صفحة جزء
( ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران ) لأنه دم نسك فيجوز الأكل منها بمنزلة الأضحية ، وقد صح { أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من لحم هديه وحسا من المرقة } ويستحب له أن يأكل منها لما روينا ، وكذلك يستحب أن يتصدق على الوجه الذي عرف في الضحايا ( ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا ) لأنها [ ص: 162 ] دماء كفارات ، وقد صح { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أحصر بالحديبية وبعث الهدايا على يدي ناجية الأسلمي قال له : لا تأكل أنت ورفقتك منها شيئا }


وقوله ( ولأنه ) يعني الجماع ( أعلى أنواع الارتفاقات ) ( قوله وقد صح ) تقدم في حديث جابر الطويل { أنه عليه الصلاة والسلام أكل من الكل ، فإنه قال فيه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت } الحديث ، فارجع إليه ، ومعلوم أنه كان قارنا ، وكذا أزواجه على ما رجحه بعضهم ، وهدي القران لا يستغرق مائة بدنة ، فعلم أنه أكل من هدي القران والتطوع إلا أنه إنما أكل من هدي التطوع بعدما صار إلى الحرم ، أما إذا لم يبلغ بأن عطب أو ذبحه في الطريق فلا يجوز له الأكل منه لأنه في الحرم تتم القربة فيه بالإراقة ، وفي غير الحرم لا يحصل به بل بالتصدق فلا بد من التصدق ليحصل المقصود ، ولو أكل منه أو من غيره مما لا يحل له الأكل منه ضمن ما أكله ، وبه قال الشافعي وأحمد ، وقال مالك : لو أكل لقمة ضمنه كله وليس له بيع شيء من لحوم الهدايا وإن كان مما يجوز له الأكل منه ، فإن باع شيئا أو أعطى الجزار أجره منه فعليه أن يتصدق بقيمته ، وحيثما جاز الأكل للمهدي جاز أن يأكل الأغنياء أيضا .

( قوله وكذلك يستحب أن يتصدق على الوجه الذي عرف في الضحايا ) وهو أن يتصدق بثلثها ويهدي ثلثها وكل دم يجوز له الأكل منه لا يجب عليه [ ص: 162 ] التصدق بعد الذبح لتمام القربة به . وجملة الكلام فيه أن الدماء نوعان : ما يجوز لصاحبه الأكل منه وهو دم المتعة والقران والأضحية وهدي التطوع إذا بلغ محله ، وما لا يجوز وهو دم النذر والكفارات والإحصار ، وكل دم يجوز له الأكل منه لا يجب عليه التصدق به بعد الذبح ، لأنه لو وجب لبطل حق الفقراء بالأكل ، وكل دم لا يجوز له أن يأكل منه يجب عليه التصدق به بعد الذبح ، ولو هلك بعد الذبح لا ضمان عليه في النوعين لأنه لا صنع له في الهلاك ، وإن استهلكه بعد الذبح ، فإن كان مما يجب عليه التصدق به يضمن قيمته للفقراء لتعديه على حقهم ، وإن كان مما لا يجب لا يضمن شيئا لأنه لم يتعد .

ولو باع اللحم يجوز له بيعه في النوعين لقيام ملكه إلا أن ما لا يجوز له أكله عليه التصدق بثمنه كذا في البدائع ( قوله وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ) روى أصحاب السنن الأربعة عن ناجية الخزاعي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي وقال له : إن عطب فانحره ثم اصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس } قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وليس فيه { لا تأكل أنت ولا رفقتك } وقد أسند الواقدي في أول غزوة الحديبية القصة بطولها ، وفيها { أنه عليه الصلاة والسلام استعمل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي وأمره أن يتقدمه بها ، قال : وكانت سبعين بدنة ، فذكره إلى أن قال : وقال ناجية بن جندب : عطب معي بعير من الهدي فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبواء فأخبرته ، فقال : انحرها واصبغ قلائدها في دمها ولا تأكل أنت ولا أحد من رفقتك منها شيئا وخل بينها وبين الناس }

وأخرج مسلم وابن ماجه عن قتادة عن سنان بن مسلم عن ابن عباس أن ذؤيبا الخزاعي أبا قبيصة حدثه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالبدن معه ثم يقول : إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتا فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك } وأعل بأن قتادة لم يدرك سنانا .

والحديث معنعن في مسلم وابن ماجه ، إلا أن مسلما ذكر له شواهد ولم يسم ذؤيبا بل قال إن رجلا ، وإنما نهى ناجية ومن ذكر عن الأكل لأنهم كانوا أغنياء . قال شارح الكنز : لا دلالة لحديث ناجية على المدعي لأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك فيما عطب منها في الطريق ، والكلام فيما إذا بلغ الحرم هل يجوز له الأكل منه أو لا ا هـ .

وقد أوجدنا في هدي التطوع إذا ذبح في الطريق امتناع أكله منه وجوازه بل استحبابه إذا بلغ محله . والمعنى الذي ذكره المصنف في أنها دماء كفارات يستقل بالمطلوب

التالي السابق


الخدمات العلمية