صفحة جزء
( ولا يأتيها زوجها ) لقوله تعالى { ولا تقربوهن حتى يطهرن }


( قوله ولا يأتيها زوجها ) ولو أتاها مستحلا كفر أو عالما بالحرمة أتى كبيرة ووجبت التوبة ويتصدق بدينار أو بنصفه استحبابا ، وقيل بدينار إن كان أول الحيض وبنصفه إن وطئ في آخره كأن قائله رأى أنه لا معنى للتخيير بين القليل والكثير في النوع الواحد ، وكذا هذا الحكم لو قالت حضت فكذبها لأن تكذيبه لا يعمل بل تثبت الحرمة بإخبارها ، وأما الاستمتاع بها بغير الجماع فمذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي ومالك يحرم عليه ما بين السرة والركبة وهو المراد بما تحت الإزار ، ومذهب محمد بن الحسن وأحمد لا يحرم ما سوى الفرج لما أخرج الجماعة إلا البخاري أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت ، فسألت الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأنزل الله تعالى { ويسألونك عن المحيض } فقال النبي صلى الله عليه وسلم : { اصنعوا كل [ ص: 167 ] شيء إلا النكاح . وفي رواية إلا الجماع } وللجماعة ما عن عبد الله بن سعد { سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ فقال : لك ما فوق الإزار } رواه أبو داود ، وسكت عليه فهو حجة ، ويحتمل أن يكون حسنا أو صحيحا ، فمنهم من حسنه لكن شارحه أبو زرعة العراقي صرح بأنه ينبغي أن يكون صحيحا ، وهو فرع معرفة رجال سنده فثبت كونه صحيحا ، وحينئذ يعارض ما رواه مسلم وغيره خصوصا وأنت تعلم أن مسلما يخرج عمن لم يسلم من غوائل الجرح ، وإذن فالترجيح له لأنه مانع وذاك مبيح ، وأما ترجيح السروجي قول محمد بأن أحاديثنا مفهوم لا يعارض منطوقهم فغلط ، لأن كونها منطوقا في المدعي أو مفهوما بناء على اعتبار المدعي كيف هو ، فإن جعلت الدعوى قولنا جميع ما يحل للرجل من امرأته الحائض ما فوق الإزار كانت أحاديثنا منطوقا : أعني قوله صلى الله عليه وسلم { لك ما فوق الإزار } جوابا عن قول السائل : ما يحل لي من امرأتي الحائض ؟ ، فإن معناه : جميع ما يحل لك ما فوق الإزار ، لأن معنى السؤال جميع ما يحل لي ما هو فيطابق الجواب السؤال ، وإن جعلت الدعوى لا يحل ما تحت الإزار وقالوا يحل إلا محل الدم كانت مفهوما ، ولا شك أن كلا من الاعتبارين في الدعوى صحيح ، فعلم أن المفهومية غير لازمة في أحاديثنا ولا المنطوقية ،

ثم لو سلم كان هذا المفهوم أقوى من المنطوق لأن زيادة قوة المنطوق على المفهوم ليس إلا لزيادة دلالته على المعنى للزومه له وهذا المفهوم وهو انتفاء حل ما تحت الإزار مطلقا ، لما كان ثابتا لوجوب مطابقة الجواب السؤال لدلالة خلافها على نقصان في الغريزة أو العجز أو الخيط كان ثبوته واجبا من اللفظ على وجه لا يقبل تخصيصا ولا تبديلا لهذا العارض ، والمنطوق من حيث هو منطوق يقبل ذلك فلم يصح الترجيح في خصوص المادة بالمنطوقية ولا المرجوحية بالمفهومية ، وقد { كان فعله صلى الله عليه وسلم على ذلك فكان لا يباشر إحداهن وهي حائض حتى يأمرها أن تأتزر } متفق عليه . وأما قوله تعالى { ولا تقربوهن حتى يطهرن } فإن كان نهيا عن الجماع عينا فلا يمتنع أن تثبت حرمة أخرى في محل آخر بالسنة ، وإياك أن تظن أن هذه من الزيادة على النص بخبر الواحد لأن ذاك تقييد مطلقه فيقع موقع المعارض في بعض متناولاته لا شرع ما لم يتعرض له ، ولو حمل على أعم من ذلك كان الجماع من أفراد المنهي عنه لتناوله حرمة الاستمتاع بها أعني الجماع وغيره من الاستمتاعات ، ثم يظهر تخصيص بعضها بالحديث المفيد لحل ما سوى ما بين السرة والركبة فيبقي ما بينهما داخلا في عموم النهي عن قربانه وإن لم يحتج إلى هذا الاعتبار في ثبوت المطلوب لما بينا

التالي السابق


الخدمات العلمية