صفحة جزء
[ ص: 476 ] ( فصل فيما يكره ) .

قال ( ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش ) وهو أن يزيد في الثمن ولا يريد الشراء ليرغب غيره وقال { لا تناجشوا } [ ص: 477 ] قال ( وعن السوم على سوم غيره ) قال عليه الصلاة والسلام { : لا يستم الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه } ; ولأن في ذلك إيحاشا وإضرارا ، وهذا إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ ثمنا في المساومة ، فأما إذا لم يركن أحدهما إلى الآخر فهو بيع من يزيد ولا بأس به على ما نذكره ، وما ذكرناه محمل النهي في النكاح أيضا . قال ( وعن تلقي الجلب ) وهذا إذا كان يضر بأهل البلد فإن كان لا يضر فلا بأس به ، إلا إذا لبس السعر على الواردين فحيث يكره لما فيه من الغرور والضرر .


[ ص: 476 ] ( فصل فيما يكره ) لما كان دون الفاسد أخره عنه ، وليس المراد بكونه دونه في حكم المنع الشرعي بل في عدم فساد العقد ، وإلا فهذه الكراهات كلها تحريمية لا نعلم خلافا في الإثم . ومقتضى النظر عندي أن يكون على أصولنا الشراء على سوم الآخر بشرطه ، والحاضر للبادي في القحط والإضرار فاسدا ، وتلقي الجلب إذا لبس باطلا أو يثبت له الخيار ، وهذا لأن النهي مطلقه للتحريم إلا لصارف .

وهذه المعاني المذكورة سببا للنهي تؤكد المنع لا تصرفه عنه ، فإن في اعتراض الرجل على سوم الآخر بعد الركون وطيب نفس البائع بالمسمى إثارة للعداوة والبغضاء كالخمر والميسر فيحرم ذلك ، وشراء ما جيء به في زمن الحاجة ليغالي على الناس ضرر عام للمسلمين وأهل الذمة فيحرم ، وكذا البيع من القادمين مع حاجة المقيمين فإنه لم يرض بالثمن المذكور إلا على تقدير كونه سعر البلد فيجب أن يكون غير منعقد لعدم الرضا به كقول مالك ، أو منعقدا ويثبت له خيار الفسخ كقول الشافعي ، وكون الوصف مجاورا أو لازما لا ينفي ما ذكرنا إذ الاصطلاحات لا تنفي المعاني الحقيقة المقتضية للبطلان أو الفساد ، على أن معنى الفساد ليس إلا كون العقد مطلوب التفاسخ للمعصية بمباشرة المنهي عنه ويملك البدل منه بالقبض ، وتأخر الملك إلى القبض ليس إلا لوجوب رفع المعصية برفعه ، ويجب في هذه البياعات ذلك كله غير أنه لما كان المنع بأخبار الآحاد الظنية سموه مكروها على اصطلاحنا ، ولما كان الركن وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي ثابتا جعلته فاسدا ( قوله { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش } ، وهو أن يزيد في الثمن ولا يريد الشراء ليرغب غيره ) بعدما بلغت قيمتها فإنه تغرير للمسلم ظلما ، فأما إذا لم تكن بلغت قيمتها فزاد القيمة لا يريد الشراء فجائز ; لأنه نفع مسلم من غير إضرار بغيره إذ كان شراء الغير بالقيمة .

( قال صلى الله عليه وسلم { لا تناجشوا } ) في الصحيحين من [ ص: 477 ] حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تلقوا الركبان للبيع ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، ولا تناجشوا ، ولا يبع حاضر لباد } والنجش بفتحتين ويروى بسكون الجيم ( قوله وعن السوم ) أي ونهى عن السوم في حديث ابن عمر في الصحيحين في لفظ { لا يبع الرجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له } وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تلقي الركبان إلى أن قال { وأن يستام الرجل على سوم أخيه } وعرفت مثيره وهو ما فيه من الإيحاش والإضرار ، وشرطه وهو أن يتراضيا بثمن ويقع الركون به فيجيء آخر فيدفع للمالك أكثر أو مثله غير أنه رجل وجيه فيبيعه منه لوجاهته .

وأما صورة البيع على بيع أخيه بأن يتراضيا على ثمن سلعة فيجيء آخر فيقول أنا أبيعك مثل هذه السلعة بأنقص من هذا الثمن فيضر بصاحب السلعة فظهر تصوير البيع على بيع أخيه والسوم على سوم أخيه والوارد فيهما حديثان فلا حاجة إلى جعل لفظ البيع في قوله صلى الله عليه وسلم { لا يبع أحدكم على بيع أخيه } جامعا للبيع والشراء مجازا ، إنما يحتاج إلى ذلك لو لم يرد حديث الاستيام ، وكذا محله في الخطبة ، فإن لم يتراضيا فهو بيع من يزيدوا ولا بأس به كما سنذكر ( قوله وعن تلقي الجلب ) في الصحيحين عن عبد الله بن عباس : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد } . قال : لا يكون له سمسارا .

وللتلقي صورتان : إحداهما أن يتلقاهم المشترون للطعام منهم في سنة حاجة ليبيعوه من أهل البلد بزيادة ، وثانيتهما أن يشتري منهم بأرخص من سعر البلد وهم لا يعلمون بالسعر ، ولا خلاف عند الشافعية أنه إذا خرج إليهم لذلك أنه يعصى ، أما لو لم يقصد ذلك بل اتفق أن خرج فرآهم فاشترى ففي معصيته قولان أظهرهما عندهم يعصي ، والوجه لا يعصي إذا لم يلبس .

وعندنا محمل النهي إذا كان يضر بأهل البلد أو لبس ، أما إذا لم يضر ولم يلبس فلا بأس

التالي السابق


الخدمات العلمية