الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام

الهروي - أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي

صفحة جزء
[ ص: 73 ] باب : النكاح وما جاء فيه من النسخ

قال أبو عبيد : جاءت الآثار في السنة وفي تأويل الكتاب بنسخ أنواع من النكاح ، فمنها ما كان حلالا فنسخه التحريم ، ومنها ما كان حراما فنسخه التحليل ، ومنها ما اختلف العلماء في نسخه ، وأما الذي كان حلالا فنسخ بالتحريم فإنه نكاح المتعة .

122 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا بشر بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، عن عمه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، عن الربيع بن سبرة الجهني ، عن أبيه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرته ، فشكونا إليه العزبة ، فقال : " استمتعوا من هذه النساء " قال : ثم أصبحت غاديا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول : " يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ، ألا وإن الله عز وجل قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء ، فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا

123 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثني يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني الربيع بن سبرة ، أن أباه ، قال : " استمتعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من امرأة من بني عامر

[ ص: 74 ] ببردين أحمرين ، ثم نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها
. قال : قال الليث ، ثم لقيت الربيع بن سبرة ، فحدثني بمثل حديث ابن شهاب

124 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا منصور ، عن الحسن ، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرته تزين نساء أهل مكة ، فشكى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، فقال : " تمتعوا منهن واجعلوا الأجل بينكم وبينهم ثلاثا فما أحسب رجلا منكم يستمكن من امرأة ثلاثا إلا ولاها الدبر . قال الحسن : فإنما كانت المتعة ثلاثة أيام لم تكن قبل ذلك ولا بعده

[ ص: 75 ]

125 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن الزهري ، عن عبد الله ، والحسن ، ابني محمد بن علي ، عن أبيهما محمد بن علي ابن الحنفية ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر بابن عباس وهو يفتي بنكاح المتعة : أنه لا بأس بها ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عنها وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر . قال أبو عبيد : " فكان بعض الناس يطعن في هذا يقول : كيف ينهى عن المتعة يوم خيبر ، إنما كانت رخصتها في عمرته وهي بعد خيبر ؟ وإنما وجهه عندنا أن عليا رضي الله عنه أراد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة ، فهذا كلام مكتفيا بما فيه ، ثم قال : ونهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر

قال أبو عبيد : ووجه قوله : يوم خيبر إنما هو على نهيه عن لحوم الحمر خاصة يوم خيبر ، فأما نهيه عن المتعة ، فكان بعد ذلك في عمرته التي أقام فيها ثلاثا بمكة بعد ذلك "

126 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو معاوية ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن الحارث بن غزية ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " متعة النساء حرام ، متعة النساء حرام

[ ص: 76 ]

127 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن شعبة ، عن قتادة قال : سمعت أبا نضرة يقول : كان ابن عباس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها قال : فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله ، فقال : " على يدي دار الحديث ، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم عمر قال : إن الله عز وجل كان يحل لرسوله ما شاء ، وإن القرآن قد نزل منازله ، فأتموا الحج والعمرة كما أمر الله عز وجل ، وأبتوا نكاح هذه النساء ، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة . قال شعبة : حدثني بهذا الحديث ثلاثة لم يذكر أحد منهم : رجمته بالحجارة ، غير قتادة

128 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا مروان بن معاوية ، عن عمر بن حمزة العمري ، عن عبد الرحمن بن سعد قال : كنت أطوف مع ابن عمر بالبيت إذ لقيه رجل ، فسأله عن متعة النساء ، فقال ابن عمر : " اللهم لا نعلمها إلا السفاح ، اللهم لا نعلمها إلا السفاح ، إن عمر لو كان حيا لك ولأصحابك لشرد بهم أو قال بكم

[ ص: 77 ]

129 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن عقيل ، ويونس ، عن ابن شهاب ، عن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل ، عن ابن عمر ، أنه سئل عن المتعة ، فقال : " ذلك السفاح

130 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن أبي مريم ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : " نكاح المتعة بمنزلة الزنا

[ ص: 78 ]

131 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، أنها كانت إذا ذكر لها المتعة قالت : " والله ما نجد في كتاب الله عز وجل إلا النكاح والاستسرار ، ثم تتلو هذه الآية : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون

132 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني سالم بن عبد الله ، وهو يذاكرني المتعة ، فقال : " ألا يقرأ هؤلاء الذين يفتون بالمتعة ، هل يجدون

[ ص: 79 ] في كتاب الله عز وجل من نكاح إلا له طلاق وإلا له عدة وإلا له ميراث ؟ . قال : وقال للقاسم بن محمد : وهو يذاكرني ذلك كيف يجترئون على الفتيا بالمتعة وقد قال الله عز وجل في كتابه : والذين هم لفروجهم حافظون إلى قوله : فأولئك هم العادون .

133 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو الأسود ، عن ابن لهيعة ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، والقاسم مثل ذلك

134 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن أبي زائدة ، عن حجاج ، عن الحكم ، عن أصحاب عبد الله ، عن عبد الله بن مسعود قال : " المتعة منسوخة نسخها الطلاق ، والصداق ، والعدة ، والميراث .

[ ص: 80 ] قال أبو عبيد : " فالمسلمون اليوم مجمعون على هذا القول : أن متعة النساء قد نسخت بالتحريم ، ثم نسخها الكتاب والسنة على ما ذكرنا في هذه الأحاديث ولا نعلم أحدا من الصحابة كان يترخص فيها إلا ما كان من ابن عباس ، فإنه كان ذلك معروفا من رأيه ثم بلغنا أنه رجع عنه "

135 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء قال : سمعت ابن عباس ، يقول : " يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله عز وجل رحم بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي . قال : والله لكأني أسمع قوله الآن : إلا شقي عطاء القائل قال : قال عطاء : وهي التي في سورة النساء : فما استمتعتم به منهن فآتوهن إلى كذا وكذا من الأجل على كذا وكذا قال : وليس بينهما وراثة ، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم ، وإن تفرقا فنعم ، وليس بينهما نكاح قال : وأخبرني أنه سمع ابن عباس يراها حلالا

136 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: وحدثني ابن بكير ، عن الليث ، عن بكير بن الأشج ، عن عمار مولى الشريد قال : سألت ابن عباس عن المتعة ، أسفاح هي أم نكاح ؟ فقال ابن عباس : " لا سفاح هي ولا نكاح ، قلت :

[ ص: 81 ] ما هي ؟ قال : " هي المتعة كما قال الله ، قلت : هل لها من عدة قال : نعم عدتها حيضة ، قلت : هل يتوارثان ؟ قال : لا

137 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، أن خالد بن المهاجر بن خالد سيف الله أخبره أنه بينما هو جالس عند ابن عباس جاءه رجل ، فاستفتاه في المتعة ، فأمره بها ، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري : مهلا يا أبا عباس ، فقال : والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين ، فقال ابن أبي عمرة : " يا أبا عباس إنما كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدم ولحم الخنزير ، ثم أحكم الله الدين ونهى عنها

138 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله ، عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أخبره أن ابن عباس كان يفتي بها ، ويغمض بذلك أهل العلم وأبى أن يتنكل عن ذلك حتى طفق بعض الشعراء يقول :

[ ص: 82 ]

....................................... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس     هل لك في ناعم خود مبتلة
تكون مثواك حتى رجعة الناس

قال : فازداد لها أهل العلم قذرا وبغضا حين قيل فيها الأشعار

139 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يزيد ، عن حجاج ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن الناس قد أكثروا عليك في المتعة ، وقال الشاعر فيها ما قال ، فخرج ابن عباس ، فقال : " هي كالمضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير .

قال أبو عبيد : " وأما قول أهل العلم اليوم جميعا من أهل العراق وأهل الحجاز وأهل الشام وأصحاب الأثر وأصحاب الرأي وغيرهم : أنه لا رخصة فيها لمضطر ، ولا لغيره وأنها منسوخة ، حرام على ما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع أنه قد روي عن ابن عباس شيء شبيه بالرجوع عن قوله الأول "

[ ص: 83 ]

140 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، وعثمان بن عطاء ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس في قوله فما استمتعتم به منهن قال : " نسختها : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن . قال أبو عبيد : فهذا ما في الحلال الذي نسخه الحرام ، وأما الحرام الذي نسخه الحلال ، فنكاح نساء أهل الكتاب

141 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن قال : " ثم استثنى أهل الكتاب ، فقال : " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان " قال : " عفائف غير زوان .

قال أبو عبيد : هكذا هو في الحديث ، يعني : محصنات غير مسافحات ، وإنما هو : محصنين غير مسافحين ؟ فلا أدري هذه القراءة وهم من المحدث ، أم هي قراءة ابن عباس

[ ص: 84 ]

142 - ويروى عن الأوزاعي ، أنه قال : " حرم الله نكاح المشركات جميعا في قوله : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ثم أحل نساء أهل الكتاب ، فقال : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم .

قال أبو عبيد : " فرأى ابن عباس والأوزاعي : أن الناسخ من الآيتين هي هذه التي في المائدة ، وكذلك قول سفيان ، ومالك ، وبه جاءت الأخبار عن الصحابة والتابعين وأهل العلم بعدهم أن نكاح حلال بهذه الآية إلا شيئا يروى عن ابن عمر ، فإنه أمسك عن ذلك وكرهه "

143 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه : " كان لا يرى بأسا بطعام أهل الكتاب وكره نكاح نسائهم

[ ص: 85 ]

144 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية ، والنصرانية قال : " إن الله عز وجل حرم المشركات على المسلمين قال : ولا أعلم من الشرك شيئا أكبر أو قال : أعظم من أن تقول : إن ربها عيسى وهو عبد من عباد الله

145 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثني علي بن معبد ، عن أبي المليح ، عن ميمون بن مهران قال : قلت لابن عمر : إنا بأرض

[ ص: 86 ] يخالطنا فيها أهل الكتاب أفننكح نساءهم ونأكل طعامهم ؟ قال : فقرأ علي آية التحليل وآية التحريم قال : قلت : إني أقرأ ما تقرأ ؟ أفننكح نساءهم ، ونأكل طعامهم ؟ قال : " فأعاد علي آية التحليل وآية التحريم .

قال أبو عبيد : وإنما نرى كراهة ابن عمر لذلك كانت وإمساكه عنه ، لأنه وجد الآيتين : إحداهما تحل والأخرى تحرم ، ورأى من سواه من العلماء أن الآية المحرمة هي المنسوخة ، وأن المحللة هي الناسخة فعملوا بها ، كذلك جاءت أخبارهم تترى

146 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثني ابن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب ، ونافع بن يزيد ، عن عمر مولى غفرة قال : سمعت عبد الله بن علي بن السائب بن عبد يزيد ، من بني المطلب بن عبد مناف

[ ص: 87 ] يقول : إن عثمان بن عفان رضي الله عنه : " تزوج نائلة ابنة القرافصة الكلبية ، وهي نصرانية . وزاد نافع في حديثه : أنه تزوجها على نسائه

147 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا مغيرة ، عن الشعبي قال : " تزوج أحد الستة يهودية . قال : فقلت للشعبي : أهو الزبير ، فقال : إن كان الزبير لكريم المناكح .

قال أبو عبيد : يريد الشعبي بالستة أهل الشورى ، وأحسبه يعني بالمتزوج طلحة وذلك لأنه معروف عنه

148 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب ، عن عمر مولى غفرة ، عن عبد الله بن علي بن السائب ، [ ص: 88 ] قال : " تزوج طلحة بن عبيد الله يهودية من أهل الشام من أهل أريحا . وبعضهم يقول : ريحاء

149 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، وشعبة ، عن أبي إسحاق ، عن هبيرة بن يريم ، عن علي : " أن طلحة تزوج يهودية

150 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، وشعبة ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير : " أن طلحة تزوج يهودية

151 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو النضر ، عن شعبة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن شيخ جار لحذيفة : " أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية وعنده عربيتان

[ ص: 89 ]

152 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا يونس ، عن الحسن ، وعبيدة ، عن إبراهيم ، ومطرف ، عن الشعبي ، أنهم : " كانوا لا يرون بأسا بالنكاح في أهل الكتاب

153 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا معاذ ، عن أشعث ، عن الحسن ، أنه كان " لا يرى بأسا أن يجمع الرجل أربعا من أهل الكتاب

154 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن حماد قال : سألت سعيد بن جبير عن نكاح اليهودية والنصرانية ، [ ص: 90 ] فقال : " لا بأس به قال : قلت : فإن الله تبارك وتعالى يقول : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن فقال : أهل الأوثان والمجوس .

قال أبو عبيد : " فالمسلمون اليوم على هذه الأحاديث من الرخصة في نكاح أهل الكتاب ، ويرون أن التحليل هو الناسخ للتحريم ، ومع هذا أنه قد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يأمر باجتنابهن وذلك على التنزه عنهن غير محرم لهن "

155 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال : بلغنا أن عبد الله بن قارظ ، تزوج في ولاية عمر بن الخطاب امرأة من أهل الكتاب ، فولدت له خالد بن عبد الله ، ثم قال له عمر رضي الله عنه : " تنزه عنها وانكح امرأة مسلمة قال : فطلقها وتزوج مسلمة

156 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا محمد بن يزيد ، عن الصلت بن بهزام ، عن شقيق بن سلمة قال : تزوج حذيفة

[ ص: 91 ] يهودية بالمدائن ، فكتب إليه عمر أن خل سبيلها ، فكتب إليه حذيفة : أحرام هي ؟ فكتب إليه عمر : " لا ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهن .

قال أبو عبيد : يعني : العواهر ، فنرى أن عمر رضي الله عنه ، إنما ذهب إلى ما في الآية وهو قوله عز وجل : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب فيقول : إن الله إنما اشترط العفائف منهن وهذه لا يؤمن أن تكون غير عفيفة ، ومثله الحديث الذي يروى مرفوعا إلا أنه مرسل

157 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو اليمان ، عن

[ ص: 92 ] أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم ، عن علي بن أبي طلحة قال : أراد كعب بن مالك أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " فنهاه وقال : " إنها لا تحصنك .

قال أبو عبيد : " وقد كان ناس من الناس يتأولونه في إحصان الرجم على الزاني ، وهذا من أوحش ما يتأول على النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه أن يظن بهم الزنا ، ليس هذا من مذاهب الأنبياء ولا كلامهم ، ولكنه أراد عندنا تنزيهه عنها للآية التي فيها شرط المحصنات أيضا ، فقوله : " إنها لا تحصنك " يقول : إذا كانت هذه المشركة لا تؤمن أن تكون غير عفيفة لم تضعك من جماعها بموضع الحصانة منها ، ولكنها تكون قد أوطأتك من نفسها غير عفاف ، وهذا هو الطريق الذي سلكه في كتابه إلى حذيفة بما كتب ، وكذلك حديث ابن عمر

158 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو مطيع الخراساني ، عن سفيان ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه قال :

[ ص: 93 ] لا يحصن أهل الشرك .

قال أبو عبيد : " وقد كان بعضهم يوجه هذا الحديث أيضا على إحصان الرجم وكيف يفتي ابن عمر هذه الفتيا ، وهو يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجم يهوديا ، ويهودية هذا لا يكون ، وإنما أراد عندنا ما أعلمتك من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وحديث عمر رضي الله عنه ، ألا ترى أن ابن عمر كان يكره نكاحهن " قال أبو عبيد : " فهذا ما في نكاح الكتابيات من ذوات الذمة ، فأما نساء الحرب فلا يدخلن في هذه الرخصة ، وإن كن من أهل الكتاب

159 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : " لا تحل نساء أهل الكتاب إذا كانوا حربا قال : وتلا هذه الآية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله : وهم صاغرون . قال : قال الحكم : فحدثت بذلك إبراهيم فأعجبه

