صفحة جزء
ثم ذكر - سبحانه - أمره للنبي - عليه الصلاة والسلام - بأن يطالب المؤمنات بغض البصر أيضا؛ كما طالب المؤمنين فقال - عز من قائل -: وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ؛ الأمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يقول للمؤمنات كما قال للمؤمنين: يغضضن من أبصارهن ؛ بألا يمعن النظر في الرجال؛ فإن ذلك يغريهن بالفتنة؛ كما يغري الرجال [ ص: 5182 ] الإمعان في النظر إليهن؛ وقد روي في بعض الأخبار أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - سأل فاطمة ابنته؛ خير نساء المؤمنين -: " ما عفة المرأة؟ " ؛ قالت: ألا ترى رجلا؛ وألا يراها رجل؛ وليس معنى ذلك إلا أن تغض بصرها عند رؤية الرجال؛ وإن نظرات النساء الممعنة فيهم تغري الرجال وتغريها؛ إذا كان فيمن تنظر إليه ما يحببه للنساء؛ ويحفظن فروجهن ؛ بسترها؛ فلا تبدو؛ وبمنعها مما لا يحل؛ وحفظها من الأمراض الخبيثة التي تفسد النسل والجسم؛ وقال (تعالى): ولا يبدين زينتهن ؛ بأن يتبرجن؛ ويظهرن فى حلية تغري؛ وقد قال (تعالى) في معنى هذا: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما

واستثنى من النهي عن إبداء ما تظهر منها؛ من غير قصد إلى إظهارها: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ؛ من غير قصد الإعلان عن جمالها؛ وقالوا: إن الوجه والكفين ظهورهما مقبول في الصلاح؛ لا يمنع صلاحها؛ فيكون ظهورها في الحياة العامة ليس من إبداء الزينة المحرم؛ وقال ابن عطية؛ من فقهاء المالكية: يظهر لي بحكم ألفاظ الآية بأن المرأة مأمورة بألا تبدي؛ وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة؛ ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه؛ أو إصلاح شأن؛ والخلاصة أن الممنوع ما تبديه المرأة من زينة لتلفت الأنظار إلى محاسنها؛ ومفاتنها؛ فيكون ذلك إغراء للرجال؛ أما ما ظهر منها من زينة من غير محاولة إبداء له إغراء؛ وتبرزا للرجال؛ فإنه لا بأس به.

وليضربن بخمرهن على جيوبهن ؛ " الجيوب " : فتحات الصدر التي تبدو منها أجزاء من الجسم؛ وهذه من العورة؛ و " الخمر " ؛ جمع " خمار " ؛ " وليضربن " ؛ أي: ليضعن الخمر على هذه الجيوب التي ترى منها الصدور؛ فيستتر ذلك الجزء من عورة المرأة؛ لأن عورة المرأة الحرة كل جسمها؛ ومن النساء في هذه الأيام من يبدين بعض أجسامهن؛ على أنه من الزينة التي تغري الرجال. [ ص: 5183 ] هذا أمر عام للنساء بألا يبدين شيئا من الزينة إلا الذي يظهر في ذاته; لأن منع ظهوره فيه ضيق وحرج؛ وما جعل عليكم في الدين من حرج.

وقد استثنى - سبحانه وتعالى - المحارم الذين يخالطون المرأة من إبداء الزينة أمامهم; لأن هؤلاء محرمون عليها; ولأنها لو منعت الزينة عن رؤيتهم تكون هي في حرج؛ هي وزوجها.

وأول هؤلاء بعولتهن؛ فإن إبداء الزينة لهم من المستحسن من غير استهجان؛ فإن الرغبة في زوج تعفه؛ وتبعده عن الرذيلة؛ الطائفة الثانية آباؤهن؛ فإنها قطعة منه؛ وهو رحم محرم منها؛ وزينتها تسره؛ ولا تضره؛ ولا تغريه؛ الطائفة الثالثة: آباء بعولتهن؛ فإن أبا الزوج محرم لها؛ ولا يغرى بامرأة ابنه إلا لئيم؛ ومن يخرج عن الفطرة السليمة؛ الطائفة الرابعة: أبناؤهن؛ فإنهم قطعة منها؛ ولا يغرى بأمه إلا خبيث النفس؛ الطائفة الخامسة: أبناء بعولتهن؛ فإنه ربيبها؛ كابنها؛ الطائفة السادسة: إخوانهن؛ وبنو إخوانهن؛ الطائفة السابعة: أخواتهن؛ وبنو أخواتهن؛ الطائفة الثامنة: نساؤهن؛ أي: نساء المؤمنات؛ فإنه يجوز إبداء الزينة أمامهن؛ الطائفة التاسعة: أو ما ملكت أيمانهن؛ " ما " ؛ تشمل ما ملكت اليمين من العبيد؛ والإماء؛ ولكن هنا المختص مما ملكت اليمين الذين تبدي المرأة لهم زينتها الإماء؛ لأنه لا يصح أن تبدى زينتهن أمام الرجال؛ وعلى ذلك أكثر فقهاء الأمصار؛ وروي غير ذلك عن بعض فقهاء الصحابة والتابعين؛ وعندي ألا يبدين زينتهن للعبيد؛ فإنهم رجال يشتهون؛ وليس عندهم من الكرامة ما يحملهم على التعفف؛ ولعل الدين ليس له تأثير قوي عند أكثرهم؛ ومن العبيد من يكون ذا جمال تشتهيه النساء؛ وقد كان بعض النساء في عهد الإمام عمر - رضي الله عنه - من تأولن آية سورة " النساء " ؛ في قوله (تعالى): أو ما ملكت أيمانكم ؛ فملكت [ ص: 5184 ] نفسها عبدها من مقايسة النساء على الرجال؛ وقد منعها عمر؛ وروي أنه عزرها بمنع زواجها من الأحرار.

لهذا نرى أن قوله (تعالى): أو ما ملكت أيمانهن ؛ الظاهر تخصيصها بالنساء؛ أما العبيد الرجال؛ فهن وبقية الرجال على سواء في المنع من ألا يبدين زينتهن لهم؛ صونا للبيوت ولكرامة النساء؛ ولحرمات البيوت الطاهرات؛ الطائفة العاشرة: ما ذكرها - سبحانه وتعالى - بقوله: أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ؛ " الإربة " ؛ معناها: الحاجة إلى النكاح؛ وقد اشترط فيهم أن يكونوا تابعين؛ وألا يكونوا مشتهين للنساء؛ إما لأنه ثبت أنه عنين؛ أو شيخ فان؛ قد انتهى أمد شهوته؛ أو خصي؛ أو مجبوب؛ وهو تابع في البيوت؛ يؤاكل النساء ويخالطهن؛ وفي إبعاده حرج لهم ولهن.

وفي الحق إن الآية ذكرت الوصف؛ ولم تذكر النوع؛ فكل من لا يكون له أرب أو شهوة؛ كالشيخ الفاني القاعد في البيت قابعا؛ وثبت أنه لا أرب له في النساء؛ ولا يشتهي منهن حتى النظر؛ فإنه في موضع الاستثناء؛ وقد ألحق بهؤلاء غير أولي الإربة المخنثون من الرجال الذين كانوا يخدمون في البيوت في المدينة؛ ويطلعون على عورات النساء؛ ويبدي النساء زينتهن أمامهم؛ وشك النبي - صلى الله عليه وسلم - لسماعه أحدهم يصف المرأة قائلا: تقبل بأربع؛ وتدبر بثمان؛ وهذا وصف لا يقوله إلا من يمعن النظر؛ وفي نظرته شهوة؛ فأمر بإبعاد المخنثين عن البيوت؛ والأمر في معرفة غير أولي الإربة إلى الملاحظة؛ واحترام النفس والكرامة؛ الطائفة الحادية عشرة: هي ما ذكرها الله - سبحانه - بقوله: أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ؛ " الطفل " ؛ اسم جنس؛ أي: جمع؛ أطفال؛ ولذا عاد الضمير [ ص: 5185 ] ضمير جمع في قوله (تعالى): لم يظهروا على عورات النساء ؛ أي: لم يعلموا عورات النساء؛ يقال: " ظهر عليه " ؛ أي: علمه؛ واطلع عليه؛ يقال: " ظهرت على كذا " ؛ أي: علمته؛ أي: يرون المرأة؛ فلا يفرقون بين العورة؛ وغيرها؛ وهذا دليل على كمال الغفلة عن العلاقة بين الرجل؛ والمرأة؛ فهؤلاء يستثنون من إبداء الزينة أمامهم؛ فإن نظراتهم ليس فيها شهوة منبعثة؛ وهناك حرج على النساء في إخفاء زينتهن عنهم؛ ولا يوجد ما يدعو إلى الوقوع في الحرج؛ فسبب المنع غير قائم؛ والباعث عليه غير موجود.

هذا هو الأمر بالنسبة لإبداء الزينة؛ ما منع منه؛ وما استثني في أحوال قد تقصيناها حالا؛ حالا.

وقد قال (تعالى) - بعد ذلك؛ عاطفا على النهي - وذلك قوله (تعالى): ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ؛ أي: لا تضرب برجلها ليعلم الناس ما تخفيه من خلخال أو زينة على الساق؛ وإن النهي عن هذا يتضمن النهي عن الضرب في ذاته بحركة غير محتشمة؛ تتلوى فيها المرأة تلويا مغريا؛ ثم إنه يبدي الزينة المغرية المشتهاة؛ وقد قال الغزالي: إن الصب المتيم يثير شهوته سماع صوت الهاون تدق به حبيبة.

وفي الجملة: إنه يجب التستر في كل شيء؛ فلا يبدو منها ما يثير النظر أو الشهوة؛ وإن النفوس قد تغفل عن بعض هذا الواجب؛ وهو غض البصر؛ ولذلك ختم الله (تعالى) الآيتين بقوله: وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون ؛ أمر الله - سبحانه وتعالى - بالتوبة مما عساه يكون قد غفلوا عنه من أمر الغض الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب؛ ولتتطهر منه السرائر؛ كما تطهرت المظاهر؛ وقوله (تعالى): جميعا ؛ ليعم الأمر بالتوبة الذكور والإناث؛ فقد يدخل البيوت من يظن فيه الخير؛ وليس خيرا؛ وقد يكون تأثم من إدخاله إذا تبين فساد نفسه؛ لعلكم تفلحون ؛ أي: تفوزون؛ والرجاء من العباد؛ لا من الله (تعالى)؛ الذي يعلم السر وأخفى.

التالي السابق


الخدمات العلمية