صفحة جزء
[ ص: 143 ] باب المسح على الخفين ( المسح على الخفين جائز بالسنة ) والأخبار فيه مستفيضة حتى قيل إن من لم يره كان مبتدعا [ ص: 144 ] لكن من رآه ثم لم يمسح آخذا بالعزيمة كان مأجورا ، ويجوز [ ص: 145 ] ( من كل حدث موجب للوضوء إذا لبسهما على طهارة كاملة ثم أحدث ) خصه بحدث موجب للوضوء لأنه لا مسح من الجنابة على ما نبين إن شاء الله تعالى ، وبحدث متأخر لأن الخف عهد مانعا ، ولو جوزناه بحدث سابق كالمستحاضة إذا لبست على السيلان ثم خرج الوقت [ ص: 146 ] والمتيمم إذا لبس ثم رأى الماء كان رافعا . وقوله إذا لبسهما على طهارة كاملة لا يفيد اشتراط الكمال وقت اللبس بل وقت الحدث وهو المذهب عندنا ، حتى لو غسل رجليه ولبس خفيه ثم أكمل الطهارة ثم أحدث يجزئه المسح ، وهذا لأن الخف مانع حلول الحدث بالقدم [ ص: 147 ] فيراعى كمال الطهارة وقت المنع حتى لو كانت ناقصة عند ذلك كان الخف رافعا ( ويجوز للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها ) لقوله عليه الصلاة والسلام { يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها } قال ( وابتداؤها عقيب الحدث ) لأن الخف مانع سراية الحدث فتعتبر المدة من وقت المنع .


[ ص: 143 ] باب المسح على الخفين

( قوله جائز بالسنة ) ليفيد أن ليس مشروعيته ثابتة بالكتاب خلافا لمن حمل قراءة الجر في ( أرجلكم ) عليه لما قدمنا في أول كتاب الطهارة ولأن المسح على الخف لا يجب إلى الكعبين اتفاقا . وقوله جائز يعني للرجال والنساء للإطلاق ( قوله والأخبار فيه مستفيضة ) قال أبو حنيفة : ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار .

وعنه أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين لأن الآثار التي جاءت فيه في حيز التواتر . وقال أبو يوسف : خبر المسح يجوز نسخ الكتاب به لشهرته . وقال أحمد : ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رفعوا وما وقفوا .

وروى ابن المنذر في آخرين عن الحسن البصري قال : حدثني سبعون رجلا من أصحاب صلى الله عليه وسلم { أنه عليه الصلاة والسلام مسح على الخفين } وممن روى المسح عنه صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وسعد والمغيرة وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص وأبو أيوب وأبو أمامة وسهل بن سعد وجابر بن عبد الله وأبو سعيد وبلال وصفوان بن عسال وعبد الله بن الحارث بن جزء وسلمان وثوبان وعبادة بن الصامت ويعلى بن مرة وأسامة بن زيد وعمرو بن أمية الضمري وبريدة وأبو هريرة وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين .

قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر : لم يرو عن أحد من الصحابة إنكار المسح إلا ابن عباس وعائشة وأبي هريرة ، فأما ابن عباس وأبو هريرة فقد جاء [ ص: 144 ] عنهما بالأسانيد الحسان خلاف ذلك وموافقة سائر الصحابة ، وأما عائشة رضي الله عنها ففي صحيح مسلم أنها أحالت ذلك على علم علي وفي رواية قالت : وسئلت عنه أعني المسح مالي بهذا علم . وما رواه محمد بن مهاجر البغدادي عنها : لأن أقطع رجلي بالموسى أحب إلي من أن أمسح على الخفين حديث باطل نص على ذلك الحفاظ ( قوله لكن من رآه ثم لم يمسح آخذا بالعزيمة كان مأجورا ) لفظ كان مأجورا في مبسوط شيخ الإسلام .

وأورد عليه أن المسح من النوع الرابع من الرخصة وهو ما لم تبق العزيمة معه مشروعة كالركعتين الأخريين من الظهر للمسافر ، ولا يؤجر على فعل غير المشروع . أجيب بأنه من الرابع ما دام المكلف لابس الخف ، ولا شك أن له نزعه ، فإذا نزعه سقطت الرخصة في حقه فيغسل ، وإنما يثاب بتكلف النزع والغسل فيصير كترك السفر لقصد الأحمز .

وقول الرستغفني : أحب إلي أن يمسح ، إما لنفي التهمة عن نفسه فإن الروافض لا يرونه ، وإما للعمل بقراءة الجر مدفوع بعدم صحة الثاني على ما علمت وعدم تأتي الأول في موضع يعلم أن الحاضرين لا يتهمونه لعلمهم بحقيقة حاله أو جهلهم وجود مذهب الروافض ، فلا ينبغي إطلاق الجواب بل إن كان محل تهمة ، هذا ومبنى السؤال على أنه رخصة إسقاط ، ومنعه شارح الكنز وخطأهم في تمثيلهم به في الأصول لها لأنه منصوص على أنه لو خاض ماء بخفه فانغسل أكثر قدميه بطل المسح ، وكذا لو تكلف غسلهما من غير نزع أجزأه عن الغسل حتى لا يبطل [ ص: 145 ] بمضي المدة ، فعلم أن العزيمة مشروعة مع الخف ا هـ .

ومبنى هذه التخطئة على صحة هذا الفرع وهو منقول في الفتاوى الظهيرية لكن في صحته نظر ، فإن كلمتهم متفقة على أن الخف اعتبر شرعا مانعا سراية الحدث إلى القدم فتبقى القدم على طهارتها ، ويحل الحدث بالخف فيزال بالمسح ، وبنوا عليه منع المسح للمتيمم والمعذورين بعد الوقت وغير ذلك من الخلافيات .

وهذا يقتضي أن غسل الرجل في الخف وعدمه سواء إذا لم يبتل معه ظاهر الخف في أنه لم يزل به الحدث لأنه في غير محله ، فلا تجوز الصلاة به لأنه صلى مع حدث واجب الرفع ، إذ لو لم يجب والحال أنه لا يجب غسل الرجل جازت الصلاة بلا غسل ولا مسح فصار كما لو ترك ذراعيه وغسل محلا غير واجب الغسل كالفخذ ، ووزانه في الظهيرية بلا فرق ، ولو أدخل يده تحت الجرموقين فمسح على الخفين وذكر فيها أنه لم يجز وليس إلا لأنه في غير محل الحدث .

والأوجه في ذلك الفرع كون الإجزاء إذا خاض النهر لابتلال الخف ، ثم إذا نقضت المدة إنما لا يتقيد بها لحصول الغسل بالخوض ، والنزع إنما وجب للغسل وقد حصل .

( قوله موجب للوضوء ) إسناد الموجبية للحدث إما تجوز أو لاعتقاد أن سبب الوضوء الحدث كما هو رأي البعض ( قوله ثم خرج الوقت ) يفيد أن منعها من المسح بعد الوقت فقط فتمسح في الوقت كلما توضأت لحدث [ ص: 146 ] غير الذي ابتليت به ، وهذا أعني منعها بعده إذا كان السيلان مقارنا للوضوء واللبس . أما إذا كان على الانقطاع فهي كغيرها فتمسح بعد الوقت إلى تمام المدة ، وإنما امتنع هناك لأن بخروج الوقت تصير محدثة بالسابق ، وكذا المتيمم عند رؤية الماء وإضافة الحدث إلى خروجه والرؤية للماء مجاز ، فلو جاز المسح بعد اللبس على طهارة التيمم أو الوضوء المقارن هو أو اللبس للحدث بعد الوقت كان رافعا للحدث الذي حل بالقدم لأن الحدث الذي يظهر هو الذي كان قد حل به قبل التيمم أو حال ذلك الوضوء ، لكن المسح إنما يزيل ما حل بالممسوح بناء على اعتبار الخف مانعا شرعا سراية الحدث الذي يطرأ بعده إلى القدمين ، بدليل أنه لو لبس على حدث بالقدمين لا يمسح ، فلو اعتبر المسح عليه رافعا لما بالقدم لجاز ، وهذا أولى من تعليله في شرح الكنز المنع على المتيمم بكون التيمم ليس طهارة كاملة لما علمت من أنها كالتي بالماء ما بقي الشرط .

( قوله لا يفيد ) ليس المراد لا يفيد اللفظ لأنه مفيد له بل القدوري لا يفيد بهذا اللفظ هذا المعنى بل قصد به إلى إفادة ما ذكره المصنف ، وعلى هذا يكون الجار والمجرور متصلا بحدث موجب للوضوء ، والتقدير جائز بالسنة من كل حدث موجب للوضوء على طهارة كاملة إذا لبسهما ثم أحدث ، والمجرور في موضع الحال : أي من كل حدث كائنا أو حادثا على طهارة كاملة ( قوله وهو المذهب عندنا ) احتراز عن قول [ ص: 147 ] الشافعي باشتراط الكمال وقت اللبس ، وقوله حتى لو غسل إلخ تفريع ، وهذه الصورة تمتنع عند الشافعي لوجهين : لعدم الترتيب في الوضوء ، ولعدم كمال الطهارة قبل اللبس .

والذي يمتنع عنده للثاني فقط ما لو توضأ وغسل إحدى رجليه ولبس الخف ثم غسل الأخرى ولبس خفها . عندنا إذا أحدث يجوز له المسح .

وعنده لا لعدم الكمال وقت اللبس ( قوله فيراعي كمال الطهارة من وقت المنع ) لأنه وقت عمله ، والأنسب أن يراعي مدته من وقت أثره ( قوله يمسح المقيم ) في صحيح مسلم عن علي { : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم } ( قوله فتعتبر المدة من وقت المنع ) لأن ما قبل ذلك طهارة الوضوء ولا تقدير فيها إنما التقدير [ ص: 148 ] في التحقيق تقدير مدة منعه شرعا وإنما منع من وقت الحدث .

التالي السابق


الخدمات العلمية