صفحة جزء
وقال الشيخ بعد حمد الله تعالى والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم . أما بعد . فإن الله - وله الحمد - قد أنعم علي من نعمه العظيمة ومننه الجسيمة وآلائه الكريمة ما هو مستوجب لعظيم الشكر والثبات على الطاعة واعتياد حسن الصبر على فعل المأمور . والعبد مأمور بالصبر في السراء أعظم من الصبر في الضراء قال تعالى : { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور } { ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور } { إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير } .

[ ص: 51 ] وتعلمون أن الله سبحانه من في هذه القضية من المنن التي فيها من أسباب نصر دينه . وعلو كلمته ونصر جنده وعزة أوليائه وقوة أهل السنة والجماعة وذل أهل البدعة والفرقة . وتقرير ما قرر عندكم من السنة وزيادات على ذلك بانفتاح أبواب من الهدى والنصر والدلائل وظهور الحق لأمم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى وإقبال الخلائق إلى سبيل السنة والجماعة وغير ذلك من المنن ما لا بد معه من عظيم الشكر ومن الصبر وإن كان صبرا في سراء .

وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين : تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين فإن الله تعالى يقول : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ويقول : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } ويقول : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } .

وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف .

وأهل هذا الأصل : هم أهل الجماعة كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة .

وجماع السنة : طاعة الرسول . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 52 ] في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة " { إن الله يرضى لكم ثلاثا : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم } .

وفي السنن من حديث زيد بن ثابت وابن مسعود - فقيهي الصحابة - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " { نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر . ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من وراءهم } .

وقوله " لا يغل " أي لا يحقد عليهن . فلا يبغض هذه الخصال قلب المسلم بل يحبهن ويرضاهن .

وأول ما أبدأ به من هذا الأصل : ما يتعلق بي فتعلمون - رضي الله عنكم - أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين - فضلا عن أصحابنا - بشيء أصلا لا باطنا ولا ظاهرا ولا عندي عتب على أحد منهم . ولا لوم أصلا بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان كل بحسبه ولا يخلو [ ص: 53 ] الرجل . إما أن يكون مجتهدا مصيبا أو مخطئا أو مذنبا . فالأول : مأجور مشكور . والثاني مع أجره على الاجتهاد : فمعفو عنه مغفور له . والثالث : فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين .

فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل .

كقول القائل : فلان قصر فلان ما عمل فلان أوذي الشيخ بسببه فلان كان سبب هذه القضية فلان كان يتكلم في كيد فلان . ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان . فإني لا أسامح من أذاهم من هذا الباب ولا حول ولا قوة إلا بالله .

بل مثل هذا يعود على قائله بالملام إلا أن يكون له من حسنة وممن يغفر الله له إن شاء . وقد عفا الله عما سلف .

وتعلمون أيضا : أن ما يجري من نوع تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان : ما كان يجري بدمشق ومما جرى الآن بمصر فليس ذلك غضاضة ولا نقصا في حق صاحبه ولا حصل بسبب ذلك تغير منا ولا بغض . بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين أرفع قدرا وأنبه ذكرا وأحب وأعظم وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى . وقد [ ص: 54 ] لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة ; لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين .

وتعلمون : أنا جميعا متعاونون على البر والتقوى واجب علينا نصر بعضنا بعضا أعظم مما كان وأشد . فمن رام أن يؤذي بعض الأصحاب أو الإخوان لما قد يظنه من نوع تخشين - عومل به بدمشق أو بمصر الساعة أو غير ذلك - فهو الغالط .

وكذلك من ظن أن المؤمنين يبخلون عما أمروا به من التعاون والتناصر فقد ظن ظن سوء وإن الظن لا يغني من الحق شيئا وما غاب عنا أحد من الجماعة أو قدم إلينا الساعة أو قبل الساعة إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كانت وأجل وأرفع .

وتعلمون - رضي الله عنكم - : أن ما دون هذه القصية من الحوادث يقع فيها من اجتهاد الآراء واختلاف الأهواء وتنوع أحوال أهل الإيمان وما لا بد منه - من نزغات الشيطان - ما لا يتصور أن يعرى عنه نوع الإنسان . وقد قال تعالى : { وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما } بل أنا أقول ما هو أبلغ من ذلك - تنبيها بالأدنى على الأعلى [ ص: 55 ] وبالأقصى على الأدنى - فأقول : تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من الأكاذيب المفتراة والأغاليط المظنونة والأهواء الفاسدة وأن ذلك أمر يجل عن الوصف . وكل ما قيل : من كذب وزور فهو في حقنا خير ونعمة . قال تعالى : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } .

وقد أظهر الله من نور الحق وبرهانه ما رد به إفك الكاذب وبهتانه .

فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم . وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي .

والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي .

وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم وإلا فحكم الله نافذ فيهم فلو كان الرجل مشكورا على سوء عمله لكنت أشكر كل من كان سببا في هذه القضية لما يترتب عليه من خير الدنيا [ ص: 56 ] والآخرة ; لكن الله هو المشكور على حسن نعمه وآلائه وأياديه التي لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له .

وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم . وأنتم تعلمون هذا من خلقي . والأمر أزيد مما كان وأوكد لكن حقوق الناس بعضهم مع بعض وحقوق الله عليهم هم فيها تحت حكم الله . وأنتم تعلمون أن الصديق الأكبر في قضية الإفك التي أنزل الله فيها القرآن حلف لا يصل مسطح بن أثاثة لأنه كان من الخائضين في الإفك . فأنزل الله تعالى : { ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } فلما نزلت قال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي . فأعاد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق .

ومع ما ذكر من العفو والإحسان وأمثاله وأضعافه والجهاد على ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة أمر لا بد منه { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } . [ ص: 57 ] والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما .

التالي السابق


الخدمات العلمية