صفحة جزء
[ ص: 5 ] سورة المؤمنون

قوله تعالى: قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2)

قد مدح الله الخاشعين في صلاتهم، فقال: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) .

وقال: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين

روي عن علي بن أبي طالب ، قال: هو الخشوع في القلب، وأن تلين كنفك للمسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك .

وعنه قال: الخشوع خشوع القلب، وأن لا تلتفت يمينا ولا شمالا .

وعن ابن عباس قال: (خاشعون) : خائفون ساكنون .

وعن الحسن قال: كان الخشوع في قلوبهم، فغضوا له البصر، وخفضوا له الجناح .

وعن مجاهد قال: هو الخشوع في القلب، والسكون في الصلاة .

وعنه قال: هو خفض الجناح وغض البصر، وكان المسلمون إذا قام أحدهم في الصلاة خاف ربه أن يلتفت عن يمينه أو شماله .

[ ص: 6 ] وعنه قال: العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن عز وجل أن يشذ نظره، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من الدنيا، إلا ناسيا، ما دام في صلاته .

وعن الزهري قال: هو سكون العبد في صلاته .

وعن سعيد بن جبير ، قال: يعني: متواضعين، لا يعرف من عن يمينه . ولا من عن شماله ولا يلتفت من الخشوع لله عز وجل .

وروي عن حذيفة أنه رأى رجلا يعبث في صلاته، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه .

وروي عن ابن المسيب .

وروي مرسلا .

فأصل الخشوع: هو خشوع القلب، وهو انكساره لله، وخضوعه وسكونه عن التفاته إلى غير من هو بين يديه، فإذا خشع القلب خشعت الجوارح كلها تبعا لخشوعه، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه: "خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظامي، وما استقل به قدمي " .

ومن جملة خشوع الجوارح: خشوع البصر أن يلتفت عن يمينه أو يساره .

[ ص: 7 ] وقال ابن سيرين : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلتفت في الصلاة عن يمينه وعن يساره، فأنزل الله تعالى: الذين هم في صلاتهم خاشعون فخشع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن يلتفت يمنة ولا يسرة .

وخرجه الطبراني من رواية ابن سيرين ، عن أبي هريرة .

والمرسل أصح .

* * *

إن الله سبحانه وتعالى مدح في كتابه المخبتين له، والمنكسرين لعظمته . والخاضعين .

فقال تعالى: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين

وقال تعالى: والخاشعين والخاشعات إلى قوله: أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما

ووصف المؤمنين بالخشوع له في أشرف عباداتهم التي هم عليها يحافظون . فقال تعالى: ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) ) .

ووصف الذين أوتوا العلم بالخشوع، حيث يكون كلامه لهم مسموعا . فقال تعالى: إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا

[ ص: 8 ] وأصل الخشوع هو: لين القلب ورقته وسكونه وخشوعه وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " .

فإذا خشع القلب، خشع السمع والبصر والرأس والوجه وسائر الأعضاء وما ينشأ منها حتى الكلام . ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه في الصلاة: "خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي " .

وفي رواية: "وما استقل به قدمي " .

ورأى بعض السلف رجلا يعبث بيده في صلاته فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه .

وروي ذلك عن حذيفة - رضي الله عنه - وسعيد بن المسيب . ويروى مرفوعا بإسناد لا يصح .

قال المسعودي عن أبي سنان عمن حدثه عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في قوله تعالى: الذين هم في صلاتهم خاشعون قال: هو الخشوع في القلب وأن تلين كنفك للمرء المسلم وأن لا تلتفت في صلاتك .

[ ص: 9 ] وقال عطاء بن السائب عن رجل عن علي - رضي الله عنه -: "الخشوع: خشوع القلب، وأن لا يلتفت يمينا وشمالا" .

وقال: عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: الذين هم في صلاتهم خاشعون قال: خائفون ساكنون .

وقال ابن شوذب عن الحسن - رحمه الله تعالى -: "كان الخشوع في قلوبهم فغضوا له البصر وخفضوا له الجناح " .

وقال منصور عن مجاهد : هو الخشوع في القلب، والسكون في الصلاة .

وقال ليث عن مجاهد : من ذلك: خفض الجناح، وغض البصر، وكان المسلمون إذا قام أحدهم إلى الصلاة خاف ربه أن يلتفت عن يمينه أو شماله .

وقال عطاء الخراساني : الخشوع: خشوع القلب والطرف .

وقال الزهري : هو سكون العبد في صلاته .

وعن قتادة قال: الخشوع في القلب هو الخوف وغض البصر في الصلاة . وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد - رحمه الله تعالى - في قوله تعالى: وكانوا لنا خاشعين قال: متواضعين .

[ ص: 10 ] وقد وصف الله تعالى في كتابه الأرض بالخشوع فقال: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنـزلنا عليها الماء اهتزت وربت فاهتزازها وربوها - وهو ارتفاعها - مزيل لخشوعها، فدل على أن الخشوع الذي كانت عليه هو سكونها وانخفاضها .

وكذلك القلب إذا خشع فإنه يسكن خواطره وإرادته الرديئة التي تنشأ عن اتباع الهوى، وينكسر ويخضع لله عز وجل، فيزول بذلك ما كان فيه من البأو والترفع والتعاظم والتكبر، ومتى سكن ذلك في القلب خشعت الأعضاء والجوارح والحركات كلها حتى الصوت .

وقد وصف الله تعالى الأصوات بالخشوع في قوله: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا فخشوع الأصوات هو سكونها وانخفاضها بعد ارتفاعها .

وكذلك وصف وجوه الكفار وأبصارهم في يوم القيامة بالخشوع، فدل ذلك على دخول الخشوع في هذه الأعضاء كلها .

ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه مع فراغ قلبه من الخشوع وخلوه منه كان ذلك خشوع نفاق، وهو الذي كان السلف يستعيذون منه، كما قال بعضهم: استعيذوا بالله من خشوع النفاق . قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع .

ونظر عمر - رضي الله عنه - إلى شاب قد نكس رأسه، فقال له: يا هذا، ارفع [ ص: 11 ] رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب .

فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق .

وأصل الخشوع الحاصل في القلب، إنما هو من معرفة الله، ومعرفة عظمته وجلاله وكماله، فمن كان بالله أعرف كان له أخشع .

وتتفاوت القلوب في الخشوع بحسب تفاوت معرفتها لمن خشعت، وبحسب تفاوت مشاهدة القلوب للصفات المقتضية للخشوع، فمن خاشع لقوة مطالعته قرب الله من عبده واطلاعه على سره وضميره المقتضي للاستحياء من الله تعالى ومراقبته في الحركات والسكنات، ومن خاشع لمطالعته لجلال الله وعظمته وكبريائه المقتضي لهيبته، ومن خاشع لمطالعته لكماله وجماله المقتضي للاستغراق في محبته والشوق إلى لقائه ورؤيته، ومن خاشع لمطالعته شدة بطشه وانتقامه وعقابه المقتضي للخوف منه .

وهو سبحانه وتعالى جابر القلوب المنكسرة لأجله فهو سبحانه وتعالى يتقرب من القلوب الخاشعة له كما يتقرب ممن يناجيه في الصلاة، وممن يعفر له وجهه في التراب بالسجود .

وكما يتقرب من وفده وزوار بيته الواقفين بين يديه المتضرعين إليه في الوقوف بعرفة ويدنو ويباهي بهم الملائكة .

وكما يتقرب من عباده الدائبين له، السائلين له، المستغفرين من ذنوبهم بالأسحار، ويجيب دعاءهم ويعطيهم سؤالهم .

ولا جبر لانكسار العبد أعظم من القرب والإجابة .

[ ص: 12 ] روى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في كتاب "الزهد" بإسناده عن عمران القصير قال: "قال موسى بن عمران - عليه السلام -: أي رب أين أبغيك؟ قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم، إني أدنو منهم كل يوم باعا، ولولا ذلك لانهدموا" .

وروى إبراهيم بن الجنيد - رحمه الله تعالى - في كتاب "المحبة": عن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "قال موسى - عليه السلام -: إلهي أين أبغيك؟ فأوحى الله عز وجل إليه: أن يا موسى ابغني عند المنكسرة قلوبهم، فإني أدنو منهم في كل يوم وليلة باعا ولولا ذلك لانهدموا، قال جعفر : فقلت لمالك بن دينار: كيف المنكسرة قلوبهم؟ فقال: سألت الذي قرأ في الكتب فقال: سألت الذي سأل عبد الله بن سلام فقال: سألت عبد الله بن سلام عن المنكسرة قلوبهم ما يعني؟ قال: المنكسرة قلوبهم بحب الله عز وجل عن حب غيره " .

وقد جاء في السنة الصحيحة ما يشهد لقرب الله من القلب المنكسر ببلائه الصابر على قضائه أو الراضي بذلك، كما في "صحيح مسلم " عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " .

وروى - أبو نعيم من طريق ضمرة عن ابن شوذب قال: "أوحى الله تعالى [ ص: 13 ] إلى موسى - عليه السلام -: أتدري لأي شيء اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي؟ قال: لا يا رب! قال: لأنه لم يتواضع لي أحد تواضعك " .

وهذا الخشوع هو العلم النافع، وهو أول ما يرفع من العلم .

خرج النسائي من حديث جبير بن نفير - رضي الله عنه - عن عوف بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى السماء يوما وقال: "هذا أوان يرفع العلم " فقال رجل من الأنصار - يقال له: زياد بن لبيد -: يا رسول الله: ويرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة" وذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله عز وجل .

قال: فلقيت شداد بن أوس فحدثته بحديث عوف بن مالك ، فقال: صدق عوف ، ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلت: بلى، قال: الخشوع، حتى لا ترى خاشعا .

وخرجه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه، وفي آخره: قال جبير : فلقيت عبادة بن الصامت ، فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء - فأخبرته بالذي قال؟ قال: صدق أبو الدرداء ، لو شئت لحدثتك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا .

[ ص: 14 ] وقد قيل: إن رواية النسائي أرجح .

وقد روى سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن - رحمه الله تعالى - عن شداد بن أوس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أول ما يرفع من الناس الخشوع " فذكره .

ورواه أبو بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب مرسلا .

وروي نحوه عن حذيفة من قوله .

فالعلم النافع هو ما باشر القلوب فأوجب لها السكينة والخشية والإخبات لله والتواضع والانكسار له، وإذا لم يباشر القلب ذلك من العلم، وإنما كان على اللسان فهو حجة الله على ابن آدم يقوم على صاحبه وغيره، كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "إن أقواما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع " خرجه مسلم .

وقال الحسن - رحمه الله تعالى -: العلم علمان: علم باللسان وعلم بالقلب، فعلم القلب: هو العلم النافع، وعلم اللسان: هو حجة الله على ابن آدم .

وروي عن الحسن - رحمه الله تعالى - مرسلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي عنه عن جابر - رضي الله عنه - مرفوعا، وعنه عن أنس - رضي الله عنه - مرفوعا، ولا يصح وصله .

فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن العلم عند أهل الكتابين من قبلنا موجود بأيديهم ولا ينتفعون بشيء منه لما فقدوا المقصود منه، وهو وصوله إلى قلوبهم، حتى يجدوا حلاوة الإيمان به ومنفعته بحصول الخشية والإنابة لقلوبهم، وإنما هو على ألسنتهم تقوم به الحجة عليهم .

[ ص: 15 ] ولهذا المعنى وصف الله تعالى في كتابه العلماء بالخشية كما قال الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء

وقال تعالى: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون

ووصف العلماء من أهل الكتاب قبلنا بالخشوع; كما قال الله تعالى: إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) .

فقوله تبارك وتعالى في وصف هؤلاء الذين أوتوا العلم: ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا مدح لمن أوجب له سماع كتاب الله الخشوع في قلبه، وقال تعالى: فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين الله نـزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله

ولين القلوب هو زوال قسوتها بحدوث الخشوع فيها والرقة .

وقد وبخ الله من لا يخشع قلبه لسماع كلامه وتدبره، قال سبحانه: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نـزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون (16) .

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين " . خرجه مسلم ، وخرجه غيره وزاد فيه: "فجعل المسلمون يعاتب [ ص: 16 ] بعضهم بعضا" .

وخرج ابن ماجه من حديث ابن الزبير - رضي الله عنه - قال: " لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها، إلا أربع سنين " .

وقد سمع كثير من الصالحين هذه الآية تتلى، فأثرت فيهم آثارا متعددة فمنهم من مات عند ذلك لانصداع قلبه بها، ومنهم من تاب عند ذلك وخرج عما كان فيه .

وقد ذكرنا أخبارهم في كتاب "الاستغناء بالقرآن " .

وقال تعالى: لو أنـزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) .

قال أبو عمران الجوني : والله لقد صرف إلينا ربنا في هذا القرآن ما لو صرفه إلى الجبال لحتها وجباها .

وكان مالك بن دينار - رحمه الله - يقرأ هذه الآية ثم يقول: أقسم لكم، لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه .

وروي عن الحسن - رحمه الله تعالى - قال: يا ابن آدم، إذا وسوس لك الشيطان بخطيئة أو حدثت بها نفسك، فاذكر عند ذلك ما حملك الله من كتابه مما لو حملته الجبال الرواسي لخشعت وتصدعت أما سمعته يقول: لو أنـزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) .

[ ص: 17 ] فإنما ضرب لك الأمثال لتتفكر فيها وتعتبر بها وتزدجر عن معاصي الله عز وجل، وأنت يا ابن آدم أحق أن تخشع لذكر الله وما حملك من كتابه وآتاك من حكمه، لأن عليك الحساب ولك الجنة أو النار .

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ بالله من قلب لا يخشع، كما في "صحيح مسلم " عن زيد بن أرقم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" .

وقد روي نحوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة ويروى عن كعب الأحبار قال: مكتوب في الإنجيل:

"يا عيسى، قلب لا يخشع عمله لا ينفع، وصوته لا يسمع، ودعاؤه لا يرفع " .

قال أسد بن موسى في كتاب "الورع ": حدثنا مبارك بن فضالة قال: كان الحسن - رحمه الله تعالى - يقول: إن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله صدقوا بها وأفضى يقينها إلى قلوبهم خشعت لذلك قلوبهم وأبدانهم وأبصارهم، كنت والله إذا رأيتهم رأيت قوما كأنهم رأي عين، فوالله; ما كانوا بأهل جدل ولا باطل، ولا اطمأنوا إلا إلى كتاب الله، ولا أظهروا ما ليس في قلوبهم، ولكن جاءهم عن الله أمر فصدقوا به، فنعتهم الله تعالى في القرآن أحسن نعت فقال: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا

قال الحسن: الهون في كلام العرب، اللين والسكينة والوقار . قال: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما

قال: حلماء لا يجهلون، وإذا جهل عليهم حلموا، يصاحبون عباد الله [ ص: 18 ] نهارهم بما تسمعون، ثم ذكر ليلهم خير ليل فقال: والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما

ينتصبون لله على أقدامهم، ويفترشون وجوههم لربهم سجدا، تجري دموعهم على خدودهم فرقا من ربهم لأمر ما، أسهروا له ليلهم، ولأمر ما، خشعوا له نهارهم، ثم قال: والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما

قال: وكل شيء يصيب ابن آدم ثم يزول عنه فليس بغرام، إنما الغرام: اللازم له ما دامت السماوات والأرض، قال: صدق القوم، والله الذي لا إله إلا هو، فعملوا ولم يتمنوا، فإياكم - رحمكم الله - وهذه الأماني، فإن الله لم يعط عبدا بالأمنية خيرا قط في الدنيا والآخرة، وكان يقول: يا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة .

وقد شرع الله لعباده من أنواع العبادات ما يظهر فيه خشوع الأبدان الناشيء عن خشوع القلب وذله وانكساره، ومن أعظم ما يظهر فيه خشوع الأبدان لله تعالى من العبادات: الصلاة، وقد مدح الله تعالى الخاشعين فيها بقوله عز وجل: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) .

وقد سبق بعض ما قاله السلف في تفسير الخشوع في الصلاة .

وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار رحمه الله تعالى عن سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى -: الذين هم في صلاتهم خاشعون يعني: متواضعين لا يعرف من عن يمينه ولا من عن شماله، ولا يلتفت في الخشوع لله عز وجل .

[ ص: 19 ] وقال ابن المبارك عن أبي جعفر عن ليث عن مجاهد : وقوموا لله قانتين

قال: القنوت: الركون والخشوع وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله عز وجل .

قال: وكان العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن عز وجل أن يشذ نظره أو يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث - يعني: نفسه - بشيء من الدنيا، إلا ناسيا، ما دام في صلاته .

وقال منصور عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: سيماهم في وجوههم قال: الخشوع في الصلاة .

وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث الفضل بن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال

"الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع وتضرع، وتمسكن، وتقنع يديك " يقول: "ترفعهما إلى ربك عز وجل وتقول: يا رب يا رب يا رب ثلاثا فمن لم يفعل ذلك فهي خداج " .

وفي "صحيح مسلم " عن عثمان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما [ ص: 20 ] قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله " .

فمما يظهر فيه الخشوع والذل والانكسار من أفعال الصلاة: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في حال القيام . وقد روي عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه سئل عن المراد بذلك، فقال: هو ذل بين يدي عزيز .

قال علي بن محمد المصري الواعظ - رحمه الله تعالى -: ما سمعت في العلم بأحسن من هذا .

وروي عن بشر الحافي - رحمه الله تعالى - أنه قال: "أشتهي منذ أربعين سنة أن أضع يدا على يد في الصلاة ما يمنعني من ذلك إلا أن أكون قد أظهرت من الخشوع ما ليس في القلب مثله " وروى محمد بن نصر المروزي - رحمه الله تعالى - بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: يحشر الناس يوم القيامة على قدر صنيعهم في الصلاة، وفسره بعض رواته فقبض شماله بيمينه وانحنى هكذا .

وبإسناده عن أبي صالح السمان - رحمه الله تعالى - قال: يبعث الناس يوم القيامة هكذا، ووضع إحدى يديه على الأخرى .

وملاحظة هذا المعنى في الصلاة يوجب للمصلي أن يتذكر وقوفه بين يدي الله عز وجل للحساب .

[ ص: 21 ] كان ذو النون - رحمه الله تعالى - يقول في وصف العباد: لو رأيت أحدهم وقد قام إلى صلاته فلما وقف في محرابه واستفتح كلام سيده، خطر على قلبه أن ذلك المقام هو المقام الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين، فانخلع قلبه وذهل لبه .

خرجه أبو نعيم - رحمه الله تعالى .

ومن ذلك: إقباله على الله عز وجل، وعدم التفاته إلى غيره، وهو نوعان:

أحدهما: عدم التفات قلبه إلى غير من هو مناج له، وتفريغ القلب للرب عز وجل .

وفي "صحيح مسلم " عن عمرو بن عبسة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر فضل الوضوء وثوابه، ثم قال: "فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو أهله، وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه " .

والثاني: عدم الالتفات بالبصر يمينا وشمالا، وقصر النظر على موضع السجود، وهو من لوازم الخشوع للقلب وعدم التفاته، ولهذا رأى بعض السلف مصليا يعبث في صلاته فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه . وقد سبق ذكره .

وخرج الطبراني من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يلتفت في الصلاة عن يمينه وعن يساره، ثم أنزل الله تعالى: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) .

فخشع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن يلتفت يمنة ولا يسرة" .


[ ص: 22 ] ورواه غيره عن ابن سيرين - رحمه الله تعالى - مرسلا، وهو أصح .

وخرج ابن ماجه من حديث أم سلمة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: كان الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصره موضع قدميه، فتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان الناس إذا قام أحدهم إلى الصلاة لم يعد بصره موضع جبهته، فتوفي أبو بكر ، فكان عمر - رضي الله عنه -، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، وكان عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، فكانت الفتنة، فتلفت الناس يمينا وشمالا" .

وفي "صحيح البخاري " عن عائشة - رضي الله عنها -: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" .

وخرج الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وأبو داود والنسائي من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه " .

وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن " فذكر منها: "وآمركم بالصلاة، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا" .

[ ص: 23 ] وفي المعنى أحاديث أخر متعددة .

وقال عطاء : سمعت أبا هريرة يقول: "إذا صلى أحدكم فلا يلتفت; فإنه يناجي ربه، إن ربه أمامه، وإنه يناجيه فلا يلتفت " .

قال عطاء - رحمه الله تعالى -: وبلغنا أن الرب عز وجل يقول: "يا ابن آدم، إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه " . وخرجه " البزار وغيره مرفوعا، والموقوف أصح .

وقال أبو عمران الجوني - رحمه الله تعالى -: أوحى الله عز وجل إلى موسى - عليه السلام - يا موسى، إذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك، فهي أولى بالذم، وناجني بقلب وجل ولسان صادق .

ومن ذلك: الركوع، وهو ذل بظاهر الجسد .

ولهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله حتى بايع بعضهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن لا يخر إلا قائما يعني: أن يسجد من غير ركوع .

كذا فسره الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - والمحققون من العلماء .

وقال الله تعالى: وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون وتمام الخضوع في الركوع: أن يخضع القلب لله ويذل له، فيتم بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله عز وجل .

[ ص: 24 ] ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه: "خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وما استقل به قدمي " .

إشارة إلى: أن خشوعه في ركوعه قد حصل بجميع جوارحه ومن أعظمها القلب الذي هو ملك الأعضاء والجوارح فإذا خشع خشعت الجوارح والأعضاء كلها تبعا لخشوعه .

ومن ذلك: السجود وهو أعظم ما يظهر فيه ذل العبد لربه عز وجل حيث جعل العبد أشرف ما له من الأعضاء وأعزها عليه وأعلاها حقيقة; أوضع ما يمكنه، فيضعه في التراب متعفرا، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه وخشوعه لله عز وجل .

ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يقربه الله عز وجل إليه فإن: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال الله تعالى: واسجد واقترب

والسجود أيضا مما كان يأنف منه المشركون المستكبرون عن عبادة الله عز وجل .

وكان بعضهم يقول: أكره أن أسجد فتعلوني إستي، وكان بعضهم يأخذ كفا من حصى فيرفعه إلى جبهته، ويكتفي بذلك عن السجود .

وإبليس إنما طرده الله لما استكبر عن السجود لمن أمره الله بالسجود له . ولهذا يبكي إذا سجد المؤمن ويقول: "أمر ابن آدم بالسجود ففعل فله الجنة، وأمرت [ ص: 25 ] بالسجود فعصيت فلي النار" .

ومن تمام خشوع العبد لله عز وجل وتواضعه له في ركوعه وسجوده: أنه إذا ذل لربه بالركوع والسجود وصف ربه حينئذ بصفات العز والكبرياء والعظمة والعلو، فكأنه يقول: الذل والتواضع وصفي، والعلو والعظمة والكبرياء وصفك، فلهذا شرع للعبد في ركوعه أن يقول: " سبحان ربي العظيم "، وفي سجوده: " سبحان ربي الأعلى " .

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يقول في سجوده: "سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" .

وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ليلة في سجوده: "أقول كما قال أخي داود - عليه السلام -: أعفر وجهي في التراب لسيدي، وحق لسيدي أن تعفر الوجوه لوجهه " .

قال الحسن - رحمه الله تعالى -: "إذا قمت إلى الصلاة فقم قانتا كما أمرك الله، وإياك والسهر والالتفات، أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره . وتسأل الله الجنة وتعوذ به من النار وقلبك ساه لا تدري ما تقول بلسانك " . خرجه محمد بن نصر المروزي - رحمه الله تعالى .

وروى بإسناده عن عثمان بن أبي دهرش قال: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 26 ] صلى صلاة جهر فيها بالقراءة فلما فرغ قال: "هل أسقطت من هذه السورة شيئا؟ " . قالوا: لا ندري، فقال أبي بن كعب : نعم آية كذا وكذا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما بال أقوام، يتلى عليهم كتاب الله عز وجل، فلا يدرون ما يتلى منه مما ترك، هكذا خرجت عظمة الله من قلوب بني إسرائيل، شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم، ولا يقبل الله من عبد عملا حتى يشهد بقلبه مع بدنه " .

والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا .

ومر عصام بن يوسف - رحمه الله تعالى - بحاتم الأصم وهو يتكلم في مجلسه، فقال: يا حاتم، تحسن تصلي؟ قال: نعم! قال: كيف تصلي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتمام وأسلم بالسبيل والسنة، أسلمها بالإخلاص إلى الله عز وجل، وأرجع على نفسي بالخوف، أخاف أن لا يقبل مني، وأحفظه بالجهد إلى الموت، قال: تكلم " فأنت تحسن تصلي .

ومن أنواع العبادات التي يظهر فيها الذل والخضوع لله عز وجل: الدعاء، قال الله عز وجل: ادعوا ربكم تضرعا وخفية

وقال: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) .

فمما يظهر فيه الذل من الدعاء رفع اليدين .

[ ص: 27 ] وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رفع يديه في الدعاء في مواطن كثيرة وأعظمها: في الاستسقاء; فإنه كان يرفع فيه يديه حتى يرى بياض إبطيه، وكذلك كان يجتهد في الرفع عشية عرفة بعرفة .

وخرج الطبراني رحمه الله تعالى - من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو بعرفة ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين " .

وقد كان بعض الخائفين يجلس بالليل ساكنا مطرقا برأسه، ويمد يديه كحال السائل، وهذا من أبلغ صفات الذل وإظهار المسكنة والافتقار .

ومن ذلك أيضا افتقار القلب في الدعاء وانكساره لله عز وجل واستشعاره شدة الفاقة إليه والحاجة . وعلى قدر هذه الحرقة والفاقة تكون إجابة الدعاء .

وفي "المسند" والترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه " .

ومن ذلك: إظهار الذل باللسان في نفس السؤال والدعاء والإلحاح فيه .

قال الأوزاعي - رحمه الله تعالى -: كان يقال: "أفضل الدعاء الإلحاح على الله والتضرع إليه " .

وفي الطبراني عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا يوم عرفة فقال: "اللهم إنك ترى مكاني وتسمع كلامي ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس [ ص: 28 ] الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، ومن خضعت لك رقبته، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه . اللهم لا تجعلني بدعائك شقيا، وكن بي بارا رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين " .

وكان بعضهم يقول في دعائه: بعزك وذلي وغناك وفقري .

وقال طاوس - رحمه الله تعالى -: دخل علي بن الحسين - رحمه الله تعالى - ذات ليلة الحجر يصلي، فسمعته يقول في سجوده: عبيدك بفنائك، مسيكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك، قال طاوس : فحفظتهن، فما دعوت بهن في كرب إلا فرج عني . خرجه ابن أبي الدنيا .

وروى ابن باكويه الصوفي - رحمه الله تعالى - بإسناد له: أن بعض العباد حج ثمانين حجة على قدميه، فبينما هو في الطواف وهو يقول: يا حبيبي . وإذا بهاتف يهتف به: ليس ترضى أن تكون مسكينا حتى تكون حبيبا . قال: فغشي علي، ثم كنت بعد ذلك أقول: مسكينك مسكينك، وأنا تائب عن قول: حبيبي .

التالي السابق


الخدمات العلمية