - بسم الله الرحمن الرحيم { الحمد لله رب العالمين } { الرحمن الرحيم } { مالك يوم الدين } وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير له ولا معين . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ; الذي أرسله إلى الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وعلى سائر عباد الله الصالحين

أما بعد : فقد سئلت غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد . لما سعى إليه قوم من الجهمية ; والاتحادية ; والرافضة وغيرهم من ذوي الأحقاد . فأمر الأمير بجمع القضاة الأربعة ; قضاة المذاهب الأربعة ; وغيرهم من نوابهم ; والمفتين والمشايخ ; ممن له حرمة وبه اعتداد . وهم لا يدرون [ ص: 161 ] ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة

فقال لي : هذا المجلس عقد لك فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد . وأظنه قال : وأن أجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك . فقلت : أما الاعتقاد : فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني ; بل يؤخذ عن الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة ; فما كان في القرآن وجب اعتقاده وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم

وأما الكتب فما كتبت إلى أحد كتابا ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني : من أهل الديار المصرية وغيرهم وكان قد بلغني أنه زور علي كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير أستاذ دار السلطان يتضمن ذكر عقيدة محرفة ولم أعلم بحقيقته ; لكن علمت أنه مكذوب . وكان يرد علي من مصر وغيرها من يسألني عن مسائل في الاعتقاد وغيره فأجيبه بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة

[ ص: 162 ] فقال : نريد أن تكتب لنا عقيدتك . فقلت : اكتبوا . فأمر الشيخ كمال الدين : أن يكتب ; فكتب له جمل الاعتقاد في أبواب الصفات والقدر ومسائل الإيمان والوعيد والإمامة والتفضيل . وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة : الإيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وأن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود

والإيمان بأن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه أمر بالطاعة وأحبها ورضيها ; ونهى عن المعصية وكرهها . والعبد فاعل حقيقة والله خالق فعله وأن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص وأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بالذنوب ولا نخلد في النار من أهل الإيمان أحدا وأن الخلفاء بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة ومن قدم عليا على عثمان : فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وذكرت هذا أو نحوه ; فإني الآن قد بعد عهدي ولم أحفظ لفظ ما أمليته ; لكنه كتب إذ ذاك

ثم قلت للأمير والحاضرين : أنا أعلم أن أقواما يكذبون علي ; كما قد كذبوا علي غير مرة . وإن أمليت الاعتقاد من حفظي : ربما يقولون كتم بعضه ; [ ص: 163 ] أو داهن ودارى ; فأنا أحضر عقيدة مكتوبة ; من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام . وقلت قبل حضورها كلاما قد بعد عهدي به وغضبت غضبا شديدا ; لكني أذكر أني قلت : أنا أعلم أن أقواما كذبوا علي وقالوا للسلطان أشياء وتكلمت بكلام احتجت إليه ; مثل أن قلت : من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيري ؟ ومن الذي أوضح دلائله وبينه ؟ وجاهد أعداءه وأقامه لما مال ؟ حين تخلى عنه كل أحد ; ولا أحد ينطق بحجته ولا أحد يجاهد عنه وقمت مظهرا لحجته مجاهدا عنه مرغبا فيه ؟

فإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام في فكيف يصنعون بغيري ولو أن يهوديا طلب من السلطان الإنصاف : لوجب عليه أن ينصفه ; وأنا قد أعفو عن حقي وقد لا أعفو ; بل قد أطلب الإنصاف منه وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون ; ليوافقوا على افترائهم وقلت كلاما أطول من هذا الجنس ; لكن بعد عهدي به

فأشار الأمير إلى كاتب الدرج محيي الدين : بأن يكتب ذلك . وقلت أيضا : كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه وما أدري هل قلت هذا قبل حضورها أو بعده ; لكنني قلت أيضا بعد حضورها وقراءتها : ما ذكرت فيها فصلا : إلا وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة وكل جملة فيها خلاف لطائفة من الطوائف ثم [ ص: 164 ] أرسلت من أحضرها ومعها كراريس بخطي من المنزل فحضرت " العقيدة الواسطية "

وقلت لهم : هذه كان سبب كتابتها أنه قدم علي من أرض واسط بعض قضاة نواحيها - شيخ يقال له " رضي الدين الواسطي " من أصحاب الشافعي - قدم علينا حاجا وكان من أهل الخير والدين وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفي دولة التتر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته فاستعفيت من ذلك وقلت : قد كتب الناس عقائد متعددة ; فخذ بعض عقائد أئمة السنة

فألح في السؤال وقال : ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر وقد انتشرت بها نسخ كثيرة ; في مصر ; والعراق ; وغيرهما . فأشار الأمير بأن لا أقرأها أنا لرفع الريبة وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين فقرأها على الحاضرين حرفا حرفا والجماعة الحاضرون يسمعونها ويورد المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء

والأمير أيضا : يسأل عن مواضع فيها وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى ما قد علم الناس بعضه وبعضه بسبب الاعتقاد وبعضه بغير ذلك . ولا يمكن ذكر ما جرى من الكلام والمناظرات : في هذه المجالس فإنه [ ص: 165 ] كثير لا ينضبط ; لكن أكتب ملخص ما حضرني من ذلك مع بعد العهد بذلك ومع أنه كان يجري رفع أصوات ولغط لا ينضبط . فكان مما اعترض علي بعضهم - لما ذكر في أولها ومن الإيمان بالله : الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل فقال : - ما المراد بالتحريف والتعطيل ؟ ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي أثبته أهل التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره ; إما وجوبا وإما جوازا

فقلت : تحريف الكلم عن مواضعه كما ذمه الله تعالى في كتابه وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى مثل تأويل بعض الجهمية لقوله تعالى { وكلم الله موسى تكليما } أي جرحه بأظافير الحكمة تجريحا ومثل تأويلات القرامطة والباطنية وغيرهم : من الجهمية والرافضة والقدرية وغيرهم

فسكت وفي نفسي ما فيها . وذكرت في غير هذا المجلس : أني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف ; لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة فنفيت ما ذمه الله من التحريف ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ولا إثبات ; لأنه لفظ له عدة معان كما بينته في موضعه من القواعد

[ ص: 166 ] فإن معنى لفظ " التأويل " في كتاب الله : غير معنى لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرين ; من أهل الأصول والفقه وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير والسلف ; لأن من المعاني التي قد تسمى تأويلا ما هو صحيح منقول عن بعض السلف ; فلم أنف ما تقوم الحجة على صحته فإذا ما قامت الحجة على صحته وهو منقول عن السلف : فليس من التحريف

وقلت له أيضا : ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه ; لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال : { ليس كمثله شيء } وقال : { هل تعلم له سميا }

وكان أحب إلي من لفظ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله وإن كان قد يعنى بنفيه معنى صحيح كما قد يعنى به معنى فاسد

ولما ذكرت أنهم لا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يلحدون في أسماء الله وآياته : جعل بعض الحاضرين يتمعض من ذلك ; لاستشعاره ما في ذلك من الرد الظاهر عليه ; ولكن لم يتوجه له ما يقوله ; وأراد أن يدور بالأسئلة التي أعلمها : فلم يتمكن لعلمه بالجواب

ولما ذكرت آية الكرسي : أظنه سأل الأمير عن قولنا : لا يقربه شيطان حتى يصبح

فذكرت حديث أبي هريرة في الذي كان يسرق صدقة الفطر وذكرت أن البخاري رواه في صحيحه وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا ويعرضون لما ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك

[ ص: 167 ] فقلت : قولي من غير تكييف ولا تمثيل : ينفي كل باطل وإنما اخترت هذين الاسمين ; لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة ، ومالك وابن عيينة وغيرهم - المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول - الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة "

فاتفق هؤلاء السلف : على أن التكييف غير معلوم لنا فنفيت ذلك اتباعا لسلف الأمة . وهو أيضا منفي بالنص فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف وحقيقة صفاته

وهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله كما قد قررت ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في التأويل والمعنى والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله

وكذلك التمثيل : منفي بالنص والإجماع القديم مع دلالة العقل على نفيه ونفي التكييف ، إذ كنه الباري غير معلوم للبشر ، وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي الذي نقل أنه مذهب السلف وهو إجراء آيات الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها ، إذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله فإذا كان إثبات الذات : إثبات وجود لا إثبات تكييف فكذلك إثبات الصفات : إثبات وجود لا إثبات تكييف

[ ص: 168 ] فقال أحد كبار المخالفين : فحينئذ يجوز أن يقال : هو جسم لا كالأجسام فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين : إنما قيل إنه يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم حتى يلزم هذا السؤال

وأخذ بعض القضاة الحاضرين والمعروفين بالديانة : يريد إظهار أن ينفي عنا ما يقول وينسبه البعض إلينا فجعل يزيد في المبالغة في نفي التشبيه والتجسيم فقلت : ذكرت فيها في غير موضع من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل وقلت في صدرها : ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل

ثم قلت : وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك إلى أن قلت : إلى أمثال هذه الأحاديث الصحاح التي يخبر فيها رسول الله بما يخبر به فإن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - : يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل هم وسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم

[ ص: 169 ] فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وبين أهل التمثيل المشبهة

ولما رأى هذا الحاكم العدل : ممالأتهم وتعصبهم ورأى قلة العارف الناصر وخافهم قال : أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد فتقول هذا اعتقاد أحمد يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه فإن هذا مذهب متبوع وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم

فقلت : ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا ، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله وهذه عقيدة محمد وقلت مرات : قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة - التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : " { خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم } - يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك وعلي أن آتي بنقول جميع الطوائف - عن القرون الثلاثة توافق ما ذكرته - من الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنبلية ، والأشعرية ، وأهل الحديث ، والصوفية ، وغيرهم

[ ص: 170 ] وقلت أيضا : في غير هذا المجلس : الإمام أحمد - رحمه الله - لما انتهى إليه من السنة ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما انتهى إلى غيره وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره : كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره فصار إماما في السنة أظهر من غيره وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة - العلماء الصلحاء - قال : المذهب لمالك والشافعي والظهور لأحمد بن حنبل

يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان وإظهار الحق ودفع الباطل ما ليس لبعض

ولما جاء فيها : وما وصف به النبي ربه في الأحاديث الصحاح : التي تلقاها أهل العلم بالقبول

ولما جاء حديث أبى سعيد - المتفق عليه في الصحيحين عن النبي يقول الله يوم القيامة : " { يا آدم فيقول : لبيك وسعديك . فينادي بصوت : إن الله يأمرك أن تبعث بعثا إلى النار } الحديث - سألهم الأمير هل هذا الحديث صحيح ؟ فقلت : نعم . هو في الصحيحين ولم يخالف في ذلك أحد واحتاج المنازع إلى الإقرار به ووافق الجماعة على ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية