صفحة جزء
( وإذا أضاف الطلاق إلى جملتها أو إلى ما يعبر به عن الجملة وقع الطلاق ) لأنه أضيف إلى محله ، وذلك ( مثل أن يقول أنت طالق ) لأن التاء ضمير المرأة ( أو ) يقول ( رقبتك طالق أو عنقك ) طالق أو رأسك طالق ( أو روحك أو بدنك أو جسدك أو فرجك أو وجهك ) لأنه يعبر بها عن جميع البدن . أما الجسد والبدن فظاهر وكذا غيرهما ، قال الله تعالى { فتحرير رقبة } وقال { فظلت أعناقهم لها خاضعين } وقال عليه الصلاة والسلام [ ص: 14 ] { لعن الله الفروج على السروج } ويقال فلان رأس القوم ويا وجه العرب وهلك روحه بمعنى نفسه ومن هذا القبيل الدم في رواية يقال دمه هدر ومنه النفس وهو ظاهر ( وكذلك إن ) ( طلق جزءا شائعا منها مثل أن يقول نصفك أو ثلثك ) طالق لأن الشائع محل لسائر التصرفات كالبيع وغيره فكذا يكون محلا للطلاق ، إلا أنه لا يتجزأ في حق الطلاق فيثبت في الكل ضرورة ( ولو قال : يدك طالق أو رجلك طالق لم يقع الطلاق ) وقال زفر والشافعي : يقع ، وكذا الخلاف في كل جزء معين لا يعبر به عن جميع البدن . لهما أنه جزء مستمتع بعقد النكاح [ ص: 15 ] وما هذا حاله يكون محلا لحكم النكاح فيكون محلا للطلاق فيثبت الحكم فيه قضية للإضافة ثم يسري إلى الكل كما في الجزء الشائع ، بخلاف ما إذا أضيف إليه النكاح لأن التعدي ممتنع إذ الحرمة في سائر الأجزاء تغلب الحل في هذا الجزء وفي الطلاق الأمر على القلب .

ولنا أنه أضاف الطلاق إلى غير محله فيلغو كما إذا أضافه إلى ريقها أو ظفرها ، وهذا لأن محل الطلاق ما يكون فيه القيد لأنه ينبئ عن رفع القيد ولا قيد في اليد ولهذا لا تصح إضافة النكاح إليه ، بخلاف الجزء الشائع لأنه محل للنكاح عندنا حتى تصح إضافته إليه فكذلك يكون محلا للطلاق . [ ص: 16 ] واختلفوا في الظهر والبطن ، والأظهر أنه لا يصح لأنه لا يعبر بهما عن جميع البدن .


( قوله وإن أضاف الطلاق إلى جملتها أو إلى ما يعبر به عن الجملة وقع ) ومثل المضاف إلى الجملة بقوله أنت طالق والمضاف إلى ما يعبر به عن الجملة برقبتك طالق ، ولا يخفى أن الإضافة فيهما معا إلى ما يعبر به عن الجملة من لفظ أنت ورقبتك إلخ ، والتحقيق أن ما يعبر به عن الجملة إما بالوضع أو بالتجوز . وقوله لأن التاء ضمير المرأة هو أحد الأقوال في أنت أنه برمته ضمير أو التاء وأن عماد أو إن واللواحق حروف تدل على خصوص المراد ( قوله أو يقول : رقبتك طالق أو عنقك أو روحك أو بدنك أو جسدك أو فرجك أو وجهك ) هذه أمثلة ما يعبر به عن كل الإنسان وذكر استعمالاتها فيها .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم { لعن الله الفروج على السروج } فغريب جدا ، وأبعد الشيخ علاء الدين حيث استشهد بما أخرجه ابن عدي في الكامل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذوات الفروج أن يركبن السروج } وضعفه ، وأين لفظ ذات الفرج . [ ص: 14 ] من كون لفظ الفرج يطلق على المرأة عنترة للبعض على الكل ( قوله رأس القوم ) أي أكبرهم ( ويا وجه العرب ) يعني يا أوجههم .

وبه يندفع ما أورد أن الاستدلال به فاسد لأن معناه أن القوم كالجسد وفلان الرأس منه لا أن فلانا يعبر به عن القوم كلهم .

وكذا ما قيل معنى يا وجه العرب أنك في العرب بمنزلة الوجه لا أنه عبر به عن جملة العرب بالوجه وناداهم به ولا يتم استدلاله به ، على أن الوجه يعبر به عن الجملة إلا إذا كان المراد من قولهم يا وجه العرب يا أيها العرب ا هـ . ومبنى كلامه أن التركيب استعارة بالتركيب شبهت العرب بالجسم الواحد لتحامل بعضهم على بعض وتألم بعضهم بتألم بعض ، فأثبت له الوجه ولا يخفى أنه ليس بلازم لجواز كونه مجازا استعارة تحقيقية شبه الرجل بالرأس لشرفه على سائر الأعضاء لكونه مجمع الحواس وبالوجه لظهوره وشهرته فأطلق عليه رأس القوم ووجههم : أي أشرفهم .

وقوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } { ويبقى وجه ربك } أي ذاته الكريمة ، وأعتق رأسا ورأسين من الرقيق أو إنا بخير ما دام رأسك سالما يقال مرادا به الذات أيضا ( قوله ومن هذا القبيل الدم ) يعني في رواية تطلق ويراد به الكل ، وهي رواية كتاب الكفالة ، قال : لو كفل بدمه يصح ، ورواية كتاب العتق لا تصح ، فإنه قال : إذا قال : دمك حر لا يعتق . وفي الخلاصة صحح عدم الوقوع ( قوله وكذلك إن طلق جزءا شائعا ) يعني يقع عليها كنصفها وربعها وسدسها لأن الشائع محل التصرفات كالبيع وغيره كالإجارة ( قوله ولو قال : يدك طالق أو رجلك ) وهذا يقابل معنى الأول : أي الجزء المعين الذي يعبر به عن الجملة كرقبتك فإنه جزء معين لا يعبر به عن الجملة .

ومنه الأصبع والدبر لا يقع الطلاق بإضافته إليه خلافا لزفر والشافعي ومالك وأحمد ، ولا خلاف أن بالإضافة إلى الشعر والظفر والسن والريق والعرق والحمل لا يقع ، والعتاق والظهار والإيلاء وكل سبب من أسباب الحرمة على هذا الخلاف ، فلو ظاهر أو آلى أو أعتق إصبعها لا يصح عندنا ويصح عندهم ، وكذا العفو عن القصاص وما كان من أسباب الحل كالنكاح لا تصح إضافته إلى الجزء المعين الذي لا يعبر به عن الكل بلا خلاف .

( قوله لهما ) حاصله قياس مركب نتيجة الأول أنه : أي الجزء المعين الذي لا يعبر به عن الجملة محل لحكم [ ص: 15 ] النكاح فجعل صغرى ويضم إليها ، وما كان محلا لحكم النكاح يكون محلا للطلاق ينتج الجزء المعين الذي لا يعبر به عن الجملة محل للطلاق ، والقياس الفقهي جزء هو محل لحكم النكاح فيكون محلا للطلاق كالجزء الشائع ، وهذا على قول طائفة من الشافعية ، فإنهم اختلفوا في كيفية وقوعه بالإضافة إلى الجزء المعين ، فقيل يقع عليه ثم يسري كما في العتق .

قال : الغزالي : هو ظاهر المذهب في العتق لا في الطلاق ، وقيل : يجعل الجزء معبرا به عن الكل فيقع باللفظ ، قالوا : وتظهر ثمرة الخلاف فيما لو قال : إن دخلت الدار فيمينك طالق فقطعت ثم دخلت ، إن قلنا بالسراية لا يقع ، وإن قلنا بالعبارة عن الكل يقع ( قوله ولنا إلخ ) حاصله منع محليته للطلاق بمنع علية كونه محلا للحل لكونه محلا للطلاق بل محله ما فيه قيد النكاح والقيد وهو منعها من الفعل مع الغير وأمرها به معه : أي تسليمها نفسها ، وعنه كان تخصيصها به هو حكم النكاح أولا ثم يثبت الحل تبعا له حكما لهذا الحكم ، والطلاق ينبئ عن رفع القيد فيكون وضعه لرفع ذلك ، ويرتفع الحل تبعا لرفعه كما ثبت تبعا لثبوته ، وهذا القيد المعنوي ليس في البلد ولا في غيرها من أجزاء الهوية لأن المنع خطاب ولا يتعلق بالأجزاء الخارجية بل بمسمى العاقل المكلف ولهذا جاز النكاح وإن لم يكن لها يد ، وحل الاستمتاع بالأجزاء المعينة تبع في ذلك ، بخلاف الجزء الشائع إذ لا وجود للمسمى بدونه فكان محلا للنكاح فكذا الطلاق ، ووقوعه بالإضافة إلى الرأس باعتبار كونه معبرا به عن الكل لا باعتبار نفسه مقتصرا .

ولذا نقول : لو قال الزوج : عنيت الرأس مقتصرا قال الحلواني : لا يبعد أن يقال : لا يقع لكن ينبغي أن يكون ذلك فيما بينه وبين الله تعالى أما في القضاء إذا كان التعبير به عن الكل عرفا مشتهرا لا يصدق ولو قال : عنيت باليد صاحبها كما أراد عز قائلا في قوله عز قائلا { ذلك بما قدمت يداك } أي قدمت وعناه صلى الله عليه وسلم في قوله { على اليد ما أخذت حتى ترد } وتعارف قوم التعبير بها عن الكل وقع بالإضافة إليها لأن الطلاق مبني على العرف [ ص: 16 ] ولذا لو طلق النبطي بالفارسية يقع ، ولو تكلم به العربي ولا يدريه لا يقع ، ولا مناقشة في هذا ، إنما الخلاف في أن ما يملك تبعا هل يكون محلا لإضافة الطلاق إليه على حقيقته دون صيرورته عبارة عن الكل ، فأما على مجازه في الكل لا إشكال أنه يقع يدا كان أو رجلا بعد كونه مستقيما لغة أو لغة قوم ( قوله واختلفوا في الظهر والبطن والأظهر أنه لا يصح لأنه لا يعبر بهما عن كل البدن ) وكذا لو قال : ظهرك علي أو بطنك علي كظهر أمي : أي لا يكون مظاهرا ، وقوله صلى الله عليه وسلم { لا صدقة إلا عن ظهر غنى } الظهر الصغار فيه ، أما لو كان فيهما عرف في إرادة الكل بهما ينبغي أن يقع ، ولذا لا يقع بالإضافة إلى ويدع ، وما في بعض النسخ : لو قال المحشان طالق يقع .

قال شمس الأئمة الحلواني : تصحيف ، إنما هو بعضك أو نصفك . وفي الخلاصة : استك طالق كفرجك طالق ، بخلاف الدبر ، قال شارح : عندي فيه نظر لأن الاست بمعنى الدبر وليس بذاك لأن البضع بمعنى الفرج أيضا ويقع في الفرج دون البضع لجواز تعارف أحدهما في الكل دون الآخر . والأوجه أن محل النظر كونه كفرجك طالق لما ذكرنا أن المدار تعارف التعبير به عن الكل ، وكون الفرج عبر به عن الكل لا يلزم كون الاست كذلك .

وهذا لأن حقيقة الأمر أن يقال : يقع بالإضافة إلى اسم جزء يعبر به عن الكل فإن نفس الجزء لا صفا التعبير به .

هذا وقد يقال على المصنف إن كان المعتبر في كون اللفظ يعبر به عن الكل شهرته فيجب أن لا يقع بالإضافة إلى الفرج أو وقوع استعماله من بعض أهل اللسان ، فيجب أن لا يذكر الخلاف في اليد لما ثبت من استعمالها في الكل في القرآن والحديث على ما ذكرناه ، وأيضا ظاهر الكلام أن المضاف إلى الجزء الشائع والمعبر به عن الكل صريح إذا لم يشترط في الوقوع به النية والصراحة بغلبة الاستعمال ، ومعلوم انتفاء الطلاق كذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية