صفحة جزء
( ومن دخل دار الحرب فارسا فنفق فرسه استحق سهم الفرسان ، ومن دخل راجلا فاشترى فرسا استحق سهم راجل ) وجواب الشافعي على عكسه في الفصلين ، [ ص: 499 ] وهكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة في الفصل الثاني أنه يستحق سهم الفرسان .

والحاصل أن المعتبر عندنا حالة المجاوزة ، وعنده حالة انقضاء الحرب له أن السبب هو القهر والقتال فيعتبر حال الشخص عنده والمجاوزة وسيلة إلى السبب كالخروج من البيت ، وتعليق الأحكام بالقتال يدل على إمكان الوقوف عليه ، ولو تعذر أو تعسر تعلق بشهود الوقعة ; لأنه أقرب إلى القتال .

ولنا أن المجاوزة نفسها قتال لأنه يلحقهم الخوف بها والحال بعدها حالة الدوام [ ص: 500 ] ولا معتبر بها ; ولأن الوقوف على حقيقة القتال متعسر ; وكذا على شهود الوقعة لأن حال التقاء الصفين فتقام المجاوزة مقامه ; إذ هو السبب المفضي إليه ظاهرا إذا كان على قصد القتال فيعتبر حال الشخص بحالة المجاوزة فارسا كان أو راجلا .

ولو دخل فارسا وقاتل راجلا لضيق المكان يستحق سهم الفرسان بالاتفاق ، ولو دخل فارسا ثم باع فرسه أو وهب أو أجر أو رهن ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة يستحق سهم الفرسان اعتبارا للمجاوزة .

وفي ظاهر الرواية يستحق سهم الرجالة لأن الإقدام على هذه التصرفات يدل على أنه لم يكن من قصده بالمجاوزة القتال فارسا .

ولو باعه بعد الفراغ لم يسقط سهم الفرسان ، وكذا إذا باع في حالة القتال عند البعض . والأصح أنه يسقط لأن البيع يدل على أن غرضه التجارة فيه إلا أنه ينتظر عزته


( قوله ومن دخل دار الحرب فارسا فنفق فرسه ) أي هلك فقاتل راجلا ( استحق سهم الفرسان . ومن دخل راجلا فاشترى ) في دار الحرب ( فرسا ) فقاتل فارسا عليه ( استحق سهم راجل ، وجواب الشافعي على عكسه ) [ ص: 499 ] في الفصلين ( وهكذا روى ابن المبارك في الفصل الثاني عن أبي حنيفة ) أي فيما إذا دخل راجلا فاشترى فرسا فقاتل عليه أن له سهم فارس ، وظاهر المذهب الأول ( والحاصل أن المعتبر عندنا حالة المجاوزة ) أي مجاوزة الدرب وهو الحد الفاصل بين دار الإسلام ودار الحرب ( وعنده حال الحرب . له أن السبب ) في استحقاق الغنيمة إذا وجدت ( هو قتلاه فيعتبر حال الشخص ) المستحق ( عنده ) دون المجاوزة ; لأنها إنما هي ( وسيلة إلى السبب ) أي العلة الحقيقية ( كالخروج من البيت ) لقصد القتال في دار الحرب فإنه وسيلة إلى السبب ، وحالة الغازي عند ذلك بالاتفاق لا تعتبر ، فكذا عند المجاوزة .

