صفحة جزء
النهي عن سب الآلهة، وقاعدة سد الذرائع

ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون [ ص: 2624 ] ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله

نهى الله تعالى عن سب الأوثان والأصنام، وكل ما كانوا يعبدون من دون الله تعالى، حتى لا يسبوا الله تعالى عدوانا وظلما واعتداء على الحق بجهل وبغير علم وإدراك سليم; إذ سووا بين الله تعالى وآلهتهم، فالفاء فاء السببية أي: بسبب سب المؤمنين الحق لأصنامهم، يسبون الله تعالى ظلما وجهلا بغير الحق، وعبر عن أصنامهم بالموصول الذي يكون للعاقلين بقوله: الذين يدعون جريا على زعمهم من أن لهم فكرا وعقلا وإن كانوا لا يعقلون.

وهنا نسأل عن معنى السب أهو الشتم أم مجرد ذكرهم بأنهم لا يضرون ولا ينفعون، وأنها أحجار لا تضر ولا تنفع، لا يمكن أن تكون من السب أن يقال: إنهم لا يضرون ولا ينفعون، فقد ذكر في القرآن كثيرا أنهم لا يضرون ولا ينفعون، فقد قال تعالى: قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا وحكى الله تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لأبيه: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا والقرآن الكريم المنزل من رب العالمين لا يكون فيه سب ولا شتم، وإنما يكون فيه ذكر الحقائق الثابتة التي لا مجال للريب فيها.

وعلى ذلك لا يمكن أن يكون وصف الأوثان بأنها لا تضر ولا تنفع سبا; لكنه لكي يمنع العرب من عبادتها، لا بد من وصفها بحقيقتها ومآلها، ولقد قال تعالى: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

إنما السب هو شتم الأوثان مثل: (لعنها الله)، و: "قبحت آلهتكم" من غير ذكر أوصافها.

ولكن قد يقال: إن المشركين عدوا ذلك سبا، فقد قالوا أو قال وفدهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي طالب، لقد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، ونقول: إننا نفسر كلام الله تعالى، وما علينا أن نفسر كلامهم، فليسموا ذكر الحقيقة سبا كما يشاءون، ولكن السب ليس كما يقولون.

[ ص: 2625 ] فيسبوا الله عدوا بغير علم أي: يترتب على سب ما يدعونه من دون الله بالباطل سب الله تعالى ظلما وعدوانا جهلا، وقد فسرنا السب بأنه الشتم، وليس من الشتم وصف الأوثان بأنها لا تنفع ولا تضر; لأن القرآن الكريم وصفها بذلك الوصف، والقرآن ليس فيه شتم ولا سب، وما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- فحاشا ولا سبابا; ولذلك يجب أن يفسر السب بغير ذلك، ولقد استنبط العلماء من الآية أنه يجوز ترك الحسن إذا أدى إلى معصية، وهو ما يسمى في الفقه "سد الذرائع" أي: منع ما يؤدي إلى الفساد اتقاء إليه، ولو كان في ذاته حسنا، وإنه يوازن بين الفعل وما يؤدي إليه، فإن كان الضرر الذي يؤدي أكثر من النفع الذي يكون من الأمر، قدم دفع الضرر الكثير على النفع القليل، بل إن القضية الأصولية "دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة".

وإن ذلك أصل ثابت قد قررته هذه الآية الكريمة، وقد قال الإمام الزمخشري في ذلك: (فإن قلت: سب الآلهة حق وطاعة، فكيف صح النهي عنه؟ وإنما يصح النهي عن المعاصي، قلت: رب طاعة علم أنها تكون مفسدة، فتخرج عن أن تكون طاعة؛ فيجب النهي عنها; لأنها معصية، لا لأنها طاعة، كالنهي عن المنكر، وهو من أجل الطاعات، فإذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر، انقلب إلى معصية، ووجب النهي عن ذلك، كما يجب النهي عن المنكر، فإن قلت: فقد قال الحسن: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا، قلت: ليس هذا مما نحن بصدده؛ لأن حضور الجنازة طاعة، وليس بسبب لحضور النساء; فإنهن يحضرنها، حضر الرجال أم لم يحضروا، بخلاف سب الآلهة) .

وقد كان كلام الحسن ردا على ابن سيرين إذ امتنع عن السير في الجنازة; لأن فيها النساء.

ويلاحظ على كلام الزمخشري أنه عد سب الآلهة طاعة، كأن الدين أمرنا بسب الآلهة!! إن القرآن ومحمدا -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرانا بسب قط، وقد قلنا إن وصف [ ص: 2626 ] الآلهة بأنها لا تنفع ولا تضر ليس سبا، ولا يمنع أن يقال بيانا للحقائق، وإبعادا لهم عن عبادتها، وليس سبا منهيا عنه، ولو أدى إلى قول القبيح، إنما النهي عن سب الأوثان; لأنها ليست هي العاصية، ولما يؤدي إليه السب.

ومهما يكن تعليقنا على قول الإمام الزمخشري فإن مسألة سد الذرائع ثابتة، والآية الكريمة توحي إليها وتحث عليها، وإنه من المقررات ما يفضي إلى المعصية يعد معصية، ولو كان أصلها مباحا.

كذلك زينا لكل أمة عملهم

أي: كذلك الذي نراه من اندفاع المشركين إلى سب الله تعالى، وهو العلي الحكيم، إذا كان السب لآلهتهم كذلك الأمر زين الله تعالى بمقتضى سنته في الأحياء أن في كل أمة أي: طائفة من يحسن لها عملها، حتى تظنه الحق وما هو إلا الباطل الصراح، ومن زين له سوء عمله فظنه حسنا، فإن عليه مغبته; وعليه تبعة ذلك الظن الفاسد وذلك العمل الظالم، وتزيين الله تعالى لكم ذلك سنة الله تعالى في خلقه، ليس مؤداه أنه يبرره، ويرضى عنه، فإن بيان الله تعالى هنا هو بيان لسنة الوجود، وليس ذكرا للعقاب والثواب، والتكليف، وإنه مختار فيما يفعل، ومرده إلى الله تعالى في العقاب والثواب; ولذا قال تعالى: ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون

أي: أنه إذا كان قد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا في الدنيا، فإنهم راجعون إلى ربهم يوم القيامة، والتعبير بـ: "ثم" للدلالة على البعد الزماني في نظرهم، والبعد بين ما زين لهم من الشر، وما يستقبلهم من جزاء; وفاقا لما عملوا من شر، وقوله تعالى: إلى ربهم مرجعهم فيه تقديم الجار والمجرور على ربهم، للدلالة على الاختصاص، أي: المرجع إلى الله وحده، وهو الذي يتولى جزاءهم على ما قدموا من شر، والتعبير بـ: (ربهم) إشارة إلى كفرهم بالنعم التي أولاهم; [ ص: 2627 ] إذ إنه هو الذي خلقهم ورباهم ونماهم وأمدهم بآلائه من وقت أن كانوا أجنة في بطون أمهاتهم إلى أن رمسوا في قبورهم.

النبأ: الخبر الخطير، ينبئهم أي: يخبرهم بما كانوا يعملون، وهو إنباء مقترن بالجزاء، فهو إنباء بأعمالهم وجزائها، فيجزون ما كانوا يعملون، أي: أن الجزاء موافق للعمل، وأعدل العدل أن يكون العقاب مأخوذا من الجريمة نفسها، والله يتولى المحسنين.

التالي السابق


الخدمات العلمية