صفحة جزء
و " بالجملة " فلا يستريب من تدبر ما يقول في أن الرجل لا يكون مؤمنا بمجرد تصديق في القلب مع بغضه لله ولرسوله واستكباره عن عبادته ومعاداته له ولرسوله ولهذا كان جماهير المرجئة على أن عمل القلب داخل في الإيمان كما نقله أهل المقالات عنهم منهم الأشعري فإنه قال في كتابه في " المقالات " : اختلف المرجئة في الإيمان ما هو ؟ وهم " اثنتا عشرة فرقة " . " الفرقة الأولى " منهم : يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسوله وبجميع ما جاء من عند الله فقط وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف والعمل بالجوارح فليس بإيمان وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به وهذا قول يحكى عن الجهم [ ص: 544 ] بن صفوان قال : وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون الجوارح قال : و " الفرقة الثانية " من المرجئة : يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط والكفر به هو الجهل به فقط فلا إيمان بالله إلا المعرفة به ولا كفر بالله إلا الجهل به وإن قول القائل : إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر ولكنه لا يظهر إلا من كافر وذلك أن الله كفر من قال ذلك وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله .

وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول ويقولون : إنه لا يؤمن بالله إلا من آمن بالرسول . ليس ذلك لأن ذلك مستحيل ولكن الرسول قال { من لم يؤمن بي فليس بمؤمن بالله } وزعموا أيضا أن الصلاة ليست بعبادة لله وأنه لا عبادة إلا الإيمان به وهو معرفته والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة واحدة وكذلك الكفر والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي وقد ذكر الأشعري في كتابه " الموجز " قول الصالحي هذا وغيره ثم قال : والذي أختاره في الأسماء قول الصالحي وفي الخصوص والعموم أني لا أقطع بظاهر الخبر على العموم ولا على الخصوص إذ كان يحتمل في اللغة أن يكون خاصا ويحتمل أن يكون عاما وأقف في ذلك ولا أقطع على عموم ولا على خصوص إلا بتوقيف أو إجماع . ثم قال في " المقالات " . و " الفرقة الثالثة من المرجئة " : يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله [ ص: 545 ] والخضوع له ، وهو ترك الاستكبار عليه ، والمحبة لله فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن وزعموا أن إبليس كان عارفا بالله غير أنه كفر باستكباره على الله وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري . و " الفرقة الرابعة " : وهم أصحاب أبي شمر ويونس يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والمحبة له والخضوع له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم تقم عليه حجة الأنبياء ، وإن كانت قد قامت عليه حجة الأنبياء فالإيمان [ الإقرار ] بهم والتصديق لهم والمعرفة لما جاء من عند الله عنهم داخل في الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيمانا ولا بعض إيمان حتى تجتمع هذه الخصال فإذا اجتمعت سموها إيمانا لاجتماعها وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بلقاء إلا مع السواد وجعلوا ترك كل خصلة من هذه الخصال كفرا ولم يجعلوا الإيمان متبعضا ولا محتملا للزيادة والنقصان . وذكر عن " الخامسة " أصحاب أبي ثوبان : أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله وما لا يجوز في العقل إلا أن يفعله . وذكر عن " الفرقة السادسة " : أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجمع عليها والخضوع له بجميع ذلك ، والإقرار باللسان وزعموا أن خصال الإيمان كل منها طاعة وأن كل واحدة إذا فعلت دون الأخرى لم تكن طاعة كالمعرفة بلا إقرار وأن ترك كل خصلة من ذلك معصية ; وأن الإنسان لا يكفر [ ص: 546 ] بترك خصلة واحدة وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم ويكون بعضهم أعلم وأكثر تصديقا له من بعض وأن الإيمان يزيد ولا ينقص وهذا قول الحسين بن محمد النجار وأصحابه .

و " الفرقة السابعة " الغيلانية أصحاب غيلان يزعمون : أن الإيمان المعرفة بالله الثانية ; والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به الرسول وبما جاء من عند الله ; وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار فلذلك لم يجعلها من الإيمان وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم : من " الشمرية " و " الجهمية " و " الغيلانية " و " النجارية " ينكرون أن يكون في الكفار إيمان وأن يقال فيهم بعض إيمان إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم . قال : و " الفرقة الثامنة " من المرجئة أصحاب محمد بن شبيب يزعمون : أن الإيمان الإقرار بالله والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء . والإقرار والمعرفة بأنبيائه وبرسله وبجميع ما جاءت به من عند الله مما نص عليه المسلمون ونقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام ونحو ذلك لا نزاع بينهم فيه . والخضوع لله وهو ترك الاستكبار عليه وزعموا أن إبليس قد عرف الله وأقر به وإنما كان كافرا لأنه استكبر ولولا استكباره ما كان كافرا وأن الإيمان يتبعض ويتفاضل أهله وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان ويكون صاحبها كافرا بترك بعض الإيمان ولا يكون مؤمنا إلا بإصابة الكل وكل رجل يعلم أن الله واحد ليس كمثله [ ص: 547 ] شيء ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء وفيه خصلة من الإيمان وهي معرفته بالله سبحانه . " الفرقة التاسعة " : من المرجئة المنتسبين إلى أبي حنيفة وأصحابه يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله وبالرسول والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير .

" الفرقة العاشرة " : من المرجئة أصحاب أبي معاذ التومني يزعمون : أن الإيمان ترك ما عظم من الكبائر وهو اسم لخصال إذا تركها أو ترك خصلة منها كان كافرا فتلك الخصلة التي يكفر بتركها إيمان وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع المسلمون على تكفيره فتلك الطاعة شريعة من شرائع الإيمان تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق فيقال له إنه يفسق ولا يسمى بالفسق ولا يقال فاسق وليست تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم تكن كفرا وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها والرد لها والاستخفاف بها كافر بالله وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود ، وإن تركها غير مستحل لتركها متشاغلا مسوفا يقول : الساعة أصلي وإذا فرغت من لهوي وعملي فليس بكافر وإن كان يصلي يوما ووقتا من الأوقات . ولكن نفسقه . وكان أبو معاذ يقول : من قتل نبيا أو لطمه كفر وليس من أجل اللطمة كفر ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له . [ ص: 548 ] والفرقة " الحادية عشر " من المرجئة : أصحاب بشر المريسي يقولون : إن الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو التصديق وما ليس بتصديق فليس بإيمان ويزعم أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعا وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي وكان ابن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر والتغطية وليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفرا ولا يجوز إيمان إلا ما كان في اللغة إيمانا وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر ولا السجود لغير الله كفر ولكنه علم على الكفر لأن الله بين أنه لا يسجد للشمس إلا كافر . قال و " الفرقة الثانية عشر " من المرجئة : الكرامية أصحاب محمد بن كرام يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيمانا . فهذه الأقوال التي ذكرها الأشعري عن المرجئة يتضمن أكثرها أنه لا بد في الإيمان من بعض أعمال القلوب عندهم وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة : كجهم والصالحي .

وقد ذكر أيضا في " المقالات " جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة . قال : جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يردون من ذلك شيئا وأن الله إله واحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة [ ص: 549 ] ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله على عرشه كما قال : { الرحمن على العرش استوى } وأن له يدين بلا كيف كما قال : { خلقت بيدي } وكما قال : { بل يداه مبسوطتان } وأن له عينين كما قال : { تجري بأعيننا } وأن له وجها كما قال : { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } . وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج . إلى أن قال : ويقولون القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ بدعة من قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق . إلى أن قال : ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه : كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر ، والإيمان عندهم : هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما أصابهم لم يكن ليخطئهم والإسلام هو : أن تشهد أن لا إله إلا الله على ما جاء في الحديث والإسلام عندهم غير الإيمان . إلى أن قال : ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق . وذكر كلاما طويلا ثم قال في آخره : وبكل ما ذكرناه [ ص: 550 ] من قولهم نقول : وإليه نذهب . فهذا قوله في هذا الكتاب وافق فيه أهل السنة وأصحاب الحديث بخلاف القول الذي نصره في الموجز .

والمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب حتى عامة فرق المرجئة تقول بذلك وأما المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب الحديث فقولهم في ذلك معروف وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة وهذا القول شاذ كما أن قول الكرامية الذين يقولون هو مجرد قول اللسان شاذ أيضا . وهذا أيضا مما ينبغي الاعتناء به فإن كثيرا ممن تكلم في " مسألة الإيمان " هل تدخل فيه الأعمال ؟ وهل هو قول وعمل ؟ يظن أن النزاع إنما هو في أعمال الجوارح وأن المراد بالقول قول اللسان وهذا غلط ; بل القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانا باتفاق المسلمين ; فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي وفي قولهم من السفسطة العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام إلا من شذ من أتباع ابن كرام وكذلك تصديق القلب الذي ليس معه حب لله ولا تعظيم بل فيه بغض وعداوة لله ورسله ليس إيمانا باتفاق المسلمين . وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون الحكم فإنه - وإن سمى المنافقين مؤمنين - يقول إنهم مخلدون في النار فيخالف الجماعة في الاسم دون الحكم وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعا .

التالي السابق


الخدمات العلمية