والدليل على أن المعتبر حال القتال تعلق الأحكام به الراجعة إلى استحقاق الغنيمة اتفاقا فيما إذا قاتل الصبي أو العبد أو غيرهما فإنهم يستحقون الرضخ ، فظهر اعتباره شرعا في حق استحقاقه الغنيمة ، وأنه غير متعذر ( ولو تعذر أو تعسر فبشهود الوقعة لأنه أقرب إلى القتال ) من المجاوزة ( ولنا أن المجاوزة نفسها من القتال ; لأنهم يلحقهم الخوف بها ) والإغاظة ، ( والحال بعدها حال بقاء القتال ) إلا أنه تنوع القتال إلى [ ص: 500 ] المجاوزة إلى دراهم ، وسلوكهم قهرا بالمنعة لإهلاكهم وإلى حقيقة المسايفة ( ولا معتبر بحال الدوام ، ولأن الوقوف على حقيقة القتال متعسر ، وكذا على شهود الوقعة لأن حال ) شغل شاغل لكل أحد فيتعذر على الإمام استعلامه بنفسه أو بشهادة العدل به لكل فرد فسقط اعتباره ، بخلافه في حق أفراد قليلة من الناس كقتال الصبي والعبد فأدير في حقهم عليه دون سائر الناس فيقام في حق الكل السبب المفضي إلى القتال ظاهر مقامه فيكون هو المعتبر في حق العامة .

وأما ما قيل في التعذر بأن الشهادة من أهل العسكر لا تقبل للتهمة فليس بصحيح ، بل يجب قبولها ; لأن الشاهد على أن هذا قاتل فارسا لا يجر بذلك نفعا لنفسه بل ضررا فإنه ينقص سهم نفسه فهو يلزم نفسه أولا الضرر ، وشركته في أصل المغنم ليست متوقفة على شهادته هذه ; ألا يرى إلى ما في الحديث من قول أبي قتادة : من يشهد لي حيث جعل عليه الصلاة والسلام السلب للقاتل في حنين ؟ فشهد له واحد فأعطاه إياه ، وقال عليه الصلاة والسلام { من قتل قتيلا له عليه بينة } ولا بينة إلا أهل العسكر من المقاتلة خصوصا في غزواته عليه الصلاة والسلام ( ولو دخل فارسا وقاتل راجلا لضيق المكان ) أو لمشجرة أو لأنه في سفينة دخل فيها بفرسه ليقاتل عليها إذا خلص إلى برهم فلاقوهم قبله واقتتلوا في السفينة كان لهم سهم الفرسان ( ولو دخل فارسا ثم باع فرسه أو وهبه ) وسلمه ( أو أجره أو رهنه ففي رواية الحسن يستحق سهم الفرسان اعتبارا للمجاوزة وفي ظاهر المذهب لا يستحقه لأن الإقدام على هذه التصرفات يدل على أنه لم يقصد بالمجاوزة )

بالفرس ( القتال ) عليه بل التجارة به ، وسبب استحقاق سهم الفارس هو المجاوزة على قصد القتال عليه لا مطلق المجاوزة ( ولو باعه بعد الفراغ من القتال لا يسقط سهم الفارس ) بالاتفاق ( وكذا إذا باعه حالة القتال ) لا يسقط ( عند البعض ) قال المصنف ( الأصح أنه يسقط ) لأنه ظهر أن قصده التجارة وإنما انتظر حالة العزة . وعورض بأن تلك الحالة حالة المخاطرة بالنفس فلم يكن البيع دليلا على قصد التجارة لأن تلك الحالة طلب النفس التحصن ، فبيعه فيها دليل أنه عن له غرض الآن فيه ، إما لأنه وجده غير موافق له فربما يقتله لعدم أدبه أو غير ذلك ، ولأن العادة ليس هو البيع وغيره من العقود حالة القتال ليكون بيعه إذ ذاك انتظارا لحالة الرغبات في الشراء .

وفي المحيط : لو جاوز بفرس لا يستطيع القتال عليه لكبره أو ضعفه أو هزاله لا يستحق سهم الفرسان ، وإن كان الفرس مريضا فعلى التفصيل المذكور فيه ، ولو جاوز على فرس مغصوب أو مستعار أو مستأجر ثم استرده المالك فشهد الوقعة راجلا ففيه روايتان : [ ص: 501 ] في رواية له سهم فارس ، وفي رواية سهم راجل . ومقتضى كونه جاوز بفرس لقصد القتال عليه ترجح الأولى ، إلا أن يزاد في أجزاء السبب بفرس مملوك وهو ممنوع ، فإنه لو لم يسترده المعير وغيره حتى قاتل عليه كان فارسا

التالي السابق


الخدمات العلمية