صفحة جزء
( وينقض المسح كل شيء ينقض الوضوء ) لأنه بعض الوضوء ( وينقضه أيضا نزع الخف ) لسراية الحدث إلى القدم حيث زال المانع ، وكذا نزع أحدهما لتعذر الجمع بين الغسل والمسح في وظيفة واحدة [ ص: 153 ] ( وكذا مضي المدة ) لما روينا ( وإذا تمت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى وليس عليه إعادة بقية الوضوء ) وكذا إذا نزع قبل المدة لأن عند النزع يسري الحدث السابق إلى القدمين كأنه لم يغسلهما ، وحكم النزع يثبت بخروج القدم إلى الساق لأنه [ ص: 154 ] لا معتبر به في حق المسح ، وكذا بأكثر القدم هو الصحيح .


( قوله وإذا تمت المدة نزع خفيه ) لسريان الحدث إلى الرجلين ( وغسل رجليه وليس عليه إعادة بقية الوضوء ) لأن الولاء ليس بشرط في الوضوء فينضم غسلهما إلى الغسل السابق للأعضاء فيكمل الوضوء .

فإن قيل : لا حدث ليسري لأنه كان قد حل بالخف ثم زال بالمسح فلا يعود إلا بسببه من الخارج النجس ونحوه ، قلنا : جاز أن يعتبر الشرع ارتفاع الحدث بمسح الخف مقيدا بمدة منعه ، ثم علمنا وقوع مثله في التيمم حيث اعتبر في ارتفاعه باستعمال الصعيد تقيده بمدة اعتباره عاملا : أعني مدة عدم القدرة على الماء ، ويناسب أن ذلك لوصف البدلية وهو في المسح ثابت بل هو فيه من وجهين ، فإن المسح وإن كان بالماء لكنه بدل عن وظيفة الغسل والخف عن الرجل فوجب تقيد الارتفاع فيه بمدة اعتباره بدلا يفيد ما يفيده الأصل كما تقيد في التيمم بمدة كونه بدلا يفيد ما يفيده الأصل ، هذا مع أن المقام مقام الاحتياط .

وفي فتاوى قاضي خان : لو تمت المدة وهو في الصلاة ولا ماء يمضي على الأصح في صلاته [ ص: 154 ] إذ لا فائدة في النزع لأنه للغسل ولا ماء خلافا لمن قال من المشايخ تفسد انتهى . لكن الذي يظهر صحة هذا القول لأن الشرع قدر منع الخف بمدة فيسري الحدث بعدها إذ لا بقاء لها مع الحدث ، فكما يقطع عند وجود الماء ليغسل رجليه يقطع عند عدمه ليتيمم لا للرجلين فقط ليلزم رفو الأصل بالخلف بل للكل لأن الحدث لا يتجزأ فيصير محدثا بحدث القدمين ، وإن كان بحيث لو اقتصر على غسلهما ارتفع كمن غسل ابتداء الأعضاء إلا رجليه وفني الماء فإنه يتيمم لا للرجلين فقط وإلا لكان جمع الخلف والأصل ثابتا في كثير من الصور بل للحدث القائم به فإنه على حاله ما لم يتم الكل ، وهذا لأن التيمم إن لم يصب الرجل حسا لكنه يصيبها حكم الطهارة عنده وهو المقصود فلا يصلح عدم الماء مانعا السراية بعد تمام المدة المعتبرة شرعا غاية لمنعه .

وعلى هذا فما ذكر في جوامع الفقه والمحيط من أنه إنما ينزع إذا تمت إذا لم يخف ذهابهما من شدة البرد فإن خافه فله أن يمسح مطلقا فيه نظر ، فإن خوف البرد لا أثر له في منع السراية ، كما أن عدم الماء لا يمنعها ، فغاية الأمر أنه لا ينزع لكن لا يمسح بل يتيمم لخوف البرد ، والله سبحانه أعلم .

وعن هذا نقل بعض المشايخ تأويل المسح المذكور بأنه مسح جبيرة لا كمسح الخف ، فعلى هذا يستوعب الخف على ما هو الأولى أو أكثره ، وهو غير المفهوم من اللفظ المؤول مع أنه إنما يتم إذا كان مسمى الجبيرة يصدق على ساتر ليس تحته محل وجع بل عضو صحيح غير أنه يخاف من كشفه حدوث المرض للبرد ، ويستلزم بطلان كلية مسألة التيمم بخوف البرد على عضو واسوداده ، ويقتضي أيضا على ظاهر مذهب أبي حنيفة جواز تركه رأسا وهو خلاف ما يفيده إعطاؤهم حكم المسألة ، هذا وينقض المسح أيضا غسل أكثر الرجل ، وفيه من البحث ما سمعت مما قدمناه ( قوله وكذا بأكثر القدم هو الصحيح ) هذا قول أبي يوسف ، وعنه في الإملاء بخروج نصفه .

وعن محمد إن كان الباقي قدر محل الفرض : أعني ثلاثة أصابع اليد لا ينتقض . وقال أبو حنيفة : إن خرج أكثر العقب : يعني إذا أخرجه قاصدا إخراج الرجل بطل المسح حتى لو بدا له إعادتها [ ص: 155 ] فأعادها لا يجوز المسح ، وكذا لو كان أعرج يمشي على صدور قدميه وقد ارتفع عقبه عن موضع عقب الخف إلى الساق لا يمسح ، وإلى ما دونه يمسح .

أما لو كان الخف واسعا يرتفع العقب برفع الرجل إلى الساق ويعود بوضعها فلا يمنع . وقال بعضهم : إن كان الباقي بحيث يمكنه المشي فيه فكذلك لا ينتقض ، وهذا في التحقيق هو مرمى نظر الكل ، فمن نقض بخروج العقب ليس إلا لأنه وقع عنده أنه مع حلول العقب بالساق لا يمكنه متابعة المشي فيه وقطع المسافة ، بخلاف ما إذا كانت تعود إلى محلها عند الوضع ، ومن قال بالأكثر فلظنه أن الامتناع منوط به وكذا من قال بكون الباقي قدر الفرض ، وهذه الأمور إنما تبنى على المشاهدة ، ويظهر أن ما قاله أبو حنيفة أولى لأن بقاء العقب في الساق يقلق عن مداومة المشي دوسا على الساق نفسه .

التالي السابق


الخدمات العلمية