صفحة جزء
[ ص: 448 ] فصل ( ومن ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه ) وهذا اللفظ مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم " من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر " واللفظ بعمومه ينتظم كل قرابة مؤيدة بالمحرمية ولادا أو غيره ، [ ص: 449 ] والشافعي رحمه الله يخالفنا في غيره . له أن ثبوت العتق من غير مرضاة المالك ينفيه القياس أو لا يقتضيه ، والأخوة وما يضاهيها نازلة عن قرابة الولاد فامتنع الإلحاق أو الاستدلال به ، ولهذا امتنع التكاتب على المكاتب في غير الولاد ولم يمتنع فيه . ولنا ما روينا ، ولأنه ملك قريبه قرابة مؤثرة في المحرمية فيعتق عليه ، وهذا [ ص: 450 ] هو المؤثر في الأصل ، والولاد ملغي لأنها هي التي يفترض وصلها ويحرم قطعها حتى وجبت النفقة وحرم النكاح ، [ ص: 451 ] ولا فرق بين ما إذا كان المالك مسلما أو كافرا في دار الإسلام لعموم العلة . والمكاتب إذا اشترى أخاه ومن يجري مجراه لا يتكاتب عليه لأنه ليس له ملك تام يقدره على الإعتاق والافتراض عند القدرة ، بخلاف الولاد لأن العتق فيه من مقاصد الكتابة فامتنع البيع فيعتق تحقيقا لمقصود العقد . وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يتكاتب على الأخ أيضا وهو قولهما قلنا أن نمنع ، وهذا بخلاف ما إذا ملك ابنة عمه وهي أخته من الرضاع لأن المحرمية ما ثبتت بالقرابة والصبي جعل أهلا لهذا العتق ، وكذا المجنون حتى عتق القريب عليهما عند الملك ; لأنه تعلق به حق العبد [ ص: 452 ] فشابه النفقة .


( فصل ) [ ص: 448 ] أعقب العتق الاختياري بالاضطراري ( قوله وهذا اللفظ مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه النسائي عن ضمرة بن ربيعة عن سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) { من ملك ذا رحم محرم عتق عليه } وضعفه البيهقي والنسائي بسبب أن ضمرة انفرد به عن سفيان وصححه عبد الحق ، وقال : ضمرة ثقة ، وإذا أسند الحديث ثقة فلا يضر انفراده به ولا إرسال من أرسله ولا وقف من وقفه ، وصوب ابن القطان كلامه ، وممن وثق ضمرة ابن معين وغيره وإن لم يحتج به في الصحيح .

وأما الحديث الثاني وهو قوله صلى الله عليه وسلم { من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر } فأخرجه أصحاب السنن الأربعة عن حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو داود وغيره : انفرد به عن الحسن عن سمرة ، قال : وقد شك فيه ، فإن موسى بن إسماعيل قال في موضع آخر عن سمرة فيما يحسب حماد ، وقد رواه شعبة مرسلا عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وشعبة أحفظ من حماد انتهى . وفيه مثل ما تقدم من كلام عبد الحق وابن القطان وهو أن رفع الثقة لا يضره إرسال غيره .

ورواه الطحاوي من حديث الأسود عن عمر موقوفا ، وروي من حديث ابن عمر موقوفا وعائشة وعلي بأسانيد ضعيفة . وروى الطحاوي بإسناده إلى سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن المستورد أن رجلا زوج ابن أخيه مملوكته فولدت أولادا فأراد أن يسترق أولادها فأتى ابن أخيه عبد الله بن مسعود فقال : إن عمي زوجني وليدته وأنها ولدت لي أولادا فأراد أن يسترق ولدي ، فقال ابن مسعود : كذب ليس له ذلك .

وفي المبسوط أن ابن عباس قال { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله إني دخلت السوق فوجدت أخي يباع فاشتريته ، وإني أريد أن أعتقه ، فقال صلى الله عليه وسلم [ ص: 449 ] فإن الله قد أعتقه } . ( قوله والشافعي إلخ ) وبقولنا قال أحمد ، وذكر الخطابي في معالم السنن أنه قول أكثر العلماء . وفي الغاية روي ذلك عن عمر وابن مسعود ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة ، وبه قال الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري وحماد والحكم والثوري وابن شبرمة وأبو سلمة والحسن بن حي والليث وعبد الله بن وهب وإسحاق والظاهرية . وقال مالك : يعتق في قرابة الولادة والإخوة والأخوات لا غير .

