صفحة جزء
إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى "؛ بين الله - سبحانه وتعالى - بهاتين الآيتين أن في الجنة كل ما يطمع فيه الإنسان؛ من حياة هينة؛ فيها كل مرافق قوامه الآدمي؛ من أكل وكسوة؛ وشرب؛ وإقامة؛ وفي ذلك إشارة إلى ما يجب أن يطلبه الإنسان؛ فإذا كفي هذا فقد أوتي الدنيا بحذافيرها؛ فإن وراء المطامع الأخرى من جاه وسلطان تحكم المصارع؛ كما قال علي - كرم الله وجهه -: "مصارع الرجال تحت بروق المطامع ".

وقوله (تعالى): ولا تضحى أي: لا تبرز؛ وقد ورد عن ابن عمر أنه رأى رجلا مستظلا عن الشمس؛ قال: "اضح لمن أحرمت له "؛ فـ "ضحى "؛ بمعنى: برز للشمس؛ و "لا يضحى "؛ بمعنى: لا يبرز لها؛ بأن يسكن في كن؛ لا يبرز فيه لها؛ أي: في مسكن؛ والمعنى على ذلك: إنك تجد كفايتك في الحياة؛ فتجد الطعام الذي تأكله؛ واللباس الذي يقيك العري؛ والماء الذي تشربه؛ والسكن الذي يؤويك؛ وحسبك ذلك؛ وكفى؛ وقد قال البيضاوي في هذا النص القرآني الكريم: إنه بيان وتذكير لما له في الجنة من أسباب الكفاية؛ وأقطاب الكفاف التي هي الشبع والري والكسوة والسكن؛ مستغنيا عن اكتسابها؛ والسعي في تحصيل أغراض ما عسى ينقطع؛ ويزول منها؛ بذكر نقائضها؛ ليطرق سمعه بأصناف الشقوة المحذر عنها. [ ص: 4800 ] أي أنه ذكر هذه الكفاية؛ وهي الطعام؛ والكسوة؛ والشراب؛ والمسكن؛ بصيغة النفي; لأن عدمها هو موضع التحذير والمنع؛ ولأن عدمها هو الشقاء في الجنة؛ وقد نفى بذلك أنه لا يشقى في الجنة؛ إنما الشقاء في غيرها؛ وإبليس العدو يعمل على شقائكما؛ وكدحكما؛ إذ أخرجكما من الجنة؛ فلا تطيعاه؛ وقد أشرنا إلى أن هذه الأمور يجب أن تكون مطلبك يا آدم؛ وإن في طلب غيرها التناحر على البقاء؛ ومعه الشقاء؛ وهذه موعظة لمن أراد جنة الدنيا؛ دون شقائها.

وفي الآيتين من أساليب البيان؛ فذكر المطلب الأساسي الإنساني: "إن لك "؛ مؤكدا أن له الأكل والكسوة والشراب والمأوى؛ هذا لك وحده؛ ليس لك غيره؛ وفي الجنة؛ ويجب الاقتصار عليها في الحياة التي تستقبلك.

ولقد جاء إبليس إليهما من وراء هذه الأمور؛ وهو الخلد؛

التالي السابق


الخدمات العلمية