صفحة جزء
ولهذا جوز أكثر العلماء الخلع في الحيض ; لأنه على قول فقهاء الحديث ليس بطلاق ; بل فرقة بائنة وهو في أحد قوليهم تستبرأ بحيضة لا عدة عليها وهذه إحدى الروايتين عند أحمد ; ولأنها تملك نفسها بالاختلاع فلهما فائدة في تعجيل الإبانة لرفع الشر الذي بينهما ; بخلاف الطلاق الرجعي فإنه لا فائدة في تعجيله قبل وقته ; بل ذلك شر بلا خير . وقد قيل : إنه طلاق في وقت لا يرغب فيها وقد لا يكون محتاجا إليه ; بخلاف الطلاق وقت الرغبة فإنه لا يكون إلا عن حاجة . { وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر : مره فليراجعها } مما تنازع العلماء فيه في مراد النبي صلى الله عليه وسلم ففهم منه طائفة من العلماء : أن الطلاق قد لزمه فأمر أن يرتجعها ; ثم يطلقها في الطهر إن شاء .

وتنازع [ ص: 22 ] هؤلاء : هل الارتجاع واجب أو مستحب ؟ وهل له أن يرتجعها في الطهر الأول أو الثاني ؟ وفي حكمة هذا النهي ؟ أقوال : ذكرناها وذكرنا مأخذها في غير هذا الموضع . وفهم طائفة أخرى : أن الطلاق لم يقع ولكنه لما فارقها ببدنه كما جرت العادة من الرجل إذا طلق امرأته اعتزلها ببدنه واعتزلته ببدنها ; { فقال لعمر : مره فليراجعها } ولم يقل : فليرتجعها . " والمراجعة " مفاعلة من الجانبين : أي ترجع إليه ببدنها فيجتمعان كما كانا ; لأن الطلاق لم يلزمه فإذا جاء الوقت الذي أباح الله فيه الطلاق طلقها حينئذ إن شاء . قال هؤلاء : ولو كان الطلاق قد لزم لم يكن في الأمر بالرجعة ليطلقها طلقة ثانية فائدة ; بل فيه مضرة عليهما ; فإن له أن يطلقها بعد الرجعة بالنص والإجماع وحينئذ يكون في الطلاق مع الأول تكثير الطلاق ; وتطويل العدة وتعذيب الزوجين جميعا ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليه أن يطأها قبل الطلاق ; بل إذا وطئها لم يحل له أن يطلقها حتى يتبين حملها ; أو تطهر الطهر الثاني .

وقد يكون زاهدا فيها يكره أن يطأهما فتعلق منه ; فكيف يجب عليه وطؤها ولهذا لم يوجب الوطء أحد من الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين ; ولكن أخر الطلاق إلى الطهر الثاني . ولولا أنه طلقها أولا لكان له أن يطلقها في الطهر الأول ; لأنه لو أبيح له الطلاق في [ ص: 23 ] الطهر الأول لم يكن في إمساكها فائدة مقصودة بالنكاح إذا كان لا يمسكها إلا لأجل الطلاق ; فإنه لو أراد أن يطلقها في الطهر الأول لم يحصل إلا زيادة ضرر عليهما والشارع لا يأمر بذلك فإذا كان ممتنعا من طلاقها في الطهر الأول ليكون متمكنا من الوطء الذي لا يعقبه طلاق ; فإن لم يطأها أو وطئها أو حاضت بعد ذلك : فله أن يطلقها ; ولأنه إذا امتنع من وطئها في ذلك الطهر ثم طلقها في الطهر الثاني : دل على أنه محتاج إلى طلاقها ; لأنه لا رغبة له فيها إذ لو كانت له فيها رغبة لجامعها في الطهر الأول .

