صفحة جزء
ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون .

ويجعلون ما يكرهونه، أي: ما كان غير مرغوب فيه منهم يجعلونه لله، فيجعلون لله البنات؛ لأنهن مكروهات عندهم، ويجعلون مما ذرأ من الأنعام والحرث ما يكرهون، ويجعلون لآلهتهم ما يحبون، ويستخفون برسله لأنهم يكرهونهم، وفي الجملة كل شيء لا يهوونه يجعلونه لله تعالى.

وتصف ألسنتهم الكذب أي: تقول ألسنتهم الكذب، وعبر عن القول بالوصف لأنهم يصفون الباطل بأنه حق، فهو قول يتضمن وصفا باطلا، يصفون [ ص: 4204 ] أن لهم الحسنى الحال الحسنى التي لا يعلو عليهم في الحسن شيء في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنهم قد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا، وما هو بالحسن، وغرهم الغرور فاستطابوا ما هم عليه من فساد، وحسبوا أنهم بظلمهم الأعلون، وغرهم بالله الغرور، وأما في الآخرة؛ فقد قاسوا حالهم في الدنيا على حال في الآخرة، كما قال الله تعالى عن أحدهم: ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى

وقد رد الله تعالى قولهم بقوله سبحانه: لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون أي: حقا لا كسب لهم من خير أو حسن أن لهم النار يدخلونها، وليس لهم الحسنى ينالون خيراتهم، وأكد سبحانه ذلك فقال: وأنهم مفرطون أي مقدمون في النار، كالمفرط إلى الماء أي المقدم، وهذا على قراءة فتح الراء مع تخفيفها، وقرئ بكسر الراء مع التخفيف، ويكون المعنى مفرطين في الظلم والمعاصي، وبذلك استحقوا النيران، وقرئ بكسر الراء مع التشديد ويكون المعنى أنهم مفرطون في طاعة الله تعالى، أهملوها وتركوها فتركهم الله تعالى وصاروا نسيا منسيا.

والقراءات الثلاث متواترة، فيصح أن تراد كلها، فهم في مقدمة أهل النار فيردونها كما يرد القوم إلى الماء، وهم مفرطون في المعاصي، ومفرطون في الطاعات، والله من ورائهم محيط.

التالي السابق


الخدمات العلمية