[ ص: 94 ]

160 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن المسعودي ، عن الحكم بن عتيبة قال : قلت لإبراهيم : هل تعلم شيئا من نساء أهل الكتاب يحرم ، فقال لا . فقال الحكم : وقد كنت سمعت من أبي عياض : أن نساء أهل الكتاب يحرم نكاحهن في بلادهن قال : فذكرت ذلك لإبراهيم فصدق به وأعجبه " . قال أبو عبيد : " وهذا هو المعمول به عند العلماء ، لا أعلم بينهم في كراهته اختلافا " قال أبو عبيد : " قد ذكرنا ما في نكاح نساء أهل الكتاب ، فأما المجوسيات والوثنيات فنكاحهن محرم عند المسلمين جميعا لم ينسخ تحريمهن كتاب ولا سنة علمناها "

161 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن الحسن بن محمد ، قال : " قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر في ألا تنكح لهم امرأة ولا تؤكل لهم ذبيحة .

[ ص: 95 ] قال أبو عبيد : وكذلك سائر المشركات خلا أهل الكتاب هن مثل المجوسيات

162 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا منصور ، عن معاوية بن قرة قال : كان عبد الله بن مسعود : " يكره أن يطأ الرجل أمته إذا فجرت ، أو يطأها وهي مشركة

163 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن مهدي ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن بكر بن ماعز ، عن الربيع بن خثيم ، أنه " كان

[ ص: 96 ] يكره أن يطأ أمته مشركة

164 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم قال : " إذا سبيت المجوسية وعبدة الأوثان فلا يوطأن حتى يسلمن ، فإن أبين أكرهن

165 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن موسى بن أبي عائشة قال : سألت مرة الهمداني ، وسعيد بن جبير عن المجوسية يتخذها الرجل سرية فكرهاه

166 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا خالد بن عمرو ، [ ص: 97 ] عن شريك ، عن سماك بن حرب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : " إذا اشتريت مجوسية ، فلا تطأها حتى تسلم

167 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، أنه سئل عن رجل كانت له جارية مجوسية ، فقال : " لا يحل له أن يطأها حتى تسلم

168 - قال أبو عبيد: وكذلك قول الأوزاعي ، وسفيان ، ومالك ، حدثنيه عنه ابن أبي مريم ، وابن بكير أن " المجوسية لا تحل بنكاح ولا بملك يمين ، وكذلك قول أهل الرأي كلهم .

قال أبو عبيد : " وإنما اتفقت العلماء على تحريمهن في الوجهين جميعا

[ ص: 98 ] بالآية المحرمة في سورة البقرة وهي قوله : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن فعم بها الحرائر والإماء ، ثم نسخ منها أهل الكتاب بالآية التي في المائدة على ما فسره أهل العلم ، وقد أرخص بعضهم مع هذا في الولائد منهن خاصة دون الأزواج "

169 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن يحيى بن أيوب ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، وعمرو بن دينار في وطء الأمة المجوسية قالا : " لا بأس بذلك .

قال أبو عبيد : " وأول من قال بهذا القول ذهب إلى قوله : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن أنه في التزويج خاصة ، فحرموها زوجة وأحلوها بملك يمين ، وقد تأول ذلك قوم في سبايا العرب يوم أوطاس وقالوا : وقد وطئن بالملك وهن عوابد أوثان ، ليس بأهل كتاب ، وهذا عندنا خطأ في التأويل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولكن وجهه عندنا أنه عرض عليهن الإسلام بعد السبي فأسلمن قبل الوطء ، يفسر ذلك حديث يروى عن الحسن "

[ ص: 99 ]

170 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم ، عن يونس ، عن الحسن قال : قال له رجل : يا أبا سعيد ، كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهن قال : " كنا نوجهها إلى القبلة ونأمرها أن تسلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نأمرها أن تغتسل ، فإذا أراد صاحبها أن يصيبها لم يصبها حتى يستبرئها .

