صفحة جزء
( وأقل المهر عشرة دراهم ) وقال الشافعي : ما يجوز أن يكون ثمنا في البيع ; لأنه حقها فيكون التقدير إليها ولنا قوله صلى الله عليه وسلم { ولا مهر أقل من عشرة } [ ص: 318 - 319 ] ولأنه حق الشرع وجوبا إظهارا لشرف المحل [ ص: 320 ] فيتقدر بما له خطر وهو العشرة استدلالا بنصاب السرقة ( ولو سمى أقل من عشرة فلها العشرة ) عندنا . وقال زفر : لها مهر المثل ; لأن تسمية [ ص: 321 ] ما لا يصلح مهرا كانعدامه ولنا أن فساد هذه التسمية لحق الشرع وقد صار مقتضيا بالعشرة ، فأما ما يرجع إلى حقها فقد رضيت بالعشرة لرضاها بما دونها ، ولا معتبر بعدم التسمية ; لأنها قد ترضى بالتمليك من غير عوض تكرما ، ولا ترضى فيه بالعوض اليسير . ولو طلقها قبل الدخول بها تجب خمسة عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله ، وعنده تجب المتعة كما إذا لم يسم شيئا ( ومن سمى مهرا عشرة فما زاد [ ص: 322 ] فعليه المسمى إن دخل بها أو مات عنها ) ; لأنه بالدخول يتحقق تسليم المبدل وبه يتأكد البدل ، وبالموت ينتهي النكاح نهايته ، والشيء بانتهائه يتقرر ويتأكد فيتقرر بجميع مواجبه ( وإن طلقها قبل الدخول بها والخلوة فلها نصف المسمى ) لقوله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } الآية [ ص: 323 ] والأقيسة متعارضة ، ففيه تفويت الزوج الملك على نفسه باختياره وفيه عود المعقود عليه إليه سالما فكان المرجع [ ص: 324 ] فيه النص ، وشرط أن يكون قبل الخلوة ; لأنها كالدخول عندنا على ما نبينه إن شاء الله تعالى . .


( قوله وأقل المهر عشرة دراهم ) فضة وإن لم تكن مسكوكة بل تبرا ، وإنما يشترط المسكوكة في نصاب السرقة للقطع تقليلا لوجود الحد ، وهذا عندنا وعند مالك ربع دينار ، وعند النخعي أربعون درهما . وقال الشافعي وأحمد : ما يجوز ثمنا ; لأنه حقها إذ جعل بدل بضعها ولذا تتصرف فيه إبراء واستيفاء ( فيكون التقدير إليها ) ويدل على عدم تعيين [ ص: 318 ] العشرة حديث عبد الرحمن بن عوف حيث قال فيه { : كم سقت إليها ؟ قال : وزن نواة من ذهب ، فقال : بارك الله لك ، أولم ولو بشاة } رواه الجماعة . والنواة خمسة دراهم عند الأكثر ، وقيل ثلاث وثلث ، وقيل النواة فيه نواة التمر .

وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل } رواه أبو داود ، ولأن قوله تعالى { أن تبتغوا بأموالكم محصنين } يوجب وجود المال مطلقا ، فالتعيين الخاص زيادة عليه بخبر الواحد وأنتم تمنعونه . ولنا قوله صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه { ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء ، ولا يزوجن إلا من الأكفاء ، ولا مهر أقل من عشرة دراهم } رواه الدارقطني والبيهقي ، وتقدم الكلام عليه في الكفاءة فوجب الجمع فيحمل كل ما أفاد ظاهره كونه أقل من عشرة دراهم على أنه المعجل وذلك لأن العادة عندهم كانت تعجيل بعض المهر قبل الدخول حتى ذهب بعض العلماء إلى إلا أنه لا يدخل بها حتى يقدم شيئا لها .

نقل عن ابن عباس وابن عمر والزهري وقتادة تمسكا بمنعه صلى الله عليه وسلم عليا فيما رواه ابن عباس { أن عليا لما تزوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يدخل بها ، فمنعه صلى الله عليه وسلم حتى يعطيها شيئا ، فقال : يا رسول الله ليس لي شيء ، فقال : أعطها درعك ، فأعطاها درعه ثم دخل بها } لفظ أبي داود ، ورواه النسائي . ومعلوم أن الصداق كان أربعمائة درهم وهي فضة ، لكن المختار الجواز قبله لما روت عائشة قالت { أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا } رواه أبو داود ، فيحمل المنع المذكور على الندب : أي ندب تقديم شيء إدخالا للمسرة عليها [ ص: 319 ] تألفا لقلبها ، وإذا كان ذلك معهودا وجب حمل ما يخالف ما رويناه عليه جمعا بين الأحاديث ، وكذا يحمل أمره صلى الله عليه وسلم بالتماس خاتم من حديد على أنه تقديم شيء تألفا ، ولما عجز قال قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك . رواه أبو داود ، وهو محمل رواية الصحيح { زوجتكها بما معك من القرآن } فإنه لا ينافيه وبه تجتمع الروايات .

قيل لا تعارض ليحتاج إلى الجمع ، فإن حديث جابر فيه مبشر بن عبيد والحجاج بن أرطاة وهما ضعيفان عند المحدثين ، قلنا : له شاهد يعضده وهو ما عن علي رضي الله عنه قال : { لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم ، ولا يكون المهر أقل من عشرة دراهم } . رواه الدارقطني والبيهقي . وقال محمد : بلغنا ذلك عن علي وعبد الله ابن عمر وعامر وإبراهيم ، ورواه بإسناده إلى جابر في شرح الطحاوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا من المقدرات ، فلا يدرك إلا سماعا لكن فيه رواه الأودي عن الشعبي عن علي ، وداود هذا ضعفه ابن حبان . والحق أن وجود ما ينفي بحسب الظاهر تقدير المهر بعشرة في السنة كثير منها حديث { التمس ولو خاتما من حديد } وحديث جابر { من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقا } الحديث ، وحديث الترمذي وابن ماجه { أنه صلى الله عليه وسلم أجاز نكاح امرأة على نعلين } صححه الترمذي ، وحديث الدارقطني والطبراني عنه صلى الله عليه وسلم { أدوا العلائق ، قيل وما العلائق ؟ قال : ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك } وحديث الدارقطني عن الخدري عنه صلى الله عليه وسلم قال { لا يضر أحدكم بقليل ماله تزوج أم بكثيره بعد أن يشهد } إلا أنها كلها مضعفة ما سوى حديث " التمس " فحديث " من أعطى " فيه إسحاق بن جبريل قال في الميزان : لا يعرف وضعفه الأودي ومسلم بن رومان مجهول أيضا . وحديث النعلين وإن صححه الترمذي فليس بصحيح ; لأنه فيه عاصم بن عبيد الله ، قال ابن الجوزي : قال ابن معين : ضعيف لا يحتج به ، وقال ابن حبان : فاحش الخطأ فترك ، وحديث العلائق معلول بمحمد بن عبد الرحمن بن البيلماني قال ابن القطان : قال البخاري : منكر الحديث .

ورواه أبو داود في المراسيل وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فيه ضعف . وحديث الخدري فيه أبو هارون العبدي قال ابن الجوزي : قال حماد بن زيد : كان كذابا . وقال السغدي مثله مع احتمال كون تينك النعلين تساويان [ ص: 320 ] عشرة دراهم ، وكون العلائق يراد بها النفقة والكسوة ونحوها إلا أنه أعم من ذلك ، واحتمال التمس خاتما في المعجل وإن قيل إنه خلاف الظاهر لكن يجب المصير إليه ; لأنه قال فيه بعده { زوجتكها بما معك من القرآن } فإن حمل على تعليمه إياها ما معه أو نفي المهر بالكلية عارض كتاب الله تعالى وهو قوله تعالى بعد عد المحرمات { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين } فقيد الإحلال بالابتغاء بالمال ، فوجب كون الخبر غير مخالف له وإلا لم يقبل ما لم يبلغ رتبة التواتر وهي قطعية في دلالتها ; لأنه نسخ للقطعي فيستدعي أن يكون قطعيا ، فأما إذا كان خبر واحد فلا ، فكيف واحتمال كونه غير تمام المهر ثابت بناء على ما عهد من أن لزوم تقديم شيء أو ندبه كان واقعا فوجب الحمل على ذلك ، لكن يبقى كون الحمل على ذلك إعمالا لخبر واحد لم يصح عند المحدثين فيستلزم الزيادة على النص به ; لأنه يقتضي تقييد الإحلال بمطلق المال ، فالقول بأنه لا يحل إلا بمال مقدر زيادة عليه بخبر الواحد وأنه لا يجوز .

فإن قيل : قد اقترن النص نفسه بما يفيد تقديره بمعين وهو قوله تعالى عقيبه { قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم } ثم ذلك المعين محمل فيلتحق بيانا بخبر الواحد . قلنا : إنما أفاد النص معلومية المفروض له سبحانه والاتفاق على أنه في الزوجات والمملوكين ما يكفي كلا من النفقة والكسوة والسكنى فهو مراد من الآية قطعا . وكون المهر أيضا مرادا بالسياق ; لأنه عقيب قوله { خالصة لك } يعني نفي المهر خالصة لك وغيرك { قد علمنا ما فرضنا عليهم } من ذلك فخالف حكمهم حكمك لا يستلزم تقديره بمعين وتقرير المصنف في تقدير المهر قياس حاصله أن المهر حق الشرع بالآية ، وسببه إظهار الخطر للبضع على ما تقدم ، ومطلق المال لا يستلزم الخطر كحبة حنطة وكسرة ، وقد عهد في الشرع تقدير ما يستباح به العضو بما له خطر وذلك عشرة دراهم في حد السرقة فيقدر به في استباحة البضع ، وهذا من رد المختلف فيه إلى المختلف فيه ، فإن حكم الأصل ممنوع فإنهم لا يقدرون نصاب السرقة بعشرة ، وأيضا المقدر في الأصل عشرة مسكوكة أو ما يساويها ، ولا يشترط في المهر ذلك ، فلو سمى عشرة تبر تساوي تسعة مسكوكة جاز ، اللهم إلا أن يجعل استدلالا على أنه مقدر خلافا للشافعي في نفيه ( قوله ولو سمى أقل من عشرة فلها العشرة عندنا . وقال زفر : لها مهر المثل ) قياسا على عدم التسمية هكذا تسمية الأقل تسمية لا يصلح مهرا ، وتسمية ما لا يصلح مهرا كعدمها ، فتسمية الأقل كعدم التسمية ، وعدم التسمية فيه مهر المثل ، فتسمية الأقل فيه مهر المثل .

وقولنا استحسان ، وله وجهان : أحدهما أن العشرة في كونها صداقا لا تتجزأ شرعا ، وتسمية بعض ما لا يتجزأ ككله ، فهو كما لو تزوج نصفها أو طلق نصف تطليقة حيث ينعقد ويقع طلقة ، فكذا تسمية بعض العشرة . والثاني وهو المذكور في الكتاب حاصله أن في المهر حقين : [ ص: 321 ] حقها وهو ما زاد على العشرة إلى مهر مثلها ، وحق الشرع وهو العشرة ، وللإنسان التصرف في حق نفسه بالإسقاط دون حق غيره . فإذا رضيت بما دون العشرة فقد أسقطت من الحقين فيعمل فيما لها الإسقاط منه وهو ما زاد على العشرة دون ما ليس لها وهو حق الشرع فيجب تكميل العشرة قضاء لحقه ، فإيجاب الزائد بلا موجب . فإن قيل : القياس المذكور موجب له ولم يبطل بعد ; لأنه معارضة . قلنا : إبطاله أن التشبيه المذكور إما في الحكم ابتداء بأن يدعي اندراج تسمية ما لا يصلح في عدمها ، فثبوت الحكم فيه أعني وجوب مهر المثل حينئذ بالنص والإجماع دون القياس وحينئذ يمنع الاندراج ، وإما في الجامع وهو القياس ليثبت حكم الجامع في محل ثبوته فلا بد من تعيينه ليعلم ثبوته في الفرع إذ قياس الشبه الطردي باطل ، ولا يعلم ما هو إلا أن يعينه عدم القدرة على تسليم شيء إذ لا قدرة على تسليم العدم بوجه وحينئذ تمنع كلية الكبرى ; لأن عدم القدرة يخص ما ليس بمال كالمجهول فاحشا ، وإن عينه فوات الخطر الذي وجب لأجله المهر على ما قررتم .

