صفحة جزء
[ ص: 400 ] ( باب البيع الفاسد ) .


( باب البيع الفاسد ) البيع جائز وغير جائز ، والجائز ثلاثة أنواع : بيع الدين بالعين وهو السلم ، وبيع العين بالعين وهو المقايضة ، وبيع العين بالدين وهو البيع المطلق . وغير الجائز ثلاثة أنواع : باطل وفاسد وهو بيع ما ليس بمال الخمر والمدبر والمعلوم كالسمن في اللبن ، وغير مقدور التسليم كالآبق وموقوف . حصره في الخلاصة في خمسة عشر : بيع العبد والصبي المحجورين : أي موقوف على إجازة المولى والأب أو الوصي ، وبيع غير الرشيد موقوف على إجازة القاضي [ ص: 401 ] وبيع المرهون والمستأجر وما في مزارعة الغير يتوقف على إجازة المرتهن والمستأجر والمزارع ، فلو تفاسخا الإجارة أو رد الرهن لوفاء أو إبراء لزمه أن يسلمه للمشتري ، وكذا بيع البائع المبيع بعد القبض من غير المشتري يتوقف على إجازة المشتري وقبل القبض في المنقول لا ينعقد أصلا حتى لو تفاسخا لا ينفذ ، وفي العقار على الخلاف المعروف . وبيع المرتد عند أبي حنيفة والبيع برقمه وبما باع فلان والمشتري لا يعلم موقوف على العلم في المجلس ، وبيع فيه خيار المجلس وبمثل ما يبيع الناس وبمثل ما أخذ به فلان ، وبيع المال المغصوب ذكره محمد إن أقر الغاصب أو جحد وللمغصوب منه بينة ثم البيع وبيع مال الغير . ولنتمم ما يتعلق بالمرهون والمستأجر والمغصوب : ذكر أنه إذا رجع الرهن والمستأجر إلى الراهن والمؤجر بفسخ أو بغيره يتم البيع ، وكذا إذا أجاز المستأجر والمرتهن ، فإن لم يجيزا وطلب المشتري من الحاكم فسخ العقد فسخه ، وللمشتري الخيار إذا لم يعلم الرهن والإجارة وقت البيع ، وكذا إن علم عند محمد . وعند أبي يوسف إن علم ليس له حق الفسخ فقيل ظاهر الرواية قول محمد ، وقيل بل قول أبي يوسف ، وليس للمستأجر حتى فسخ البيع بلا خلاف . وفي المرتهن خلاف المشايخ ، وليس للراهن والمؤجر حتى الفسخ ، ولو هلك المغصوب قبل التسليم انتقض البيع وهو الأصح ، وقيل لا لأنه أخلف بدلا . وروى بشر عن محمد وابن سماعة عن أبي يوسف أنه يجوز ويقوم المشتري مقام المالك في الدعوى . وعن أبي حنيفة روايتان ، وتقدم أن المزارعة والإجارة سواء : أعني سواء كان البذر منه أو لا ، فإن أجاز فلا أجر لعمله . وفي النوازل : فلو أجاز المزارع فكلا النصيبين للمشتري وكذا في الكرم ، وإن كانت الأرض فارغة في المزارعة ولم تظهر الثمار في الكرم جاز البيع ، وبه أخذ المرغيناني ذكره في المجتبى . ثم وجه تقديم الصحيح عن الفاسد أنه الموصل إلى تمام المقصود ، فإن المقصود سلامة الدين التي لها شرعت العقود وليندفع التغالب والوصول إلى دفع الحاجة الدنيوية وكل منهما بالصحة . وأما الفاسد فعقد مخالف للدين ، ثم إنه وإن أفاد الملك وهو مقصود في الجملة لكن لا يفيد تمامه إذ لم ينقطع به حق البائع من المبيع ولا المشتري من الثمن إذ لكل منهما الفسخ بل يجب عليه ثم لفظ الفاسد في قوله باب البيع الفاسد . وفي قوله إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرما فالبيع فاسد مستعمل في الأعم من الفاسد والباطل ، فالشارحون على أن ذلك الفاسد أعم من الباطل لأن الفاسد غير المشروع بوصفه بل بأصله ، والباطل غير المشروع بواحد منهما ، ولا شك أنه يصدق على غير المشروع بواحد منهما