قالوا لأنه لم يأمر ابن عمر بالإشهاد على الرجعة كما أمر الله ورسوله ولو كان الطلاق قد وقع وهو يرتجعها لأمر بالإشهاد ; ولأن الله تعالى لما ذكر الطلاق في غير آية لم يأمر أحدا بالرجعة عقيب الطلاق ; بل قال : { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } فخير الزوج إذا قارب انقضاء العدة بين أن يمسكها بمعروف - وهو الرجعة - وبين أن يسيبها فيخلي سبيلها إذا انقضت العدة ; ولا يحبسها بعد انقضاء العدة كما كانت محبوسة عليه في العدة قال الله تعالى : { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } .

وأيضا فلو كان الطلاق المحرم قد لزم لكان حصل الفساد الذي كرهه الله ورسوله وذلك الفساد لا يرتفع برجعة يباح له الطلاق [ ص: 24 ] بعدها والأمر برجعة لا فائدة فيها مما تنزه عنه الله ورسوله ; فإنه إن كان راغبا في المرأة فله أن يرتجعها وإن كان راغبا عنها فليس له أن يرتجعها فليس في أمره برجعتها مع لزوم الطلاق له مصلحة شرعية ; بل زيادة مفسدة ويجب تنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأمر بما يستلزم زيادة الفساد والله ورسوله إنما نهى عن الطلاق البدعي لمنع الفساد فكيف يأمر بما يستلزم زيادة الفساد وقول الطائفة الثانية أشبه بالأصول والنصوص ; فإن هذا القول متناقض ; إذ الأصل الذي عليه السلف والفقهاء : أن العبادات والعقود المحرمة إذا فعلت على الوجه المحرم لم تكن لازمة صحيحة وهذا وإن كان نازع فيه طائفة من أهل الكلام فالصواب مع السلف وأئمة الفقهاء ; لأن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كانوا يستدلون على فساد العبادات والعقوبة بتحريم الشارع لها وهذا متواتر عنهم .

وأيضا فإن لم يكن ذلك دليلا على فسادها لم يكن عن الشارع ما يبين الصحيح من الفاسد فإن الذين قالوا : النهي لا يقتضي الفساد . قالوا : نعلم صحة العبادات والعقود وفسادها بجعل الشارع هذا شرطا أو مانعا ونحو ذلك . وقوله [ ص: 25 ] هذا صحيح . وليس بصحيح من خطاب الوضع والإخبار . ومعلوم أنه ليس في كلام الله ورسوله . وهذه العبارات مثل قوله : الطهارة شرط في الصلاة والكفر مانع من صحة الصلاة وهذا العقد وهذه العبادة لا تصح . ونحو ذلك ; بل إنما في كلامه الأمر والنهي والتحليل والتحريم وفي نفي القبول والصلاح كقوله : { لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول } وقوله : { هذا لا يصلح } وفي كلامه : { إن الله يكره كذا } وفي كلامه : الوعد ونحو ذلك من العبارات فلم نستفد الصحة والفساد إلا بما ذكره وهو لا يلزم أن يكون الشارع بين ذلك وهذا مما يعلم فساده قطعا .

وأيضا فالشارع يحرم الشيء لما فيه من المفسدة الخالصة أو الراجحة . ومقصوده بالتحريم المنع من ذلك الفساد وجعله معدوما . فلو كان مع التحريم يترتب عليه من الأحكام ما يترتب على الحلال فيجعله لازما نافذا كالحلال لكان ذلك إلزاما منه بالفساد الذي قصد عدمه . فيلزم أن يكون ذلك الفساد قد أراد عدمه مع أنه ألزم الناس به وهذا تناقض ينزه عنه الشارع صلى الله عليه وسلم .

وقد قال بعض هؤلاء : إنه إنما حرم الطلاق الثلاث لئلا يندم المطلق : دل على لزوم الندم له إذا فعله . وهذا يقتضي صحته . [ ص: 26 ] فيقال له : هذا يتضمن أن كل ما نهى الله عنه يكون صحيحا كالجمع بين المرأة وعمتها ; لئلا يفضي إلى قطيعة الرحم . فيقال : إن كان ما قاله هذا صحيحا هنا دليل على صحة العقد ; إذ لو كان فاسدا لم تحصل القطيعة وهذا جهل ; وذلك أن الشارع بين حكمته في منعه مما نهي عنه وأنه لو أباحه للزم الفساد فقوله تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } وقوله عليه السلام { لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها ; فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم } ونحو ذلك يبين أن الفعل لو أبيح لحصل به الفساد فحرم منعا من هذا الفساد . ثم الفساد ينشأ من إباحته ومن فعله . إذا اعتقد الفاعل أنه مباح أو أنه صحيح فأما مع اعتقاد أنه محرم باطل والتزام أمر الله ورسوله فلا تحصل المفسدة وإنما تحصل المفسدة من مخالفة أمر الله ورسوله .