وفي المبسوط قال داود الظاهري : إذا ملك قريبه لا يعتق بدون الإعتاق لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم { لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه } ولو عتق بنفس الشراء لم يبق لقوله فيعتقه فائدة ، ولأن القرابة لا تمنع ابتداء الملك فلا تمنع بقاءه .

ولنا قوله تعالى { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } ثبت به أن الابنية تنافي العبدية ، فإذا ثبتت الابنية انتفت العبدية والمراد بالنص فيعتقه بذلك الشراء كما يقال أطعمه فأشبعه وسقاه فأرواه ، والتعقيب حاصل إذ العتق يعقب الشراء وإنما أثبتنا له الملك ابتداء لأن العتق لا يحصل قبله بخلاف ملك النكاح لم يثبت ابتداء لأنه لا فائدة في إثباته لاستعقاب البينونة ( قوله : له أن ثبوت العتق من غير مرضاة المالك ) في الولاد ( ينفيه القياس ) على غير القريب من العبيد وعلى سائر الأملاك إذ لا تخرج عن ملك مالكها من غير رضا واختيار ( أو لا يقتضيه ) القياس ولا ينفيه وقد ثبت العتق في الولاد بالنص والإجماع إلا من لا يعتد بخلافه ، والأخوة وما يضاهيها نازلة عن قرابة الولاد فامتنع الإلحاق : أي إلحاق غير الولاد بالولاد بطريق القياس والاستدلال : أي الإلحاق بطريق الدلالة لعدم الأولوية والمساواة ، بل يجب الإلحاق بغير المحارم من القرابات ، فالقرابات ثلاث ولاد وغيره مع المحرمية وعدمها كأبناء الأعمام والعمات وأبناء الأخوال والخالات . ويجب رد المتنازع فيه إلى ما هو أشبه به من قرابتي الولاد وغير المحارم ، وهو بالثاني أشبه حقيقة وحكما ، أما حقيقة فلأن قرابتهم قرابة مجاورة في الرحم ، وقرابة الولاد قرابة بعضية ، وأما الثاني فلأنا رأينا أحكامهم متحدة بغير المحارم في الشهادة والقود وحل الحليلة وامتناع التكاتب فكذا في هذا الحكم ( قوله ولنا ما روينا ) فيضمحل معه جميع المعاني المعينة .

والقياس الصحيح بل دلالة النص تقريره ( ملك قريبه قرابة مؤثرة في المحرمية فيعتق عليه ) كما في الولاد ( وهذا ) أعني كونه قرابة مؤثرة في المحرمية [ ص: 450 ] هو المؤثر في الأصل ) وهو قرابة الولاد : يعني هو الذي تعلق به الحكم فيه والولاد ملغي ، ولو سلم فغاية ما صنع أنه أرانا عدم العلة في الفرع وهو لا يستلزم عدم الحكم فيه لجواز أن يعلل الأصل بأخرى متعدية إلى ما لم يتعد إليه تلك وهي ما عيناه من القرابة المحرمية لأنها قد ظهر أثرها في جنس هذا الحكم وهو دفع ملك النكاح الذي هو أدنى الذلتين ، فلأن يؤثر في دفع أعلاهما وهو ملك الرقبة أولى ، وهذا المسلك من مسالك العلة هو الذي لا نزاع في صحته والنص أيضا يدل على تعيينه وهو ما روينا فإنه يفيد تعليق الحكم بالقرابة المحرمية لما عرف ، وهذا يفيد إلغاء ما عينه ، وقول المصنف ( حتى وجبت النفقة ) إلزام بمختلف فيه لكنه لما ثبت بالدليل وهو قوله تعالى { وعلى الوارث مثل [ ص: 451 ] ذلك } ألزم به غير معتبر خلافه وكأنه ثابت اتفاقا ، وقولهم إن الحديث لم يثبت غير صحيح لثقة الرواة وليس فيه سوى الانفراد بالرفع ، وهو غير قادح لأن الراوي قد يصل وكثيرا ما يرسل ، ومعلوم أنه إذا أرسل فلا بد أن يكون عن واسطة ، وغاية الأمر أنه عين الواسطة مرة وترك أخرى ، ولو كان مرسلا كان من المرسل المقبول .

أما على قول الجمهور وهو قولنا وقول مالك وأحمد فيقبل بلا شرط بعد صحة السند وقد علمت صحته . وأما على قول الشافعي فيقبل إذا عملت الصحابة على وفقه ، وأنت سمعت أن الثابت قول بعض الصحابة ولم يثبت عن غيرهم خلافهم ، فثبت بهذا مشاركة هذه القرابة للولاد في هذا الحكم ، فإن شاركوا غير المحارم في غيره فلا يعارضه اعتبارهم بهم فيه ; لأنه إلحاق بالأشبهية ولا أثر له ، ولو كان صحيحا عنده فالمعنى الذي ظهر أثره في جنس الحكم أولى منه فكيف مع النص على نفس حكم الفرع . ( قوله والافتراض عند القدرة )

جواب عن اعتباره لعدم التكاتب فقال عليه العلة التي عينها الشرع افتراض الوصل ، والافتراض إنما يثبت عند القدرة ، وإنما هي قائمة بالحر والمكاتب عبد لا يقدر على الإعتاق ، والكتابة نوع إعتاق فليس كتابة غير الولاد مما تنتظم كتابته ، بخلاف كتابة الولاد فإنه لكون الجزئية قائمة يدخل ; لأن الكتابة ترد على جميع أجزائه ، على أن عن أبي حنيفة أنه يتكاتب على الأخ وهو قولهما فلنا أن نمنع .

والجواب عن الشهادة والزكاة أن عدم جوازهما في قرابة الولاد باعتبار أنه تمليك من نفسه وشهادة لها من وجه ، وهذا المانع منتف في غير الولاد ( قوله ولا فرق بين ما إذا كان المالك مسلما أو كافرا في دار الإسلام ) وكذا لا فرق بين ما إذا كان العبد مسلما أو كافرا في دار الإسلام لعموم العلة وهي [ ص: 452 ] القرابة المحرمية وقيد بقوله في دار الإسلام لأنه لا حكم لنا في دار الحرب ، فلو ملك قريبه في دار الحرب أو أعتق المسلم قريبه في دار الحرب لا يعتق خلافا لأبي يوسف . وعلى هذا الخلاف إذا أعتق الحربي عبده في دار الحرب ذكر الخلاف في الإيضاح . وفي الكافي للحاكم عتق الحربي في دار الحرب قريبه باطل ولم يذكر خلافا .

أما إذا أعتقه وخلاه قال في المختلف : يعتق عند أبي يوسف وولاؤه له وقال : لا ولاء له ، لكن عتقه بالتخلية لا بالإعتاق فهو كالمراغم ثم قال : المسلم إذا دخل دار الحرب فاشترى عبدا حربيا فأعتقه ثمة القياس أن لا يعتق بدون التخلية ; لأنه في دار الحرب ولا تجري عليه أحكام الإسلام . وفي الاستحسان : يعتق من غير تخلية لأنه لم تنقطع عنه أحكام المسلمين . ولا ولاء له عندهما وهو القياس . وقال أبو يوسف : له الولاء وهو الاستحسان ، وذكر قول محمد مع أبي يوسف في كتاب السير ، وعلى هذا فالجمع بينه وبين ما في الإيضاح أن يراد بالمسلم ثمة الذي نشأ في دار الحرب ، وهنا نص على أنه داخل هناك بعد أن كان هنا فلذا لم تنقطع عنه أحكام الإسلام ، وهذا بخلاف استحقاق النفقة لأنها منوطة بعلة القرابة المورثة بالنص ، فلم يجب مع اختلاف الدين .

التالي السابق


الخدمات العلمية