صفحة جزء
[ ص: 179 ] فصل : فإذا تبين هذا فلفظ " الإيمان " إذا أطلق في القرآن والسنة يراد به ما يراد بلفظ " البر " وبلفظ " التقوى " وبلفظ " الدين " كما تقدم ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن " { الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول : لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق } " فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان وكذلك لفظ " البر " يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق وكذلك لفظ " التقوى " وكذلك " الدين أو دين الإسلام " وكذلك روي أنهم سألوا عن الإيمان فأنزل الله هذه الآية { ليس البر أن تولوا وجوهكم } الآية وقد فسر البر بالإيمان وفسر بالتقوى وفسر بالعمل الذي يقرب إلى الله والجميع حق وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر البر بالإيمان . قال محمد بن نصر : حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن يزيد المقري والملائي قالا : حدثنا المسعودي عن القاسم قال : { جاء رجل إلى أبي ذر فسأله عن الإيمان فقرأ : { ليس البر أن تولوا وجوهكم } إلى آخر الآية ; فقال الرجل : ليس عن البر سألتك . فقال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه فقرأ عليه الذي قرأت عليك فقال له الذي قلت [ ص: 180 ] لي . فلما أبى أن يرضى قال له : إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته ورجا ثوابها وإذا عمل السيئة ساءته وخاف عقابها } . وقال : حدثنا إسحاق حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد { أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ عليه : { ليس البر أن تولوا وجوهكم } إلى آخر الآية } وروي بإسناده عن عكرمة قال : سئل الحسن بن علي بن أبي طالب مقبله من الشام عن الإيمان فقرأ : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } وروى ابن بطة بإسناده عن مبارك بن حسان قال : قلت لسالم الأفطس : رجل أطاع الله فلم يعصه ورجل عصى الله فلم يطعه فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة وصار العاصي إلى الله فأدخله النار هل يتفاضلان في الإيمان ؟ قال : لا . قال فذكرت ذلك لعطاء فقال : سلهم الإيمان طيب أو خبيث ؟ فإن الله قال : { ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون } فسألتهم فلم يجيبوني فقال بعضهم : إن الإيمان يبطن ليس معه عمل فذكرت ذلك لعطاء فقال : سبحان الله أما يقرءون الآية التي في البقرة : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين } ؟ .

قال : ثم وصف الله على هذا الاسم ما لزمه من العمل فقال : { وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } - إلى قوله - { وأولئك هم المتقون } فقال : سلهم [ ص: 181 ] هل دخل هذا العمل في هذا الاسم . وقال : { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن } فألزم الاسم العمل والعمل الاسم . والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان معه العمل لا على إيمان خال عن عمل فإذا عرف أن الذم والعقاب واقع في ترك العمل كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه بل يكون نزاعا لفظيا مع أنهم مخطئون في اللفظ مخالفون للكتاب والسنة وإن قالوا : إنه لا يضره ترك العمل فهذا كفر صريح ; وبعض الناس يحكى هذا عنهم وأنهم يقولون : إن الله فرض على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها ولا يضرهم تركها وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون : لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد لكن ما علمت معينا أحكي عنه هذا القول وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعينون قائله وقد يكون قول من لا خلاق له ; فإن كثيرا من الفساق والمنافقين يقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا .

ويدل على ذلك قوله تعالى في آخر الآية { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } . فقوله صدقوا أي في قولهم : آمنوا ; كقوله : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } إلى قوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } أي هم الصادقون في قولهم : آمنا بالله بخلاف الكاذبين الذين قال الله فيهم : { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } وقال تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } { يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون } { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } وفي { يكذبون } قراءتان مشهورتان فإنهم كذبوا في قولهم : آمنا بالله واليوم الآخر وكذبوا الرسول في الباطن وإن صدقوه في الظاهر وقال تعالى : { الم } { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } فبين أنه لا بد أن يفتن الناس أي يمتحنهم ويبتليهم ويختبرهم . يقال : فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتميزه مما اختلط به ومنه قول موسى : { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } أي محنتك واختبارك وابتلاؤك كما ابتليت عبادك بالحسنات والسيئات ليتبين الصبار الشكور من غيره وابتليتهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليتبين المؤمن من الكافر والصادق من الكاذب والمنافق من المخلص فتجعل ذلك سببا لضلالة قوم وهدي آخرين .

والقرآن فيه كثير من هذا يصف المؤمنين بالصدق والمنافقين بالكذب لأن الطائفتين قالتا بألسنتهما : آمنا فمن حقق قوله بعمله فهو مؤمن صادق ومن قال بلسانه ما ليس في قلبه فهو كاذب منافق قال تعالى : { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين } { وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون } [ ص: 183 ] فلما قال في آية البر : { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } دل على أن المراد صدقوا في قولهم : آمنا فإن هذا هو القول الذي أمروا به وكانوا يقولونه . ولم يؤمروا أن يلفظوا بألسنتهم ويقولوا : نحن أبرار أو بررة ; بل إذا قال الرجل : أنا بر فهذا مزك لنفسه ولهذا كانت زينب بنت جحش اسمها برة فقيل : تزكي نفسها فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب ; بخلاف إنشاء الإيمان بقولهم : " آمنا " فإن هذا قد فرض عليهم أن يقولوه قال تعالى { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم } وكذلك في أول آل عمران { قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم } .

وقال تعالى : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } فقوله : { لا نفرق } دليل على أنهم قالوا : آمنا ولا نفرق ولهذا قال : { وقالوا سمعنا وأطعنا } فجمعوا بين قولهم : آمنا وبين قولهم : سمعنا وأطعنا وقد قال في آية البر : { وأولئك هم المتقون } فجعل الأبرار هم المتقين عند الإطلاق والتجريد وقد ميز بينهما عند الاقتران والتقييد في قوله : { وتعاونوا على البر والتقوى } ودلت هذه الآية على أن مسمى الإيمان ومسمى البر ومسمى التقوى عند الإطلاق واحد فالمؤمنون هم المتقون وهم الأبرار . [ ص: 184 ] ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة الصحيحة : " { يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان } " وفي بعضها : " { مثقال ذرة من خير } " وهذا مطابق لقوله تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وذلك الذي هو مثقال ذرة من خير هو مثقال ذرة من إيمان وهؤلاء المؤمنون الأبرار الأتقياء هم أهل السعادة المطلقة وهم أهل الجنة الذين وعدوا بدخولها بلا عذاب وهؤلاء الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم " { من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا } " فإنه ليس من هؤلاء ; بل من أهل الذنوب المعرضين للوعيد أسوة أمثالهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية