صفحة جزء
[ ص: 80 ] وسئل رحمه الله عن صورة كتاب وقف نصه : هذا ما وقفه عامر بن يوسف بن عامر على أولاده : علي وطريفة ; وزبيدة . بينهم على الفريضة الشرعية ; ثم على أولادهم من بعدهم ; ثم على أولاد أولادهم ثم على أولاد أولاد أولادهم . ثم على نسلهم وعقبهم من بعدهم وإن سفلوا ; كل ذلك على الفريضة الشرعية على أنه من توفي من أولادهم المذكورين ; وأولاد أولادهم ; ونسلهم . وعقبهم من بعدهم : عن ولد ; أو ولد ولد ; ونسل ; أو عقب وإن سفل : كان ما كان موقوفا عليه ; راجعا إلى ولده ; وولد ولده ; ونسله ; وعقبه من بعده ; وإن سفل . كل ذلك على الفريضة الشرعية .

ومن توفي منهم عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب - وإن بعد - كان ما كان موقوفا عليه راجعا إلى من هو في طبقته وأهل درجته من أهل الوقف : على الفريضة الشرعية ; ثم على جهات ذكرها في كتاب الوقف - والمسئول من السادة العلماء أن يتأملوا شرط الواقف المذكور - ثم توفي عن بنتين فتناولتا ما انتقل إليهما عنه ; ثم توفيت إحداهما عن ابن وابنة ابن .

[ ص: 81 ] فهل يشتركان في نصيبها ; أم يختص به الابن دون ابنة الابن ؟ ثم إن الابن المذكور توفي عن ابن : هل يختص بما كان جاريا على أبيه دون ابنة الابن ؟ وهل يقتضي شرط الواقف المذكور ترتيب الجملة على الجملة ؟ أو الأفراد على الأفراد .


فأجاب : هذه المسألة فيها قولان عند الإطلاق معروفان للفقهاء في مذهب الإمام أحمد وغيره ; ولكن الأقوى أنها لترتيب الأفراد على الأفراد وأن ولد الولد يقوم مقام أبيه لو كان الابن موجودا مستحقا قد عاش بعد موت الجد واستحق أو عاش ولم يستحق لمانع فيه أو لعدم قبوله للوقف أو لغير ذلك أو لم يعش بل مات في حياة الجد . ويكون على هذا التقدير مقابلة الجمع بالجمع ; وهي تقتضي توزيع الأفراد على الأفراد كما في قوله { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } أي لكل واحد نصف ما تركت زوجته ; وقوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } أي حرم على كل واحد أمه ونحو ذلك . كذلك قوله : على أولادهم ; ثم على أولاد أولادهم أي : على كل واحد بعد موت أبيه . وأما في هذه فقد صرح الواقف بأنه من مات عن ولد انتقل نصيبه إلى ولده ; وهذا صريح في أنه لترتيب الأفراد على الأفراد ; فلم يبق في هذه المسألة نزاع .

وإنما الشبهة في أن الولد إذا مات في حياة أبيه وله ولد ; ثم مات الأب عن ولد آخر وعن ولد الولد الأول : هل يشتركان ؟ أو ينفرد به الأول ؟ [ ص: 82 ] الأظهر في هذه المسألة أنهما يشتركان ; لأنه إذا كان المراد أن كل ولد مستحق بعد موت أبيه - سواء كان عمه حيا أو ميتا - فمثل هذا الكلام إذا يشترط فيه عدم استحقاق الأب كما قال الفقهاء في ترتيب العصبة : إنهم الابن ثم ابنه ثم الأب ثم أبوه ; ثم العم ثم بنو العم ; ونحو ذلك ; فإنه لا يشترط في الطبقة الثانية إلا عدم استحقاق الأولى . فمتى كانت الثانية موجودة والأولى لا استحقاق لها استحقت الثانية ; سواء كانت الأولى استحقت أو لم تستحق ولا يشترط لاستحقاق الثانية استحقاق الأولى ; وذلك لأن الطبقة الثانية تتلقى الوقف من الواقف لا من الثانية فليس هو كالميراث الذي يرثه الابن ; ثم ينتقل إلى ابنه وإنما هو كالولاء الذي يورث به فإذا كان ابن المعتق قد مات في حياة المعتق ; ورث الولاء ابن ابنه .

وإنما يغلط من يغلط في مثل هذه المسألة حين يظن أن الطبقة الثانية تتلقى من التي قبلها ; فإن لم تستحق الأولى شيئا لم تستحق الثانية . ثم يظنون أن الوالد إذا مات قبل الاستحقاق لم يستحق ابنه ; وليس كذلك ; بل هم يتلقون من الواقف ; حتى لو كانت الأولى محجوبة بمانع من الموانع : مثل أن يشترط الواقف في المستحقين أن يكونوا فقراء أو علماء أو عدولا ; أو غير ذلك ويكون الأب مخالفا للشرط المذكور وابنه متصفا به فإنه يستحق الابن وإن لم يستحق أبوه .

كذلك إذا مات [ ص: 83 ] الأب قبل الاستحقاق فإنه يستحق ابنه . وهكذا جميع الترتيب في الحضانة وولاية النكاح والمال وترتيب عصبة النسب والولاء في الميراث وسائر ما جعل المستحقون فيه طبقات ودرجات فإن الأمر فيه على ما ذكر .

وهذا المعنى هو الذي يقصده الواقفون إذا سئلوا عن مرادهم . ومن صرح منهم بمراده فإنه يصرح بأن ولد الولد ينتقل إليه ما ينتقل إلى ولده لو كان حيا لا سيما والناس يرحمون من مات والده ولم يرث حتى إن الجد قد يوصي لولد ولده ; ومعلوم أن نسبة هذا الولد ونسبة ولد ذلك الولد إلى الجد سواء . فكيف يحرم ولد ولده اليتيم ويعطي ولد ولده الذي ليس بيتيم فإن هذا لا يقصده عاقل . ومتى لم نقل بالتشريك بقي الوقف في هذا الولد وولده ; دون ذرية الولد الذي مات في حياة أبيه . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية