صفحة جزء
[ ص: 426 ] سورة الجمعة

قوله تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

قال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال سبحانه: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم

ومعلوم أنه لم يبعث في مكة رسول منهم بهذه الصفة غير محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو من ولد إسماعيل، كما أن أنبياء بني إسرائيل من ولد إسحاق . وذكر الله تعالى أنه من على المؤمنين بهذه الرسالة، فليس لله نعمة أعظم من إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم .

وقوله: في الأميين - والمراد بهم العرب - تنبيه لهم على قدر هذه النعمة وعظمها، حيث كانوا أميين لا كتاب لهم، وليس عندهم شيء من آثار [ ص: 427 ] النبوات، كما كان عند أهل الكتاب، فمن الله عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفضل الأمم وأعلمهم، وعرفوا ضلالة من ضل من الأمم قبلهم . وفي كونه منهم فائدتان:

إحداهما: أن هذا الرسول كان أيضا أميا كأمته المبعوث إليهم، لم يقرأ كتابا قط، ولم يخطه بيمينه، كما قال الله تعالى: وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك الآيات، ولا خرج عن ديار قومه فأقام عند غيرهم حتى تعلم منهم شيئا، بل لم يزل أميا بين أمة أمية، لا يكتب ولا يقرأ حتى كمل الأربعين من عمره، ثم جاء بعد ذلك بهذا الكتاب المبين، وهذه الشريعة الباهرة، وهذا الدين القيم، الذي اعترف حذاق أهل الأرض ونظارهم أنه لم يقرع العالم ناموس أعظم منه . وفي هذا برهان ظاهر على صدقه .

والفائدة الثانية: التنبيه على أن المبعوث فيهم - وهم الأميون خصوصا أهل مكة - يعرفون نسبه، وشرفه، وصدقه، وأمانته، وعفته، وأنه نشأ بينهم معروفا بذلك كله، وأنه لم يكذب قط; فكيف كان يدع الكذب على الناس ثم يفتري الكذب على الله عز وجل، وهذا هو الباطل، ولذلك سأل هرقل عن هذه الأوصاف، واستدل بها على صدقه فيما ادعاه من النبوة والرسالة .

وقوله: يتلو عليهم آياته يعني: يتلو عليهم ما أنزل الله عليه من آياته المتلوة، وهو القرآن، وهو أعظم الكتب السماوية . وقد تضمن من العلوم والحكم، والمواعظ، والقصص، والترغيب والترهيب، وذكر أخبار من سبق، وأخبار ما يأتي من البعث والنشور والجنة والنار، ما لم يشتمل عليه كتاب غيره، حتى قال بعض العلماء: لو أن هذا الكتاب وجد مكتوبا في [ ص: 428 ] مصحف في فلاة من الأرض، ولم يعلم من وضعه هناك، لشهدت العقول السليمة أنه منزل من عند الله، وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف ذلك . فكيف إذا جاء على يدي أصدق الخلق وأبرهم وأتقاهم، وقال إنه كلام الله، وتحدى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا . فكيف يبقى مع هذا شك فيه; ولهذا قال تعالى: ذلك الكتاب لا ريب فيه وقال تعالى: أولم يكفهم أنا أنـزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم فلو لم يكن لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من المعجزات الدالة على صدقه غير هذا الكتاب لكفاه، فكيف وله من المعجزات الأرضية والسماوية ما لا يحصى .

وقوله: (يزكيهم) : يعني أنه يزكي قلوبهم ويطهرها من أدناس الشرك والفجور والضلال; فإن النفوس تزكو إذا طهرت من ذلك كله، ومن زكت نفسه فقد أفلح، كما قال تعالى: قد أفلح من زكاها وقال: قد أفلح من تزكى

وقوله: ويعلمهم الكتاب والحكمة يعني بالكتاب القرآن، والمراد: ويعلمهم تلاوة ألفاظه . ويعني بالحكمة فهم معاني القرآن والعمل بما فيه . فالحكمة هي فهم القرآن والعمل به، فلا يكتفى بتلاوة ألفاظ الكتاب حتى يعلم معناه ويعمل بمقتضاه، فمن جمع له ذلك كله فقد أوتي الحكمة . قال تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا

قال الفضيل : العلماء كثير، والحكماء قليل . وقال: الحكماء ورثة الأنبياء . فالحكمة هي العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح . وهي نور يقذف في [ ص: 429 ] القلب يفهم بها معنى العلم المنزل من السماء، ويحض على اتباعه والعمل به . ومن قال: الحكمة السنة، فقوله حق; لأن السنة تفسر القرآن وتبين معانيه وتحض على اتباعه والعمل به; فالحكيم هو العالم المستنبط لدقائق العلم المنتفع بعلمه بالعمل به . ولأبي العتاهية:


وكيف تحب أن تدعى حكيما . وأنت لكل ما تهوى ركوب     وتضحك دائبا ظهرا لبطن .
وتذكر ما عملت فلا تتوب



وقوله: وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين إشارة إلى ما كان الناس عليه قبل إنزال هذا الكتاب من الضلال، فإن الله تعالى نظر حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب تمسكوا بدينهم الذي لم يبدل ولم يغير، وكانوا قليلا جدا .

فأما عامة أهل الكتاب فكانوا قد بدلوا كتبهم وغيروها وحرفوها، وأدخلوا في دينهم ما ليس منه فضلوا وأضلوا . وأما غير أهل الكتاب فكانوا على ضلال مبين; فالأميون أهل شرك يعبدون الأوثان، والمجوس يعبدون النيران ويقولون بإلهين اثنين، وكذلك غيرهم من أهل الأرض; منهم من كان يعبد النجوم، ومنهم من كان يعبد الشمس أو القمر، فهدى الله المؤمنين بإرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى ما جاء به من الهدى ودين الحق; وأظهر الله دينه حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فظهرت فيها كلمة التوحيد والعمل بالعدل بعد أن كانت الأرض كلها ممتلئة من ظلمة الشرك والظلم . فالأميون هم العرب، والآخرون الذين لم يلحقوا بهم هم أهل فارس والروم، فكانت أهل فارس مجوسا، والروم نصارى، فهدى الله تعالى جميع هؤلاء برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى التوحيد . [ ص: 430 ] وقد رئي الإمام أحمد بعد موته في المنام، فسئل عن حاله، فقال: لولا هذا النبي لكنا مجوسا، وهو كما قال ، فإن أهل العراق لولا رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لكانوا مجوسا، وأهل الشام ومصر والروم لولا رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لكانوا نصارى، وأهل جزيرة العرب لولا رسالة محمد لكانوا مشركين عباد أوثان . ولكن رحم الله عباده بإرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - فأنقذهم من الضلال، كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ولهذا قال الله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، قد عظمت عليه نعمة الله، فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات، والموت عليها، فبذلك تتم النعمة .

فإبراهيم - عليه السلام - هو إمام الحنفاء، المأمور محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن قبله من الأنبياء - عليهم السلام - بالاقتداء به، وهو الذي جعله الله للناس إماما، وقد دعا هو وابنه إسماعيل - عليه السلام - بأن يبعث الله في أهل مكة رسولا منهم موصوفا بهذه الأوصاف، فاستجاب الله لهما وجعل هذا النبي المبعوث فيهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم كما دعيا بذلك، وهو النبي الذي أظهر دين إبراهيم الحنيف بعد اضمحلاله وخفائه على أهل الأرض فلهذا كان أولى الناس بإبراهيم، كما قال تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن لكل نبي وليا من النبيين وإن وليي إبراهيم ثم تلا هذه الآية . [ ص: 431 ] وكان - صلى الله عليه وسلم - أشبه ولد إبراهيم به صورة ومعنى، حتى أنه أشبهه في خلة الله تعالى، فقال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا" .

التالي السابق


الخدمات العلمية