قال أبو عبيد : " فهذا الحديث عندنا مفسر لوطء كل أمة مشركة من المجوسيات وعوابد الأوثان وجميع أصناف أهل الملل سوى أهل الكتاب ، وذلك أن الحسن وأهل بلاده إنما كانت مغازيهم في ناحية خراسان وسجستان وكابل ، وليس أولئك بأهل كتاب ، فالأمر المعمول به عندنا أن الكتابيات من أهل الذمة خاصة حل بالنكاح وملك اليمين جميعا ، وأن من سواهن من ملل أهل الشرك حرام بالنكاح وملك اليمين جميعا لما قصصنا من ناسخ نكاحهن ومنسوخه "

[ ص: 100 ] قال أبو عبيد : " وقد روى بعضهم عن حذيفة حديثا شاذا أنه تزوج مجوسية ، وهذا لا أصل له فيما نرى ولا يصدق بمثله على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه خلاف التنزيل وما عليه أهل الإسلام ، وإنما المعروف عن حذيفة نكاحه اليهودية ، فلعل المحدث أرادها فأوهم . هذا ما في نكاح الحرام الذي نسخه الحلال ، فأما الذي اختلف الناس في نسخه فنكاح البغايا من المسلمات ، فإنما اختلفوا في ذلك لقوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين فكانت الآية عند بعضهم منسوخة لا يعمل بها أو عند آخرين محكمة معمولا بها "

171 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد ، ويزيد بن هارون كلاهما ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قال : " نسختها الآية التي بعدها ، قوله : وأنكحوا الأيامى منكم وقال : كان يقال : هن من أيامى المسلمين

[ ص: 101 ]

172 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد في قوله : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قال : " كان رجال يريدون الزنا بنساء زوان بغايا معلنات ، كن كذلك في الجاهلية ، فقيل لهم : هذا حرام ، فأرادوا نكاحهن ، فحرم عليهم نكاحهن ، أو قال : فحرم عليهن نكاحهم .

قال أبو عبيد : " فمذهب سعيد ومجاهد في تأويلهما هو الرخصة في تزويج البغي ، إلا أن سعيدا أراد أن التحريم كان عاما ، ثم نسخته الرخصة ، وأراد مجاهد أن التحريم لم يكن إلا على أولئك خاصة دون الناس ، وقد جاءت أخبار فيها دلائل على هذا التأويل "

173 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن صفية ، وابن عمر ، أن رجلا ضاف رجلا فافتض أخته ، فرفع إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فسأله : فأقر ، فقال : " أبكر أم ثيب ؟ فقال : بكر ، فجلده مائة وغربه إلى فدك ، ثم إن الرجل

[ ص: 102 ] تزوج المرأة بعد ذلك وقتل باليمامة "

174 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يزيد ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أو صفية ، أن أبا بكر رضي الله عنه " أرسل إليهما أو سألهما فاعترفا " فجلدهما مائة ، مائة ، ثم زوج أحدهما من الآخر مكانه ونفاهما سنة

175 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، أن غلاما فجر بجارية ، فسئلا ؟ فاعترفا ، " فجلدهما عمر بن الخطاب ثم حرص أن يجمع بينهما فأبى الغلام

[ ص: 103 ]

176 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يزيد بن هارون ، عن شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم النخعي ، عن همام بن الحارث ، عن عبد الله بن مسعود : في الرجل يفجر بالمرأة ثم يريد أن يتزوجها قال : " لا بأس بذلك .

177 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير قال : حدثني مساور الثقفي ، قال : كنت عند ابن عباس " فسئل عن ذلك ، فقال : لا بأس به " وقال : وقال جابر بن عبد الله : " أوله حرام وآخره حلال " .

[ ص: 104 ]

178 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه كان لا يرى به بأسا ، ويقول : " إنما مثل ذلك رجل أتى حائطا فسرق منه ثم أتى صاحبه ، فاشترى منه ، فما سرق حرام ، وما اشترى حلال "

179 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يزيد ، عن جرير بن حازم ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وعن قيس بن سعد ، عن عطاء قالا في الرجل يرى امرأته تزني " يمسكها إن شاء ، فإن ذلك لا يحرمها عليه .

180 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : " لو رأى معها عشرة لم تحرم عليه "

[ ص: 105 ]

181 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن الحسن بن يحيى ، عن الضحاك بن مزاحم قال : " إذا فجرت لم يفرق بينهما كما أنه لو فجر لم يفرق بينهما " .

182 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا جرير ، عن الشيباني ، عن الشعبي قال : " إذا فجرت لا تنتزع كما لو فجر لم ينتزع " . قال أبو عبيد : " فهذا مذهب من رأى الآية منسوخة غير معمول بها ، فلهذا تراخصوا في تزوج البغايا وإمساكهن ، وهي عند آخرين من العلماء على غير ذلك ، يرونها محكمة قائمة ويفسدون النكاح بفجورها "

183 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو النضر ، عن شعبة ، عن سماك بن حرب قال : سمعت حنش بن المعتمر ، يحدث : أن قوما اختصموا إلى علي في رجل تزوج امرأة فزنى ، أو قال : فزنت قبل أن يدخل بها قال : " ففرق بينهما .

[ ص: 106 ]

184 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم ، عن داود بن أبي هند ، عن سماك بن حرب ، عمن حدثه ، وربما قال : هشيم ، عن رجل من بني عجل ، عن علي مثل ذلك

185 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، في رجل تزوج امرأة ففجرت قبل أن يدخل بها قال : " يفرق بينهما ولا صداق لها

186 - قال أبو عبيد: وكذلك يحدث به عن الحسن ، أنه قال : " لا يتزوج إلا محدودة مثله .

قال أبو عبيد : " وإنما نرى هؤلاء تأولوا هذه الآية : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ومما يزيد حجتهم قوة حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ ص: 107 ] في التفريق بين المتلاعنين ، فيقولون : إذا كانت تحرم عليه بأن يرميها بالفجور أو بالانتفاء من ولدها حتى يجب عليه بذلك اللعان وتصير محرمة عليه ، فالتحريم له في اليقين ألزم وعليه أوكد ، وذهب الآخرون بالرخصة إلى أن اللعان هو المحرم لا القذف والنفي يقولون : ألا ترى أنهما على نكاحهما يتوارثان ما لم يلتعنا "

قال أبو عبيد : وبهذا القول نقول : إن عيان الفجور منه لها ليس بطلاق ، ولا يفرق بينهما إلا التلاعن ، غير أنه يؤمر بطلاقها أمرا ويخاف عليه الإثم في إمساكها ؛ لأن الله تبارك وتعالى إنما اشترط على المؤمنين نكاح المحصنات ، فقال عز وجل : والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، ومع هذا أنه لا يأمنها أن توطئ فراشه غيره ، فتلحق به نسبا ليس منه ، فيرث ماله ويطلع على حرمته ، فأي ذنب أعظم من هذا ؟ أن يكون لها معينا عليه بإمساكها ، ولا أحسب الذين ترخصوا في ذلك بعد الفجور إلا لتوبة تظهر منها ، كالذي يحدث به عن ابن عباس مفسرا وعن عمر "

187 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، أنه بلغه عن ابن عباس ، أنه سئل عن رجل أراد أن ينكح امرأة قد زنى بها ، فقال : " ليردها على الزنا ، فإن فعلت فلا ينكحها ، وإن أبت فلينكحها

188 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، أن رجلا خطبت إليه ابنة له

[ ص: 108 ] وكانت قد أحدثت ، فأتى عمر فذكر ذلك له ، فقال : ما رأيت منها إلا خيرا ، فقال : " زوجها ولا تخبر . قال عبد الرحمن : قوله : ما رأيت منها إلا خيرا يعني : بعد الحدث

قال أبو عبيد : " وقد يسهل قوم في نكاحها ، وإن لم يظهر منها توبة واحتجوا

189 - بحديث يروى مرفوعا في الذي قال له : إن امرأته لا تمنع يد لامس ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم " بالاستمتاع منها " وتأولوه على البغاء ، وهذا

[ ص: 109 ] عندنا خلاف الكتاب والسنة ؛ لأن الله تبارك وتعالى إنما أذن في نكاح المحصنات خاصة ، ثم أنزل في القاذف لامرأته آية اللعان ، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفريق بينهما ، فلا يجتمعان أبدا ، فكيف يأمره بالإقامة على عاهرة لا تمتنع ممن أرادها وفي حكمه أن يلاعن بينهما ولا يقره معها قاذفا على حاله ؟ هذا لا وجه له عندنا ؛ ومن الحجة في هذا أيضا :

190 - قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ، " ثم قال في الثالثة والرابعة : " فليبعها ولو بضفير " فكيف يكره أن توطأ الأمة الفاجرة ويرخص في الإقامة على الزوجة الحرة وهي فاجرة ؟ ، والذي أحمل عليه وجه الحديث أنه ليس يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يحدثه هارون بن رئاب ، عن عبد الله بن عتبة ، ويحدثه عبد الكريم الجزري ، عن أبي الزبير ، كلاهما يرسله ، [ ص: 110 ] فإن كان له أصل فإن معناه : أن الرجل وصف امرأته بالخرق وضعف الرأي ، وتضييع ماله ، فهي لا تمنعه من طالب ، ولا تحفظه من سارق ، هذا عندي مذهب الحديث ، وإن كان المعنى الآخر مقولا مستعملا عند الناس ، يريدون بيد اللامس الكناية عن الفرج ، والذي ذهبنا نحن إليه مستغن عن الكفاية ، إنما هو تضييع اليد نفسها ومع هذا أنه أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم وأحرى أن يظن بحديثه ، كالذي :

191 - قال علي ، وعبد الله : إذا جاءكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فظنوا به الذي هو أهدى والذي هو أهنأ والذي هو أتقى ، وقد احتج قوم بقول الله عز وجل : أو لامستم النساء فقالوا : ألا ترى أنه قد جعل الجماع لمسا ، فيقال لهم : إن الرجل لم يقل للنبي صلى الله عليه وسلم إنها لا تمنع لامسا ، فلو كان الكلام هكذا ما كانت لكم حجة ، ولكنه إنما قال : يد لامس ، ولم يقل : فرج لامس ، وقد قال الله عز وجل : ولو نـزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم فهل لهذا معنى غير اليد المعروفة ، فهذا هو

[ ص: 111 ] الشاهد أن يد اللامس هي التي تأولنا ، والله أعلم ، وقد وجدنا مع هذا شاهدا في أشعار العرب قال جرير بن الخطفي يعاتب قوما :


ألستم لئاما إذ ترومون جاركم     ولولا هم لم تدفعوا كف لامس



فهذا حجة في كلام العرب مع ما ذكرنا ؛ لأن الشاعر إنما أراد : أنكم لا تمنعون ظالما ولا أحدا يريد أموالكم "

قال أبو عبيد : " قد ذكرنا ما في هذه الآية من ناسخها ومنسوخها ، وقد روي عن ابن عباس أنه كان يذهب من تأويلها إلى وجه ثالث

192 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم ، عن حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة الآية ، قال : " هو الجماع حين يجامعها .

193 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا علي بن عاصم ، عن حصين ، عمن سمع سعيد بن جبير ، يحدث عن ابن عباس بذلك

[ ص: 112 ]

194 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال : سمعت عطاء يقول في هذه الآية : " كان بغايا متعالمات في الجاهلية ، بغي آل فلان وآل فلان ، فكن زواني مشركات ، فقال : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة لهن ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك لهم ، وحرم ذلك على المؤمنين قال : فأحكم الله عز وجل ذلك من أمر الجاهلية بهذا قال : فقيل لعطاء : أبلغك هذا عن ابن عباس ؟ قال : نعم . قال أبو عبيد : أيذهب ابن عباس إلى أن قوله : لا ينكح إنما هو الجماع ، ولا يذهب به إلى التزويج ، والكلمة محتملة للمعنيين جميعا في كلام العرب ؟ والله أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية