صفحة جزء
[ ص: 346 ] ( وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة ) وعن أبي يوسف رحمه الله أقرؤهم لأن القراءة لا بد منها ، والحاجة إلى العلم إذا نابت نائبة ، ونحن نقول القراءة مفتقر إليها لركن واحد والعلم لسائر الأركان [ ص: 347 ] ( فإن تساووا فأقرؤهم ) لقوله عليه الصلاة والسلام { يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى . فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة } [ ص: 348 ] وأقرؤهم كان أعلمهم لأنهم يتلقونه بأحكامه فقدم في الحديث ، ولا كذلك في زماننا فقدمنا الأعلم [ ص: 349 ] ( فإن تساووا فأورعهم ) لقوله عليه الصلاة والسلام { من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي } فإن تساووا فأسنهم لقوله عليه الصلاة والسلام لابني أبي ملكية { وليؤمكما أكبركما سنا } ولأن في تقديمه تكثير الجماعة .


( قوله { يؤم القوم } ) الحديث . أخرجه الجماعة إلا البخاري ، واللفظ لمسلم { يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلاما ، ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه } قال الأشج في روايته مكان إسلاما سنا ، ورواه ابن حبان والحاكم إلا أن الحاكم قال عوض { فأعلمهم بالسنة } { فأفقههم فقها ، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنا } وهي لفظة غريبة وإسنادها صحيح . واختلف المشايخ في الاختيار : منهم من اختار قول أبي يوسف ، ومنهم كالمصنف من [ ص: 348 ] اختار قول أبي حنيفة ومحمد رحمهم الله ، وهو أن الأعلم أولى بعد كونه يحسن القراءة المسنونة ، وجعل المصنف هذا الحديث دليلا للمختار عنده بناء على أن الأقرأ كان أعلم لتلقيهم القرآن بأحكامه ونظر فيه برواية الحاكم ، ولو صح فإنما مفاده أن الأقرأ أعلم بأحكام الكتاب فصار الحاصل يؤم القوم أقرؤهم : أي أعلمهم بالقراءة وأحكام الكتاب فإنهما متلازمان على ما ادعى ، وإن كانوا في القراءة والعلم بأحكام الكتاب سواء فأعلمهم بالسنة ، وهذا أولا يقتضي في رجلين أحدهما متبحر في مسائل الصلاة والآخر متبحر في القراءة وسائر العلوم ومنها أحكام الكتاب أن التقدمة للثاني لكن المصرح به في الفروع عكسه بعد إحسان القدر المسنون ، والتعليل الذي ذكره المصنف يفيده حيث قال : لأن العلم يحتاج إليه في سائر الأركان ، والقراءة لركن واحد . وثانيا يكون النص ساكتا عن الحال بين من انفرد بالعلم عن الأقرئية بعد إحسان المسنون ، ومن انفرد بالأقرئية عن العلم لا كما ظن المصنف ، فإنه لم يقدم الأعلم مطلقا في الحديث على ذلك التقدير ، بل من اجتمع فيه الأقرئية والأعلمية ، اللهم إلا أن يدعي أنه أراد بلفظ الأقرإ الأعلم فقط : أي ليس بأقرأ فيكون مجازا خلاف الظاهر ، بل الظاهر أنه أراد الأقرأ غير أن الأقرأ يكون أعلم باتفاق الحال إذ ذاك فأما المنفرد بالأقرئية والمنفرد بالأعلمية فلم يتناولهما النص فلا يجوز الاستدلال به على الحال بينهما كما فعل المصنف . فإن قيل : فليكن أراد الأقرأ لكنه معلل بكونه أعلم فيفيد في محل النزاع . فالجواب أنه لو سلم فإنما يكون معللا بأعلمية أحكام الكتاب دون السنة والاتفاق على أنه ليس كذلك ، إذ المقصود الأعلمية بأحكام الصلاة على ما نقلناه ، ويشير إليه تعليل المصنف وهي لا تستفاد من الكتاب بل من السنة أرأيت ما يفسد الصلاة وما يكره فيها على كثرة شعبه ومسائل الاستخلاف يعرف ذلك من الكتاب أم من السنة ، وليس تتضمن الأقرئية التعليل بالأعلمية بالسنة ، ألا يرى أنه قال بعده { فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة } ولذا استدل به جماعة لأبي يوسف ، واستدلوا لمختار المصنف بما أخرجه الحاكم { يؤم