صفحة جزء
( وإذا قال أنت علي كبطن أمي أو كفخذها أو كفرجها فهو مظاهر ) لأن الظهار ليس إلا تشبيه المحللة بالمحرمة ، وهذا المعنى يتحقق في عضو لا يجوز النظر إليه ( وكذا إذا شبهها بمن لا يحل له النظر إليها على التأبيد من محارمه مثل أخته أو عمته أو أمه من الرضاعة )

[ ص: 251 ] لأنهن في التحريم المؤبد كالأم ( وكذلك إذا قال رأسك علي كظهر أمي أو فرجك أو وجهك أو رقبتك أو نصفك أو ثلثك أو بدنك ) لأنه يعبر بها عن جميع البدن ، ويثبت الحكم في الشائع ثم يتعدى كما بيناه في الطلاق


( قوله ليس إلا تشبيه المحللة بالمحرمة ) اللام فيهما للعهد : أي المحللة بعقد النكاح بالمحرمة على التأبيد لأنهما المعهودتان فيما سبق من ذكرهما ( قوله وهذا المعنى ) يعني تشبيه المحللة بالمحرمة ( يتحقق في التشبيه بعضو لا يحل النظر إليه ) على التأبيد لما كان الظهار كلاما تشبيهيا مشتملا على المشبهة والمشبه بها وجب إعطاء ضابطهما ; ففي المشبهة أن تذكر هي أو جزء شائع منها أو جزء معين يعبر به عن جملتها كالرأس والرقبة والفرج والوجه ، وتقدم بيان التعبير بهذه عن الكل في الطلاق والنصف والثلث في الأول ، وفي المشبه بها أن تذكر هي أو عضو منها لا يحل النظر إليه على التأبيد إلا أن مع ذكرها ينوي كما سيأتي .

إذا عرفت هذا فعبارته : أعني قوله وكذا إذا شبهها بمن لا يحل له النظر إليها إلى قوله مثل أخته وعمته وأمه من الرضاع ليست جيدة لأن ظاهرها حرمة النظر إلى هؤلاء من الرضاعة ، وإنما المعنى إذا شبهها بجزء لا يحل النظر إليه ، فلو قال أنت علي أو رأسك أو وجهك أو رقبتك أو فرجك أو نصفك أو ثلثك أو سدسك كظهر أمي أو خالتي أو أم زوجتي أو كفرجها أو بطنها أو فخذها أو أليتها كان مظاهرا ، ولو قال يدك أو رجلك أو شعرك أو ظفرك أو سنك أو بطنك أو فخذك أو جنبك أو ظهرك كظهر أمي أو فرجها إلى آخر ما ذكرنا لم يكن مظاهرا لانتفائه من جهة المشبهة ، ولو قال أنت علي أو رأسك إلى آخر ما قلنا كيد أمي أو جنبها إلخ لم يكن ظهارا لانتفائه من جهة المشبه بها لأن هذه الأشياء مما يجوز النظر إليها ومسها بغير شهوة ، وكذا لو قال يدك أو رجلك إلخ علي كيدها أو كرجلها إلخ لم يكن ظهارا لانتفائه من الجهتين ، وإذا أحكمت ملاحظة الأصلين [ ص: 251 ] أخرجت فروعا كثيرة عن تفريق ما جمعناه مثل فرجك كفرج أمي فرجك كفخذ أمي يكون ظهارا بطنك كفرجها لا يكون ظهارا .

ووجه الاعتبار في المشبهة بكون العضو مما يعبر به عن الجملة والجزء الشائع ما أحال عليه في الطلاق لأن المحرمة هنا كالمطلقة هناك وقد بيناه هناك ، وفي المشبه بها بكون العضو مما لا يحل النظر إليه من المحرمة ما ذكره بقوله لأن الظهار ليس إلا تشبيه المحللة إلخ وقد تممناه في أول هذا البحث ( قوله لأنهن ) أي أخته وعمته وأمه من الرضاع في التحريم المؤبد كالأم ، بخلاف قوله أنت علي كظهر عمتك أو أختك لأن حرمتهما ليست على التأبيد بل موقتة بانقطاع عصمته لها . ثم المراد تأبد الحرمة باعتبار وصف لا يمكن زواله فإن المجوسية محرمة على التأبيد . ولو قال كظهر مجوسية لا يكون ظهارا ذكره في الجوامع لأن التأبيد باعتبار دوام الوصف وهو غير لازم لجواز إسلامها ، بخلاف الأمية والأختية وغيرهما .

لا يقال : يرد على اشتراط تأبد الحرمة ما لو ظاهر من امرأته ثم قال لأخرى أنت علي مثل هذه ينوي الظهار فهو مظاهر ولو بعد موتها وبعد التكفير مع أن المظاهر منها ليست محرمة على التأبيد لأن ثبوت الظهار في هذه إنما هو باعتبار تضمن قوله لها أنت علي كظهر أمي لأن تشبيهها بمن قال لها ذلك إنما هو في ذلك ، فالظهار فيها باعتبار خصوص وجه الشبه المراد لا باعتبار نفس التشبيه بها ، وكذا لو كانت امرأة رجل آخر ظاهر زوجها منها فقال أنت علي مثل فلانة ينوي ذلك صح ولو كان بعد موتها . وفي التحفة : لو شبه بامرأة محرمة عليه في الحال وهي ممن تحل له في حالة أخرى مثل أخت امرأته ومثل امرأة لها زوج أو مجوسية أو مرتدة لم يكن مظاهرا لأن النص ورد في الأم وهي محرمة على التأبيد ، وقد علمت أن هذه كنايات فلا تكون ظهارا ولا إيلاء إلا بالنية ، وبعد اشتراط تأبيد الحرمة هل يشترط الإجماع عليها ؟ شرطه في النهاية لتخرج أم المزني بها وبنتها لأنه لو شبهها بهما لم يكن مظاهرا وعزاه إلى شرح الطحاوي ، لكن الخلاف منقول في هذه ، فمنهم من قال عند أبي يوسف يكون مظاهرا خلافا لمحمد بناء على نفاذ حكم الحاكم لو قضى بحلها عند محمد ينفذ خلافا لأبي يوسف .

ومنهم من قال عند أبي حنيفة وأبي يوسف يكون مظاهرا خلافا لمحمد بناء على نفاذ حكم الحاكم بحل نكاحها وعدمه ، فظهر مما نقلنا أن مبنى ثبوت الخلاف في الظهار وعدمه ليس كون الحرمة المؤبدة مجمعا عليها أولا ، بل كونها يسوغ فيها الاجتهاد أولا ، وعدم تسويغ الاجتهاد لوجود الإجماع أو النص الغير المحتمل للتأويل من غير معارضة نص آخر في نظر المجتهد وإن كانت المعارضة ثابتة في الواقع ، ولهذا يختلف في كون المحل يسوغ فيه الاجتهاد وفي نفاذ حكم الحاكم بخلافه ، ولذا فرق في المحيط بوجود النص على الحرمة بالوطء وعدمه حيث قال : لو قبل امرأة أو لمسها بشهوة ثم شبه امرأته ببنتها لا يكون مظاهرا عند أبي حنيفة ، ولا يشبه هذا الوطء لأن حرمته منصوص عليها وحرمة الدواعي غير منصوص عليها .

وفي الدراية : في كظهر أختي من لبن الفحل لا يصير مظاهرا من غير ذكر خلاف مع أنها محرمة على التأبيد ، كأنهم اتفقوا على تسويغ الاجتهاد [ ص: 252 ] فيها مع أن في حرمتها عموم نص { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } وقوله صلى الله عليه وسلم { ليلج عليك أفلح فإنه عمك من الرضاعة } لكن ذلك خص منه ما ذكر في الرضاع .

والثاني : إنما يفيد ثبوت أختية بنت الفحل من غير التي أرضعته بالالتزام ، ومثله ما رأيت لو شبهها بامرأته الملاعن منها لم يكن مظاهرا من غير ذكر خلاف مع أن أبا يوسف يرى تأبد حرمتها لتسويغ الاجتهاد . أما إن أراد من أرضعهما نفس الفحل بأن نزل له لبن فلا إشكال ، لكنه بعيد من عادتهم في إطلاقه ، ولأنه لا أختية هناك أصلا . ومما يشكل ما ذكره في الدراية أيضا نقلا عن شرح القدوري رحمه الله : زنى أبوه بامرأة أو ابنه فشبهها بأمها أو ابنتها يصير مظاهرا عند أبي يوسف رحمه الله ولا ينفذ عنده حكم الحاكم بحلها له .

وعند محمد لا يصير مظاهرا وينفذ حكم الحاكم ، وهذا مشكل لأن غاية أم مزنية الأب والابن أن تكون كأم زوجة الأب والابن ، ولا تحرم أم زوجة الأب على الابن ولا أم زوجة الابن على الأب ، فليس التشبيه هنا بمحرمة ، ولو شبه بظهر أبيه أو قريبه أو بظهر أجنبي لم يكن مظاهرا ، ولو شبهها بفرج أبيه أو قريبه قال في المحيط : ينبغي أن يكون مظاهرا لأن فرجهما في الحرمة كفرج أمه . وفي كافي الحاكم رحمه الله : المرأة لا تكون مظاهرة من زوجها من غير ذكر خلاف . وفي الدراية : لو قالت هي أنت علي كظهر أبي أو أنا عليك كظهر أمك لا يصح الظهار عندنا . وفي المبسوط عن أبي يوسف : عليها كفارة يمين .

وقال الحسن بن زياد : هو ظهار . وقال محمد : ليس بشيء وهو الصحيح . وفي شرح المختار حكى خلاف أبي يوسف ، والحسن على العكس ، وكذا في غيره . وفي الينابيع والروضة كالأول قال : هو يمين عند أبي يوسف ظهار عند الحسن ، ولو ظاهر من امرأته ثم أشرك معها أخرى كان مظاهرا منهما

التالي السابق


الخدمات العلمية