1. الرئيسية
  2. زهرة التفاسير
  3. تفسير سورة البقرة
  4. تفسير قوله تعالى وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم
صفحة جزء
[ ص: 383 ] تشابه المشركين وأهل الكتاب

وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون

* * *

اليهود يتعنتون والمشركون طلبوا آيات مختلفة ، آيات حسية مطرحين الآيات المعنوية ، مع أن الله تعالى أجرى على يديه خوارق للعادات باهرة كالإسراء ، والطعام الكثير من الغذاء القليل ، وسح الماء بين يديه ، وحنين الجذع إليه ، وتعشيش اليمام حول الغار ، وسير السحاب معه لتظله ، ونصره بالرياح وقد اشتدت الشديدة ، وغير ذلك كثير ، ولكنه لم يتحد إلا بالقرآن ; لأنه الآية الكبرى ، والمعجزة الدائمة القاهرة .

ولقد قال تعالى في ذلك : وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم الذين أي الذين لم يؤتوا علما سابقا وهم الأميون ، وتكون الآية الكريمة نصا في المشركين ; لأنهم الأميون الذين لم يعلموا كتابا [ ص: 384 ] ولم يكونوا من أهل الكتاب ، وقد جرى تعبير القرآن بذلك في مقابل أهل الكتاب ، ولقد طلبوا آيات مختلفة ، فطلبوا أن ينزل عليهم قرطاسا من السماء يخاطبهم به الله ، أو ملكا رسولا ، كما رد الله تعالى عليهم بقوله تعالى : ولو نـزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين وقالوا لولا أنـزل عليه ملك ولو أنـزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون

وهذا على أن الذين لا يعلمون هم المشركون ، لقد طلبوا هذا وطلبوا آيات كثيرة في سورة الإسراء وتلونا من قبل قوله تعالى : لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية لولا هنا للتحريض والطلب ، تقارب معنى هلا ، وليست للشرط الدال على امتناع الجواب لوجود الشرط ، مثل : لولا أنتم لكنا مؤمنين والفرق اللفظي أن لو التي تكون للطلب يكون بعدها الفعل ، ولولا الشرطية يكون في صدر فعلها اسم ، كما دل على ذلك استقراء اللغويين ، وفسر كثيرون من الفقهاء ، أن الذين لا يعلمون هم من أهل الكتاب الذين حضروا عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويرشح لهذا التفسير قوله تعالى : كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم فقد قال الذين من قبلهم أرنا الله جهرة .

وقوله تعالى : مثل قولهم أي في التعنت وطلب الآيات الحسية ، وإذا كانوا قد طلبوا ذلك مع تسع آيات بينات حسية ، فإن الذين فعلوا مثلهم طلبوا ذلك مع ما هو أعظم من ذلك ، وهو القرآن المعجزة الإلهية الكبرى .

وليس في الأمر تضاد بين الرأيين ، ولذلك يكون الجمع بينهما أولا ، فالذين لا يعلمون الحق ، ولا يدركون معاني الإيمان طلبوا ذلك سواء أكانوا من المشركين ، أم كانوا من اليهود والنصارى المتعنتين الذين إذا كان علمهم بالكتاب فقد جهلوه أو تجاهلوه أو أنكروه ، فهم مع الذين لا يعلمون على حد سواء .

وقد بين الله سبحانه وتعالى تشابه ما بين ماضي الكافرين وحاضرهم ، فقال تعالى : تشابهت قلوبهم أي أن قلوبهم تتشابه في الإلحاد في دين الله [ ص: 385 ] تعالى ، وتعنتهم في طلباتهم ، وجحودهم المستكن في قلوبهم الذي يظهر على أقوالهم ، فإذا كانت أقوالهم متحدة ، فلأنها ناشئة من قلوب متحدة في أنها لا تؤمن بشيء ، ولقد جاء عيسى ببينات قاطعة من إحياء للموتى وإخراج لما في القبور ، وتصوير للطين ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله تعالى . جاءهم بكل هذا فقالوا : هذا سحر مبين فالجاحد لا يؤمن بشيء وليس عدم إيمانه لنقص في الدليل ، بل كلما زاد الدليل قوة زادوا عنتا وكفروا ، وصرفوا عقولهم ونفوسهم لا في الإيمان به ، بل في إعمال الحيلة لرده .

ولذلك رد الله تعالى عليهم بقوله تعالى : قد بينا الآيات لقوم يوقنون أكد الله سبحانه وتعالى أنه بين للذين لا يعلمون في الحاضر ، والذين قالوا مثل قولهم في الماضي ، وأتى لهم بآيات من شأنها أن تدخل إلى القلوب بالإيمان ، ولكن بشرط تقبل القلوب للحقيقة ، وإن من شأنها أن توقن بالحق إذا عين لها دليله ; ولذا قال تعالى : لقوم يوقنون أي من شأنهم أن يوقنوا عند وجود الدليل ، لا يترددون وليس من شأنهم التردد ، وينتهي ترددهم بالجحود .

إن الدليل إذا كان قويا صدقوا بعقولهم ، ولكن إذعانهم لا يكون إلا إذا كانت قلوبهم خاضعة من شأنها اليقين ، وقد تستيقنها النفس ولكن لا تسكن القلوب إلا إذا كان اليقين من القلب المؤمن بالحق أو المستعد له الذي يقذف الله تعالى في قلبه بالنور ; ولذا قال تعالى في شأن الجاحدين المتعنتين : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم

والآيات هنا إذا كانت عامة للحاضرين والماضين فهي الآيات التي سبقت لموسى ولعيسى ، وآية محمد الكبرى ، وهي القرآن العظيم الخالد الباقي إلى يوم القيامة .

ومعنى قوله : قد بينا الآيات قد أنزلنا بينة مقنعة بذاتها ; لأنها العلامات والأمارات القاطعة في الدلالة على الله ، وعلى نبوة الرسول الذي بعثه الله تعالى .

[ ص: 386 ] ويلاحظ أن هذا في موضوع نسخ الآيات المعجزات ، واستبدال آية بآية ، والقرآن الكريم في هذا النسق يفصل بعضها وما عرض من أخبار اليهود والنصارى والقبلة . والاعتراض والرد لم يكن بعيدا عن ذلك بعدا تاما .

وإن هذا التعنت في طلب الآيات ، وعقد مشابهة بين آيته الكبرى ، وآيات النبيين السابقين التي لم تأت بإيمان أهل الكتاب بل عاندوها ، وجحدوا بها ، وقالوا : هذا سحر مبين ، وقالوا ائتنا بآية غير هذا القرآن ، وقد ذكر أنه إن نسخ آية أي تركها يأت بمثلها ، أو خير منها .

ولذا ذكر سبحانه وتعالى أن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - حق في ذاته يدعو إلى نفسه ، وقد أيدت بآية هي حق ، ويدعو إلى الحق ، فقال تعالى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا أي إنا بعثناك نبيا مرسلا ، مقترنة أو متلبسة رسالته بالحق ، فهي حق يثبت نفسه ، وما فيها حق ، وما تدعو إليه حق ، والحق وحده كاف لإقناع من يكون عنده قلب يدركه ، ويمتلئ قلبه حكمة ، وبصيرة ، وإذا كان القلب مخلصا أدرك وآمن ، يروى أن أكثم بن صيفي حكيم العرب عندما بلغه بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل ولده يسألون عما يدعو إليه فلما ذهبوا إليه تلا عليهم قوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فلما عادوا تلوا على أبيهم ما تلاه عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال حكيم العرب : إن هذا إن لم يكن دينا كان في أخلاق الناس أمرا حسنا ، كونوا يا بني في هذا الأمر أولا ، ولا تكونوا آخرا فالحق نور يدعو إلى اتباعه .

وقوله تعالى : بشيرا ونذيرا أي مبينا الحق ، ومبينا أن جزاء من تبعه الحسنى ، ومبينا أن من يعانده يكون السوء مصيره فـ ( بشيرا ) بيان لبشرى من يتبع ، و ( نذيرا ) بيان للسوءى لمن يعاند ويجحد ، إنما أنت عليك البلاغ وإنما أنت نذير ، لما قال تعالى : وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب و ولا تسأل عن أصحاب الجحيم لست أيها الرسول مسؤولا عمن يتردون في الضلال ، وهم أصحاب الجحيم ، وعبر سبحانه وتعالى [ ص: 387 ] عنهم للدلالة على ما يستقبلهم من عقاب فللذين أحسنوا الحسنى وللذين أساءوا السوءى .

والجحيم وصف من الجحمة والجحمة شدة تأجج النيران ، والمعنى لا تسأل عن الذين يلازمون النار ملازمة الصاحب فهم أصحابها والمختصون بها .

وإنه لا يسأل عنهم ، فهو النذير العريان الذي لا يتحمل تبعة مخالفة المخالفين ، بل هذا جزاؤهم وهو بشير أو نذير ، بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ويقول الذين كفروا لولا أنـزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد فلست بمسؤول عمن كفر وطغى .

وإن الذين يثيرون القول في الآيات البينات وخاصة معجزة القرآن هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين غلفت دون الهداية قلوبهم ، وتعصبوا لأوهام باطلة سيطرت على نفوسهم ، وحسبوا ألا يكون دين فوق دينهم يجب اتباعه ، وجهلوا ما عندهم ، وضلوا فيه ضلالا مبينا ، وغاضبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ; ولذا قال تعالى : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم في هذا النص إشارة إلى أنهم هم الذين يعارضون ، ويتعنتون ; لأنه سبق إليهم ما يحسبون به أنهم فوق أن يتبعوا غيرهم ، بل غيرهم عليه هو أن يتبعهم ، وقد أكد الله تعالى أن ذلك المعنى في نفوسهم ، فنفى عنهم الرضا على النبي - صلى الله عليه وسلم - نفيا مؤكدا للحال التي كانوا عليها عند المبعث المحمدي ، لأن رسالته عليه الصلاة والسلام ، واجهت في نفوسهم شعورا مملوءا بالضلال والهوى والانحراف عن الجادة المستقيمة ، ولكي يدخل الحق إليها لا بد من تفريغ ما فيها من ضلال وفساد ، وهداية النفس الخالية من فساد المنكر أقرب من النفس الممتلئة بالباطل .

فهم يريدون أن يكونوا متبوعين لا تابعين ، وتلك توجد فيهم جحودا ، وقسوة في قبول الحق لا يقل عن المشركين ، في تمسكهم برياساتهم ، وشرف قبائلهم وعشائرهم ، والمنافسات بينهم .

[ ص: 388 ] والملة هي الشريعة ، وقد قال الراغب في مفرداته : ( الملة كالدين وهي اسم لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء ليتوسلوا به إلى جوار الله تعالى ، والفرق بينها وبين الدين أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي عليه السلام التي تسند إليه نحو فاتبعوا ملة إبراهيم واتبعت ملة آبائي ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ، ولا إلى آحاد أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقال : ملة الله ، ولا يقال : ملتي ، ولا : ملته ) .

وعلى ذلك يكون : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم أي الملة التي جاءتهم عن أحبارهم ورهبانهم ، وإن ملة اليهود ، ومثلها ملة النصارى أوهام أوجدتها شهوات حبيسة ، فملة اليهود أهواء وملة النصارى أوهام وأهواء ، وكلهم ضلال في ضلال .

ولذا قال تعالى : ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير أكد الله سبحانه وتعالى نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - باللام الدالة على القسم مع إن ، وهما أشد ألفاظ التوكيد في بيان عاقبة الاتباع ، وأنه إذا كان الاتباع المنهي عنه نهيا مؤكدا ، فالعاقبة ألا يكون لمن اتبع أهواءه إلا أن ينزل عليه عقاب الله تعالى ، ولا يكون له ولي محب يدفع عنه ، ولا نصير ينصره من غير الله .

فمعنى النص السامي أنك أيها الرسول إن اتبعت أهواءهم فإنه من المؤكد أن العذاب نازل ، ولا ينجيك منه ولي ولا نصير .

وهنا ملاحظتان بيانيتان : أولاهما - أن تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقصد به شخصه أولا وبالذات ، إنما يقصد به أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأن عليهم أن يحرصوا على مجانبتهم ، وألا يغتروا بهم ، وإنه في وقت ضعف النفوس المؤمنة يكون كيد هؤلاء مستمرا ، دائما ومذهبا يصلون به إلى قلوب ضعاف الإيمان ، فقد يميلون - وإن لم يكفروا - فيستحسنوا ما عندهم ، وإنا نرى من ضعفاء الإيمان في عصرنا من يستحسنون كل ما عند النصارى واليهود ، فإذا ذكرت أحوالهم استحسنوها ، وإذا [ ص: 389 ] ذكرت مكارم المسلمين استهجنوها ، حتى طمع أولئك الفجرة الفسقة في بعض المسلمين ، فأخذوا يستهوونهم بكل الأساليب ، وقى الله أهل الإيمان منهم .

الملاحظة الثانية - أن هؤلاء ما عندهم ليس بدين يتبع ، ولكنه أهواء باطلة وأوهام فاسدة ، وأي عقل يدرك أن الواحد اثنان وأن الاثنين ثلاثة ؟ ! ! ولكنها أوهام ضالة ، والله المنقذ من الضلال .

وإن الله تعالى منصف في أحكامه ، فهو سبحانه وتعالى لا يعمم فتشمل البريء والسقيم ; ولذا بعد أن ذكر حال اليهود في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن من أهل الكتاب من يتلونه حق تلاوته ، ويتعرفون غايته ومراميه ، وإن هؤلاء يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويتبعونه ; ولذا قال تعالت كلماته : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به

آتيناهم معناها أعطيناهم ، وتقبلوا العطاء بنفس شاكرة ، وعقل مدرك وقلب مؤمن ، فلم يكن إعطاؤهم كأي إعطاء ، والكتاب هو ما أعطاهم الله تعالى من قبل كتوراة موسى أخذوها من غير محاولة تحريفها ، وإنجيل عيسى أخذوه كما هو داعيا إلى الوحدانية مع الإيمان بأنه بشر كسائر البشر ، رسول كغيره من الرسل أولي العزم ، ليس ابنا ولا إلها ، قال لقومه : اعبدوا الله ربي وربكم ، فالكتاب هو كتاب أهل الكتاب ، وهم الذين عرفوه ، وقوله تعالى : يتلونه حق تلاوته أي يتعرفون معناه فينزجرون بزجره ، ويتعظون بعظاته ، ويعتبرون بقصصه ; ولذلك فسر بعضهم التلاوة في هذا المقام بالاتباع ، كما في والقمر إذا تلاها أي تلا الشمس أي اتبعها واستضاء بنورها .

فمعنى حق تلاوته أي التلاوة الحق ، وهي التلاوة المتبعة المتفهمة المدركة ، والمتقبلة غير المعاندة . وبين سبحانه وتعالى جزاءها وأوصاف أهلها فقال تعالت كلماته : أولئك يؤمنون به يصدقونه ويذعنون لما يأمر به وينهى عنه ، ويعملون بموجبه .

[ ص: 390 ] وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم : من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين

وهم الذين قال تعالى فيهم : الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون

هذا التفسير على أساس أن الكتاب هو كتاب أهل الكتاب الذي آمنوا به ولم يحرفوه عن مواضعه ، ولم يكتبوه بأيديهم ويلوون به ألسنتهم ، ويقولون هو من عند الله ، وما هو من عند الله .

ولكن من المفسرين من قالوا إنه القرآن الكريم ، وإطلاق اسم الكتاب عليه من غير ذكر أنه القرآن ، للدلالة على كماله وأنه لا يماثله من الكتب كتاب ولو كان سماويا ، لأنه الكتاب الكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، مثل قوله تعالى : ذلك الكتاب لا ريب فيه

ويكون معنى تلاوته حق تلاوته أن يتدبر معناه ، ويتعظ بمواعظه ، ويعتبر بقصصه كما ذكرنا آنفا ، ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلو القرآن إذا مر بآية رحمة سأل ، وإذا مر بآية عذاب تعوذ ولقد قال عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه ، في معنى قوله : يتلونه حق تلاوته الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منه ولقد قال الحسن البصري في الذين يتلونه حق تلاوته : هم الذين يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ، ويتفهمون معانيه .

[ ص: 391 ] هؤلاء هم أهل الإيمان - من الماضين - بكتبهم ، المؤمنون بالقرآن الكتاب الأكمل ، أما من كفروا فقد ذكر الله تعالى ما يستميلهم ، فقال تعالت كلماته : ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون الكفر به جحود بآياته وإنكار لأحكامه ، ومعاندة ، وقال أولئك الإشارة إليهم محكمين كفرهم متصفين به ، وحكم سبحانه بالخسران مؤكدا له بضمير الفصل هم ، وبالجملة الاسمية وبحصرهم في الخسران ، والله أعلم بهم .

* * *

التالي السابق


الخدمات العلمية