القوم أقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأفقههم في الدين ، فإن كانوا في الفقه سواء فأقرؤهم للقرآن ، ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه } وسكت عنه وهو معلول بالحجاج بن أرطاة . والحق أن عبارتهم فيه لا تفحش ، ولكن لا تقوى قوة حديث أبي يوسف . وأحسن ما يستدل به لمختار المصنف حديث { مروا أبا بكر فليصل بالناس } وكان ثمة من هو أقرأ منه لا أعلم . دليل الأول قوله صلى الله عليه وسلم { أقرؤكم أبي } ودليل الثاني قول أبي سعيد : كان أبو بكر أعلمنا ، وهذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون المعول عليه . وفي المجتبى : [ ص: 349 ] فإن استويا في العلم وأحدهما أقرأ فقدموا غيره أساءوا ولا يأثمون ( قوله فأورعهم ) الورع اجتناب الشبهات . والتقوى : اجتناب المحرمات ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالحديث . وروى الحاكم عنه صلى الله عليه وسلم { إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم } فإن صح وإلا فالضعيف غير الموضوع يعمل به في فضائل الأعمال ، ثم محله ما بعد التساوي في العلم والقراءة ، والذي في حديث الصحيح بعدهما التقديم بأقدمية الهجرة ، وقد انتسخ وجوب الهجرة فوضعوا مكانها الهجرة عن الخطايا ، وفي حديث { والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب } إلا أن يكون أسلم في دار الحرب فإنه تلزمه الهجرة إلى دار الإسلام ، فإذا هاجر فالذي نشأ في دار الإسلام أولى منه إذا استويا فيما قبلها ، وكذا إذا استويا في سائر الفضائل ، إلا أن أحدهما أقدم ورعا قدم ، وحديث { وليؤمكما أكبركما } تقدم في باب الأذان ، فإن كانوا سواء في السن فأحسنهم خلقا ، فإن كانوا سواء فأشرفهم نسبا ، فإن كانوا سواء فأصبحهم وجها . وفسر في الكافي حسن الوجه بأن يصلي بالليل كأنه ذهب إلى ما روي عنه صلى الله عليه وسلم { من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار } والمحدثون لا يثبتونه ، والحديث في ابن ماجه عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن ثابت بن موسى الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا { من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار } قال أبو حاتم : كتبته عن ثابت فذكرته لابن نمير فقال الشيخ : يعني ثابتا لا بأس به ، والحديث منكر . قال أبو حاتم : والحديث موضوع . وقال الحاكم : دخل ثابت بن موسى على شريك بن عبد الله القاضي والمستملي بين يديه وشريك يقول : حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر المتن ، فلما نظر إلى ثابت بن موسى قال { من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار } وإنما أراد ثابتا لزهده وورعه فظن ثابت أنه متن ذلك السند فكان يحدث به بذلك السند ، وإنما هو قول شريك ، ومنهم من جعله من قول شريك عقب ذكر متن ذلك السند وهو { يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم } الحديث الثابت . فأدرجه ثابت وجميع المحدثين على بطلانه ، ثم إن استووا في الحسن فأشرفهم نسبا ، فإن كانوا سواء في هذه كلها أقرع بينهم أو الخيار إلى القوم . واختلف في المسافر والمقيم قيل هما سواء ، وقيل المقيم أولى . وفي الخلاصة : رجل يصلح للإمامة يؤم أهل محلة غير محلته في رمضان ينبغي أن يخرج إلى تلك المحلة قبل وقت العشاء ، فلو ذهب بعده كره كما يكره السفر بعد دخول وقت الجمعة ، وفيها في موضع آخر : إن كان الإمام يتنحنح عند [ ص: 350 ] القراءة ، إن لم يكن كثيرا لا بأس به ، وإن كثر فغيره أولى منه إلا أن يكون يتبرك بالصلاة خلفه فهو أفضل

التالي السابق


الخدمات العلمية