صفحة جزء
وقد أكد سبحانه وتعالى طلب التفويض والتوكل بعد التدبير وأخذ الأهبة بقوله تعالى: إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده أي أنه إذا أراد الله تعالى أن ينصركم، واستحققتم نصره فإنه لا يوجد قوم من شأنهم أن يغلبوكم، والتعبير باسم الفاعل في قوله تعالى: فلا غالب لكم يفيد أنه لا يوجد من عنده القوة ومن شأنه أن يغلبكم؛ لأنه إن كان قويا في نفسه فالله معكم وهو القاهر فوق عباده، وهو الحفيظ عليهم، وخلق [ ص: 1481 ] الإنسان ضعيفا مهما تكن قوته، وإن استحقاق نصر الله يكون بأخذ الأهبة ومبادلة الرأي، وتعرف أسباب النصر، ثم التوكل على الله تعالى، وتفويض الأمور إليه. وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أعد الأهبة أخذ يدعو الله تعالى بالنصر، ويكرر هذه العبارة: " اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " .

وإنه إذا فقد المؤمن نصر الله فلا ناصر له من غيره، ولذلك قال سبحانه: وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده

أي: إن يكتب الله سبحانه وتعالى لكم الخذلان، ويحرمكم من معونته وتأييده، فلا أحد ينصركم من بعده أي ممن هو دونه أو من بعد خذلانه؛ لأنه لا أحد عنده قدرة تقف أمام قدرة الله تعالى، والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي، وقد جاء النفي على صيغة الاستفهام ليوجه أنظار المخاطبين إلى البحث عن قوى تكون قدرته كافية للوقوف أمام إرادة الله تعالى الخذلان، فإنهم سيبحثون عن قوى لا تكون قوته إلى بقاء، ولن يجدوه، فعندئذ يحكمون بأن الله وحده الكبير المتعال، ولا ناصر سواه وعلى الله فليتوكل المؤمنون

أي عليه وحده لا على شيء سواه، وأفاد ذلك تقديم " على الله " أي أن المؤمنين لا يتوكلون إلا على الله سبحانه وتعالى فالاتكال عليه وحده والإيمان متلازمان لا ينفصلان، فغير المؤمن يعتمد على الأشخاص الفانين، أما المؤمن فلا يعتمد على أحد سوى الله تعالى، والاتكال على الله من مقتضيات الإيمان بالله وحده؛ لأنه جزء من الوحدانية، فالذين يعتمدون على غير الله من العباد يصيبهم نوع من الشرك الخفي؛ لأنهم يفرطون في تقدير العباد، بل قد تفرط منهم عبارات [ ص: 1482 ] التقديس، وقد كان بعض الذين لا دين لهم يعبرون عن بعض الملوك بالذات العالية، وذلك شرك بلا ريب، وأهل الإيمان الصادق لا يعتمدون إلا على الله بعد أخذ الأسباب؛ لأنهم لا يؤمنون إلا بالله: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير

التالي السابق


الخدمات العلمية