قلنا : فيجب ما يتحقق به ولم يتعين مهر المثل لتحققه بالعشرة فالزائد بلا موجب ، وأما إفساد المصنف بقوله ولا معتبر بعدم التسمية إلخ يعني لا نسلم أن كل ما يصلح مهرا يكون كعدم التسمية في إيجاب مهر المثل ; لأن عدمها قصاراه أن يكون لرضاها بغير مهر فإنه قد يكون لطلبها مهر المثل لمعرفة أنه حكمه ورضاها بلا مهر لا يستلزم رضاها بالعشرة فما دونها ; لأنها قد ترضى بعدمه تكرما على الزوج ولا ترضى بالعوض اليسير ترفعا فبعيد عن المبنى .

ولو قيل عدم التسمية ظاهر في القصد إلى ثبوت حكمه من وجوب مهر المثل وليس الثابت في المتنازع فيه ظهور ذلك وإلا لتركوا التسمية رأسا ; لأن زيادة التسمية تكلف أمر مستغنى عنه في المقصود وهو قصد مهر المثل مع أنه مختلف في كون حكم تسمية ما دون العشرة وجوب مهر المثل ، بل الظاهر أنها رضيت بالعشرة لما صرحت بالرضا بما دونها فلا يثبت حكم الأصل فيه لكان أقرب مع أنه لم يمس المبنى . ثم فرع على الخلاف فقال ( ولو طلقها قبل الدخول ) أي في صورة تسمية ما دون العشرة ( فلها خمسة عند علمائنا الثلاثة ) ; لأن موجب هذه التسمية عشرة ( وعنده المتعة ) وفي المبسوط : وكذا لو تزوجها على ثوب يساوي [ ص: 322 ] خمسة فلها الثوب وخمسة خلافا له .

ولو طلقها قبل الدخول فلها نصف الثوب ودرهمان ونصف وعنده المتعة ، وتعتبر قيمة الثوب يوم التزوج عليه ، وكذا لو سمى مكيلا أو موزونا ; لأن تقدير المهر واعتباره عند العقد . وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه في الثوب تعتبر قيمته يوم القبض ، وفي المكيل والموزون يوم العقد ; لأن المكيل والموزون يثبت في الذمة ثبوتا صحيحا بنفس العقد ، والثوب لا يثبت ثبوتا صحيحا بل يتردد بينه وبين القيمة فلذا تعتبر قيمته وقت القبض ا هـ .

وعلم مما ذكر أن المراد ثوب بغير عينه أما لو كان بعينه فإنها تملكه بنفس العقد كما ستعلم ( قوله فلها المسمى إن دخل بها إلخ ) هذا إذا لم تكسد الدراهم المسماة ، فإن كان تزوجها على الدراهم التي هي نقد البلد فكسدت وصار النقد غيرها فإنما على الزوج قيمتها يوم كسدت على المختار ، بخلاف البيع حيث يبطل بكساد الثمن قبل القبض على ما ستعرف ( قوله وبه يتأكد البدل ) أي يتأكد لزومه فإنه كان قبل لازما ، لكن كان على شرف السقوط بارتدادها وتقبيلها ابن الزوج بشهوة ( قوله والشيء بانتهائه يتقرر ) ; لأن انتهاءه عبارة عن وجوده بتمامه فيستعقب مواجبه الممكن إلزامها من المهر والإرث والنسب بخلاف النفقة ، ويعلم من هذا الدليل أن موتها أيضا كذلك ، فالاقتصار على موته اتفاق ، ولا خلاف للأربعة في هذه سواء كانت حرة أو أمة ( قوله وإن طلقها قبل الدخول والخلوة ) أي بعدما سمى ( فلها نصف المهر ) ثم إن كانت قبضت المهر فحكم هذا التنصيف يثبت عند زفر بنفس الطلاق ويعود النصف الآخر إلى ملك الزوج .

وعندنا لا يبطل ملك المرأة في النصف إلا بقضاء أو رضا ; لأن الطلاق قبل الدخول أوجب فساد سبب ملكها في النصف ، وفساد السبب في الابتداء لا يمنع ثبوت ملكها بالقبض فأولى أن لا يمنع بقاءه فيتفرع على الخلاف ما لو أعتق الزوج الجارية : أي الممهورة بعد الطلاق قبل الدخول وهي مقبوضة للمرأة نفذ عتقه في نصفها عنده ، وعندنا لا ينفذ في شيء منها . ولو قضى القاضي بعد عتقها بنصفها له لا ينفذ ذلك العتق ; لأنه عتق سبق ملكه كالمقبوض بشراء فاسد إذا أعتقه البائع ثم رد عليه لا ينفذ ذلك العتق الذي كان قبل الرد ، ولو أعتقتها المرأة قبل الطلاق نفذ في الكل ، وكذا إن باعت [ ص: 323 ] أو وهبت لبقاء ملكها في الكل قبل القضاء والتراضي عندنا ، وإذا نفذ تصرفها فقد تعذر عليها رد النصف بعد وجوبه فتضمن نصف قيمتها للزوج يوم قبضت .

ولو وطئت الجارية بشبهة فحكم العقر كحكم الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل كالأرش ; لأنه بدل جزء من عينها فإن المستوفى بالوطء في حكم العين دون المنفعة وسنذكر حكم الزيادة المذكورة .

وإزالة البكارة بلا دخول كمن تزوج ببكر فدفعها فزالت بكارتها ليس كالدخول بها فلا يوجب إلا نصف المهر عند أبي حنيفة ، وعند محمد يجب كماله ، واختلفت الرواية عن أبي يوسف فقيل هو مع محمد ، وقيل مع أبي حنيفة .

( قوله والأقيسة متعارضة ) جواب عن سؤال مقدر وهو أن الآية وهي قوله تعالى { فنصف ما فرضتم } عام في المفروض أعطى حكم التنصيف ، وقد خص منه ما إذا كان المفروض نحو الخمر وما إذا سمى بعد العقد الخالي عن التسمية فإنه لا يتنصف بالطلاق قبل الدخول فجاز أن يعارضه القياس إن وجد وقد وجد ، وهو أن في طلاقه قبل الدخول تفويت الملك على نفسه باختياره فكان كإعتاق المشتري العبد المبيع أو إتلاف المبيع ومقتضاه وجوب تمام المسمى .

أو يقال هو رجوع المبدل إليها سالما فكان كما إذا تقايلا قبل القبض في البيع يسقط كل الثمن ; فقال : الأقيسة متعارضة فإن مقتضى الأول وجوب المسمى بتمامه كما ذكرنا ; ومقتضى الثاني لا يجب لها شيء أصلا فتساقطا فبقي النصف على ما كان عليه فكان المرجع إليه ، وعلى هذا يسقط ما أورد من أن مقتضى العبارة أن المصير إلى النص بعد تعارض القياسين لكن الحكم على عكسه ; لأن ذلك في نص لا يعارضه القياس ، ومن أن القياسين إذا تعارضا لا يتركان بل يعمل المجتهد بشهادة قلبه في أحدهما ; لأن ذلك فيما إذا لم يكن عموم نص [ ص: 324 ] يرجع إليه ، لكن تقرير السؤال على الوجه المذكور لا يتوجه ; لأن تمام الآية هو انتصاف المسمى بالطلاق قبل الدخول ، قال الله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } فتوجيه السؤال بأن النص قد خص ، وقياس الطلاق قبل الدخول على إتلاف المبيع ونحو ذلك يوجب أن لا يجب شيء باطل ; لأنه حينئذ نسخ لتمام موجب النص لا تخصيص إذا لم يبق تحت النص على ذلك التقرير شيء ، وليس ينسخ العام المخصوص بالقياس بل يخص به فلا يتوجه ليعارض بآخر يمنعه من الإخراج ، وتقريره لا على أنه جواب سؤال يرد عليه ما ذكرنا أنه يسقط على ذلك التقرير فلم يكن حاجة في الاستدلال سوى التعرض للنص إلا أن يكون قصد ذكر الواقع في نفس الأمر ( قوله وشرط ) يعني القدوري في لزوم نصف المسمى بالطلاق قبل الدخول ( أن يكون قبل الخلوة ; لأنها كالدخول عندنا ) في تأكد تمام المهر بها

التالي السابق


الخدمات العلمية