والمفاسد فيها فتنة وعذاب قال الله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } وقول القائل : لو كان الطلاق غير لازم لم يحصل الفساد . فيقال : هذا هو مقصود الشارع صلى الله عليه وسلم فنهى عنه وحكم ببطلانه ليزول الفساد ولولا ذلك لفعله الناس واعتقدوا صحته فيلزم الفساد . وهذا نظير قول من يقول : النهي عن الشيء يدل على أنه مقصود وأنه شرعي وأنه يسمى بيعا ونكاحا وصوما . كما يقولون في نهيه عن نكاح الشغار ولعنه المحلل والمحلل له ونهيه عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها [ ص: 27 ] ونهيه عن صوم يوم العيدين ونحو ذلك .

فيقال : أما تصوره حسا فلا ريب فيه . وهذا كنهيه عن نكاح الأمهات والبنات وعن بيع الخمر والميتة ولحم الخنزير والأصنام كما في الصحيحين عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ; ويدهن الجلود ويستصبح بها الناس . فقال : لا هو حرام ثم قال : قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها } فتسميته لهذا نكاحا وبيعا لم يمنع أن يكون فاسدا باطلا بل دل على إمكانه حسا .

وقول القائل : إنه شرعي . إن أراد أنه يسمى بما أسماه به الشارع : فهذا صحيح . وإن أراد أن الله أذن فيه : فهذا خلاف النص والإجماع . وإن أراد أنه رتب عليه حكمه وجعله يحصل المقصود ويلزم الناس حكمه ; كما في المباح فهذا باطل بالإجماع في أكثر الصور التي هي من موارد النزاع ولا يمكنه أن يدعي ذلك في صورة مجمع عليها ; فإن أكثر ما يحتج به هؤلاء بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الطلاق في الحيض ونحو ذلك مما هو من موارد النزاع ; فليس معهم صورة قد ثبت فيها مقصودهم ; لا بنص ولا إجماع .

وكذلك " المحلل " الملعون لعنه لأنه قصد التحليل للأول بعقده ; لا لأنه أحلها في نفس الأمر فإنه لو تزوجها بنكاح رغبة لكان قد أحلها بالإجماع ; وهذا غير ملعون بالإجماع [ ص: 28 ] فعلم أن اللعنة لمن قصد التحليل . وعلم أن الملعون لم يحللها في نفس الأمر ودلت اللعنة على تحريم فعله والمنازع يقول فعله مباح فتبين أنه لا حجة معهم بل الصواب مع السلف وأئمة الفقهاء ومن خرج عن هذا الأصل من العلماء المشهورين في بعض المواضع فإن لم يكن له جواب صحيح وإلا فقد تناقض كما تناقض في مواضع غير هذه .

والأصول التي لا تناقض فيها ما أثبت بنص أو إجماع وما سوى ذلك فالتناقض موجود فيه وليس هو حجة على أحد . والقياس الصحيح الذي لا يتناقض هو موافق للنص والإجماع ; بل ولا بد أن يكون النص قد دل على الحكم ; كما قد بسط في موضع آخر . وهذا معنى العصمة ; فإن كلام المعصوم لا يتناقض ولا نزاع بين المسلمين أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم فيما بلغه عن الله تعالى فهو معصوم فيما شرعه للأمة بإجماع المسلمين . وكذلك الأمة أيضا معصومة أن تجتمع على ضلالة ; بخلاف ما سوى ذلك ; ولهذا كان مذهب أئمة الدين أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه الذي فرض الله على جميع الخلائق الإيمان به وطاعته وتحليل ما حلله وتحريم ما حرمه وهو الذي فرق الله به بين المؤمن والكافر وأهل الجنة وأهل النار والهدى والضلال والغي والرشاد . فالمؤمنون أهل الجنة وأهل الهدى والرشاد : هم متبعون .

والكفار أهل النار وأهل الغي والضلال الذين لم يتبعوه . [ ص: 29 ] ومن آمن به باطنا وظاهرا واجتهد في متابعته : فهو من المؤمنين السعداء وإن كان قد أخطأ وغلط في بعض ما جاء به فلم يبلغه أو لم يفهمه .

قال الله تعالى عن المؤمنين : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وقد ثبت في الصحيح { عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال : قد فعلت } وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم ; فمن أخذ به أخذ بحظ وافر } وقد قال تعالى : { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين } { ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما } فقد خص أحد النبيين الكريمين بالتفهيم مع ثنائه على كل منهما بأنه أوتي علما وحكما . فهكذا إذا خص الله أحد العالمين بعلم أمر وفهمه لم يوجب ذلك ذم من لم يحصل له ذلك من العلماء . بل كل من اتقى الله ما استطاع فهو من أولياء الله المتقين ; وإن كان قد خفي عليه من الدين ما فهمه غيره .

وقد { قال واثلة بن الأسقع - وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم - من طلب علما فأدركه فله أجران ومن طلب علما فلم يدركه فله أجر } . وهذا يوافق ما في الصحيح عن عمرو بن العاص وعن أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم { إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر } .

وهذه الأصول لبسطها موضع آخر . وإنما المقصود هنا التنبيه على هذا ; لأن الطلاق المحرم مما يقول فيه كثير من الناس . إنه لازم . والسلف أئمة الفقهاء والجمهور يسلمون : أن النهي يقتضي [ ص: 30 ] الفساد . ولا يذكرون في الاعتذار عن هذه الصورة فرقا صحيحا . وهذا مما تسلط به عليهم من نازعوهم في أن النهي يقتضي الفساد . واحتج بما سلموه له من الصور ; وهذه حجة جدلية لا تفيد العلم بصحة قوله ; وإنما تفيد أن منازعيه أخطئوا : إما في صور النقض وإما في محل النزاع . وخطؤهم في إحداهما لا يوجب أن يكون الخطأ في محل النزاع ; بل هذا الأصل أصل عظيم عليه مدار كثير من الأحكام الشرعية فلا يمكن نقضه بقول بعض العلماء الذين ليس معهم نص ولا إجماع ; بل الأصول والنصوص لا توافق بل تناقض قولهم . ومن تدبر الكتاب والسنة تبين له أن الله لم يشرع الطلاق المحرم جملة قط .

وأما الطلاق البائن فإنه شرعه قبل الدخول وبعد انقضاء العدة . وطائفة من العلماء يقول لمن لم يجعل الثلاث المجموعة إلا واحدة : أنتم خالفتم عمر ; وقد استقر الأمر على التزام ذلك في زمن عمر وبعضهم يجعل ذلك إجماعا فيقول لهم : أنتم خالفتم عمر في الأمر المشهور عنه الذي اتفق عليه الصحابة ; بل وفي الأمر الذي معه فيه الكتاب والسنة فإن منكم من يجوز التحليل . وقد ثبت عن عمر أنه قال : لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما .

وقد اتفق الصحابة على النهي عنه : مثل عثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وغيرهم ; ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنه أعاد المرأة إلى زوجها بنكاح تحليل . وعمر وسائر الصحابة معهم الكتاب [ ص: 31 ] والسنة { كلعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له } وقد خالفهم من خالفهم في ذلك اجتهادا . والله يرضى عن جميع علماء المسلمين . وأيضا فقد ثبت عن عمر أنه كان يقول في الخلية والبرية ونحو ذلك : إنها طلقة رجعية . وأكثرهم يخالفون عمر في ذلك . وقد ثبت عن عمر : أنه خير المفقود إذا رجع فوجد امرأته قد تزوجت خيره بين امرأته وبين المهر . وهذا أيضا معروف عن غيره من الصحابة : كعثمان وعلي . وذكره أحمد عن ثمانية من الصحابة وقال : إلى أي شيء يذهب الذي يخالف هؤلاء ومع هذا فأكثرهم يخالفون عمر وسائر الصحابة في ذلك ومنهم من ينقض حكم من حكم به .

وعمر والصحابة جعلوا الأرض المفتوحة عنوة ; كأرض الشام ومصر والعراق وخراسان والمغرب : فيئا للمسلمين ; ولم يقسم عمر ولا عثمان أرضا فتحها عنوة ولم يستطب عمر أنفس جميع الغانمين في هذه الأرضين ; وإن ظن بعض العلماء أنهم استطابوا أنفسهم في السواد ; بل طلب منهم بلال والزبير وغيرهما قسمة أرض العنوة فلم يجبهم ومع هذا فطائفة منهم يخالف عمر والصحابة في مثل هذا الأمر العظيم الذي استقر الأمر عليه من زمنهم ; بل ينقض حكم من حكم بحكمهم أيضا . فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي لم يخمسوا قط مال فيء ولا خمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جعلوا خمس الغنيمة خمسة أقسام متساوية ومع هذا : فكثير منهم يخالف ذلك .

ونظائر هذا متعددة . [ ص: 32 ] والأصل الذي اتفق عليه علماء المسلمين : أن ما تنازعوا فيه وجب رده إلى الله والرسول كما قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } . ولا يجوز لأحد أن يظن بالصحابة أنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعوا على خلاف شريعته . بل هذا من أقوال أهل الإلحاد ; ولا يجوز دعوى نسخ ما شرعه الرسول بإجماع أحد بعده كما يظن طائفة من الغالطين ; بل كل ما أجمع المسلمون عليه فلا يكون إلا موافقا لما جاء به الرسول لا مخالفا له بل كل نص منسوخ بإجماع الأمة فمع الأمة النص الناسخ له ; تحفظ الأمة النص الناسخ كما تحفظ النص المنسوخ وحفظ الناسخ أهم عندها وأوجب عليها من حفظ المنسوخ ويمنع أن يكون عمر والصحابة معه أجمعوا على خلاف نص الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن قد يجتهد الواحد وينازعه غيره وهذا موجود في مسائل كثيرة .

هذا منها كما بسط في موضع غير هذا . ولهذا لما رأى عمر رضي الله عنه أن المبتوتة لها السكنى والنفقة فظن أن القرآن يدل عليه نازعه أكثر الصحابة فمنهم من قال : لها السكنى فقط . ومنهم من قال : لا نفقة لها ولا سكنى . وكان من هؤلاء ابن عباس وجابر وفاطمة بنت قيس وهي التي روت عن النبي صلى الله عليه وسلم . أنه قال : { ليس لك نفقة ولا سكنى } فلما احتجوا عليها بحجة عمر وهي قوله تعالى { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قالت هي وغيرها من الصحابة - كابن عباس وجابر وغيرهما - هذا في الرجعية لقوله تعالى { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } فأي أمر يحدث بعد الثلاث وفقهاء الحديث كأحمد ابن حنبل في ظاهر مذهبه وغيره من فقهاء الحديث مع فاطمة بنت قيس .

وكذلك أيضا في " الطلاق " لما قال تعالى : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } قال غير واحد من الصحابة والتابعين والعلماء هذا يدل على أن الطلاق الذي ذكره الله هو الطلاق الرجعي ; فإنه لو شرع إيقاع الثلاث عليه لكان المطلق يندم إذا فعل ذلك ولا سبيل إلى رجعتها : فيحصل له ضرر بذلك والله أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم ; ولهذا قال تعالى أيضا بعد ذلك : { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } وهذا إنما يكون في الطلاق الرجعي لا يكون في الثلاث ولا في البائن .

التالي السابق


الخدمات العلمية