صفحة جزء
[ ص: 140 ] فصل ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ويرمي الجمرات الثلاث كل يوم بعد الزوال يبتدئ بالجمرة الأولى التي هي أقرب إلى مسجد الخيف . ويستحب أن يمشي إليها فيرميها بسبع حصيات . ويستحب له أن يكبر مع كل حصاة وإن شاء قال : اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا . ويستحب له إذا رماها أن يتقدم قليلا إلى موضع لا يصيبه الحصى فيدعو الله تعالى مستقبل القبلة رافعا يديه بقدر سورة البقرة .

ثم يذهب إلى الجمرة الثانية فيرميها كذلك فيتقدم عن يساره يدعو مثل ما فعل عند الأولى .

ثم يرمي الثالثة وهي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات أيضا ولا يقف عندها .

ثم يرمي في اليوم الثاني من أيام منى مثل ما رمى في الأول ثم إن شاء رمى في اليوم الثالث وهو الأفضل وإن شاء تعجل في اليوم الثاني بنفسه قبل غروب الشمس . كما قال تعالى : { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } الآية .

فإذا غربت الشمس وهو بمنى أقام حتى يرمي مع الناس في اليوم الثالث ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك بل السنة أن يقيم إلى اليوم الثالث والسنة للإمام أن يصلي بالناس بمنى ويصلي خلفه أهل الموسم .

ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى . وهو مسجد الخيف مع الإمام فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بالناس قصرا بلا جمع بمنى ويقصر الناس كلهم خلفهم أهل مكة وغير أهل مكة . وإنما روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر } لما صلى بهم بمكة نفسها فإن لم يكن للناس إمام عام صلى الرجل بأصحابه ; والمسجد بني بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على عهده .

ثم إذا نفر من منى فإن بات بالمحصب - وهو الأبطح وهو ما بين الجبلين إلى المقبرة - ثم نفر بعد ذلك فحسن ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم بات به وخرج . ولم يقم بمكة بعد صدوره من منى لكنه ودع البيت وقال : { لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت } فلا يخرج الحاج حتى يودع البيت فيطوف طواف الوداع حتى يكون [ ص: 142 ] آخر عهده بالبيت ومن أقام بمكة فلا وداع عليه .

وهذا الطواف يؤخره الصادر من مكة حتى يكون بعد جميع أموره فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها لكن إن قضى حاجته أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه ليحمل المتاع على دابته ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل فلا إعادة عليه وإن أقام بعد الوداع أعاده وهذا الطواف واجب عند الجمهور لكن يسقط عن الحائض .

وإن أحب أن يأتي الملتزم وهو ما بين الحجر الأسود والباب فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه ويدعو ويسأل الله تعالى حاجته فعل ذلك وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة وإن شاء قال في دعائه الدعاء المأثور عن ابن عباس : " اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على أداء نسكي فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا وإلا فمن الآن فارض عني قبل أن تنأى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك اللهم فأصحبني العافية في بدني والصحة في [ ص: 143 ] جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير " ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسنا .

فإذا ولى لا يقف ولا يلتفت ولا يمشي القهقرى قال الثعلبي في " فقه اللغة " : القهقرى : مشية الراجع إلى خلف حتى قد قيل إنه إذا رأى البيت رجع فودع وكذلك عند سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم لا ينصرف ولا يمشي القهقرى بل يخرج كما يخرج الناس من المساجد عند الصلاة .

وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد لكن عليه وعلى المتمتع هدي : بدنة أو بقرة أو شاة أو شرك في دم فمن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام قبل يوم النحر وسبعة إذا رجع وله أن يصوم الثلاثة من حين أحرم بالعمرة في أظهر أقوال العلماء . وفيه ثلاث روايات عن أحمد : قيل إنه يصومها قبل الإحرام بالعمرة وقيل لا يصومها إلا بعد الإحرام بالحج وقيل يصومها من حين الإحرام بالعمرة وهو الأرجح . وقد قيل إنه يصومها بعد التحلل من العمرة فإنه حينئذ شرع في الحج ولكن دخلت العمرة في الحج كما دخل الوضوء في الغسل قال النبي صلى الله عليه وسلم { دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة } وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا متمتعين معه وإنما [ ص: 144 ] أحرموا بالحج .

ويستحب أن يشرب من ماء زمزم ويتضلع منه ويدعو عند شربه بما شاء من الأدعية الشرعية ولا يستحب الاغتسال منها .

وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام ; كالمسجد الذي تحت الصفا وما في سفح أبي قبيس ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كمسجد المولد وغيره فليس قصد شيء من ذلك من السنة ولا استحبه أحد من الأئمة وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة والمشاعر : عرفة ومزدلفة والصفا والمروة وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال إنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك فإنه ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك بل هو بدعة وكذلك ما يوجد في الطرقات من المساجد المبنية على الآثار والبقاع التي يقال إنها من الآثار لم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك بخصوصه ولا زيارة شيء من ذلك .

ودخول الكعبة ليس بفرض ولا سنة مؤكدة بل دخولها حسن والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدخلها في الحج ولا في العمرة [ ص: 145 ] لا عمرة الجعرانة ولا عمرة القضية وإنما دخلها عام فتح مكة ومن دخلها يستحب له أن يصلي فيها ويكبر الله ويدعوه ويذكره فإذا دخل مع الباب تقدم حتى يصير بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع والباب خلفه فذلك هو المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدخلها إلا حافيا والحجر أكثره من البيت من حيث ينحني حائطه فمن دخله فهو كمن دخل الكعبة وليس على داخل الكعبة ما ليس على غيره من الحجاج بل يجوز له من المشي حافيا وغير ذلك ما يجوز لغيره .

والإكثار من الطواف بالبيت من الأعمال الصالحة فهو أفضل من أن يخرج الرجل من الحرم ويأتي بعمرة مكية فإن هذا لم يكن من أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولا رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بل كرهه السلف .

التالي السابق


الخدمات العلمية