أنه غير مشروع بوصفه ، وهذا يقتضي أن يقال حقيقة على الباطل ، لكن الذي يقتضيه كلام أهل الفقه والأصول أنه يباينه ، فإنهم قالوا : إن حكم الفاسد إفادة الملك بطريقه والباطل لا يفيده أصلا فقابلوه به وأعطوه حكما يباين حكمه وهو دليل تباينهما ، وأيضا فإنه مأخوذ في مفهومه أو لازم له أنه مشروع بأصله لا وصفه . وفي الباطل غير مشروع بأصله فبينهما تباين ، فإن المشروع بأصله وغير المشروع بأصله متباينان فكيف يتصادقان . اللهم إلا أن يكون لفظ الفاسد مشتركا بين الأعم والأخص المشروع بأصله لا بوصفه في العرف ، لكن نجعله مجازا عرفيا في الأعم ; لأنه خير من الاشتراك وهو حقيقة فيه باعتبار المعنى اللغوي ، ولذا يوجه بعضهم الأعمية بأنه يقال للحم إذا صار بحيث لا ينتفع به للدود والسوس بطل اللحم ، وإذا أنتن وهو بحيث ينتفع به فسد اللحم فاعتبر معنى اللغة ، ولذا أدخل بعضهم أيضا [ ص: 402 ] في البيع الفاسد بشمولها المكروه ; لأنه فائت وصف الكمال بسبب وصف مجاور ثم الفاسد بالمعنى الذي يعم الباطل يثبت بأسباب منها الجهالة المفضية إلى المنازعة في المبيع أو الثمن ; فخرج نحو جهالة كمية قفزان الصبرة وعدد الدراهم فيما إذا بيع صبرة طعام بصبرة دراهم وبعدم ملك المبيع للبائع ، والفساد بمعنى البطلان إلا في السلم أو مع الملك لكن قبل قبضه . ومنها العجز عن التسليم أو التسلم إلا بضرر كجذع من سقف . ومنها الغرر كضربة القانص والشرط الفاسد ، بخلاف الصحيح ، وتدخل فيه صفقتان في صفقة كبيعه كذا على أن يبيعه كذا ، والاتباع مقصود كحبل الحبلة تدخل في عدم الملك ، وبيع الأوصاف كألية شاة حية يرجع إلى ما في تسليمه ضرر إذ لا يمكن شرعا إلا بذبحها إذ في قطعها حية عجز عن التسليم ; لأنها تصير ميتة يبطل بيعها ، وكون البيع من البائع بما هو من جنس ثمن المبتاع به وهو أقل منه قبل نقد الثمن ، وعدم التعيين في بيع كبيع هذا بقفيز حنطة أو شعير مستدرك لدخوله في جهالة الثمن ( قوله إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرما فالبيع فاسد كالبيع بالميتة والدم والخنزير والخمر ، وكذا إذا كان ) أحدهما ( غير مملوك كالحر ) هذا لفظ القدوري ، وقد ذكرنا آنفا أن لفظ فاسد يراد به ما هو أعم من الباطل ; لأن أحد العوضين يصدق على كل من المبيع ، والثمن إما حقيقة أو تغليبا كما قيل بناء على أن العوض خاص بالمبيع ; لأنه يراد [ ص: 403 ] به المعوض ، ولا شك أن المبيع إذا كان محرما لا يصح ، فإن كان مالا فالبيع باطل كالخمر ، وكذا الثمن إذا كان محرما ميتة فهو باطل ، فلذا قال المصنف رحمه الله ( هذه فصول جمعها ) أي في حكم واحد وهو الفساد ( والواقع أن فيها تفصيلا ) يعني ليس كلها فاسدا ، فإن منها ما هو باطل وهذا مما يبين لك أن المعروف في عرف فقهائنا التباين بين الباطل والفاسد ، فإن الأعم لا ينفى عن الأخص قال ( فنقول : البيع بالميتة والدم باطل ) لا فاسد بإجماع علماء الأمصار ( وكذا بالحر ) بأن يجعل الميتة والحر ثمنا لثوب مثلا ، وذلك ( لانعدام ركن البيع الذي هو مبادلة المال بالمال ، فإن هذه الأشياء لا تعد مالا عند أحد ) يعني ممن له دين سماوي فلذا كان البيع بالحر باطلا وإن كان مالا عند بعض الناس

التالي السابق


الخدمات العلمية