صفحة جزء
[ ص: 20 ] قال ( ويجوز بيع البيضة بالبيضتين والتمرة بالتمرتين والجوزة بالجوزتين ) لانعدام المعيار فلا يتحقق الربا .

والشافعي يخالفنا فيه لوجود الطعم على ما مر .

قال ( ويجوز بيع الفلس بالفلسين بأعيانهما ) عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وقال محمد : لا يجوز لأن الثمنية تثبت باصطلاح الكل فلا تبطل باصطلاحهما ، وإذا بقيت أثمانا لا تتعين فصار كما إذا كان بغير أعيانهما وكبيع الدرهم بالدرهمين .

[ ص: 21 ] ولهما أن الثمنية في حقهما تثبت باصطلاحهما إذ لا ولاية للغير عليهما فتبطل باصطلاحهما وإذا بطلت الثمنية تتعين بالتعيين ولا يعود وزنيا لبقاء الاصطلاح على العد إذ في نقضه في حق العد فساد العقد فصار كالجوزة بالجوزتين [ ص: 22 ] بخلاف النقود لأنها للثمنية خلقة ، وبخلاف ما إذا كانا بغير أعيانهما لأنه كالئ بالكالئ وقد نهي عنه ، وبخلاف ما إذا كان أحدهما بغير عينه لأن الجنس بانفراده يحرم النساء .


( قوله ويجوز بيع البيضة بالبيضتين والتمرة بالتمرتين ) إلى آخره ومبنى ذلك سبق وهو ظاهر ، غير أن ذلك كله مشروط بكونه يدا بيد ، أو هي من مسائل الجامع الصغير . صورتها فيه : محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة في بيع بيضة ببيضتين وجوزة بجوزتين وفلس بفلسين وتمرة بتمرتين يدا بيد جاز [ ص: 21 ] إذا كان بعينه وليس كلاهما ولا أحدهما دينا . وصوره أربع : أن يبيع فلسا بغير عينه بفلسين بغير أعيانهما لا يجوز لأن الفلوس الرائجة أمثال متساوية قطعا لاصطلاح الناس على سقوط قيمة الجودة منها فيكون أحدهما فضلا خاليا مشروطا في العقد وهو الربا .

وأن يبيع فلسا بعينه بفلسين بغير عينهما لا يجوز ، وإلا أمسك البائع الفلس المعين وطالبه بفلس آخر . أو سلم الفلس المعين وقبضه بعينه منه مع فلس آخر لاستحقاقه فلسين في ذمته فيرجع إليه عين ماله ويبقى الفلس الآخر خاليا عن العوض .

وكذا لو باع فلسين بأعيانهما بفلس بغير عينه ، لأنه لو جاز لقبض المشتري الفلسين ودفع إليه أحدهما مكان ما استوجب عليه فيبقى الآخر فضلا بلا عوض استحق بعقد البيع ، وهذا على تقدير إن رضي بتسليم المبيع قبل قبض الثمن . والرابع أن يبيع فلسا بعينه بفلسين بعينهما فيجوز خلافا لمحمد . وأصله أن الفلس لا يتعين بالتعيين ما دام رائجا عند محمد ، وعندهما يتعين ، حتى لو هلك أحدهما قبل القبض بطل العقد . وجه قول محمد أن الثمنية ثبتت باصطلاح الكل فلا تبطل باصطلاحهما وإذا بقيت أثمانا لا تتعين فصار كما لو كانا بغير عينهما وكبيع [ ص: 22 ] الدرهم بالدرهمين .

ولهما أن ثمنيتها في حقهما ثبتت باصطلاحهما إذ لا ولاية للغير عليهما فتبطل باصطلاحهما ، وإذا بطلت الثمنية تعينت بالتعيين لصيرورتها عروضا . اعترض عليه بأن الفلوس إذا كسدت باصطلاح الكل لا تكون ثمنا باصطلاح المتعاقدين فيجب أن لا تصير عروضا باصطلاح المتعاقدين مع اتفاق من سواهما على ثمنيتها . أجيب بأن الفلوس في الأصل عروض ، فاصطلاحهما على الثمنية بعد الكساد كان على خلاف الأصل فلا يجوز أن تصير ثمنا باصطلاحهما لوقوع اصطلاحهما على خلاف الأصل وخلاف الناس .

وأما إذا اصطلحا على كونها عروضا فهو على الأصل فيجوز وإن كان من سواهما على الثمنية . وقوله ولا يعود وزنيا وإن صار عروضا ، جواب عما يقال يلزم أن لا يجوز بيع فلس بفلسين لأنه حينئذ بيع قطعة نحاس بقطعتين بغير وزن .

فأجاب بأن الاصطلاح كان على أمرين : الثمنية والعددية ، واصطلاحهما على إهدار ثمنيتها لا يستلزم إهدار العددية ، فإنه لا تلازم بين عدم الثمنية وعدم العددية بعد ثبوت الثمنية مع عدم العددية كالنقدين والعددية مع عدم الثمنية كالجوز والبيض ، بخلاف الدرهم بالدرهمين لأن النقود للثمنية خلقة ، وبخلاف ما إذا كانا بغير عينهما لأنه بيع الكالئ بالكالئ وقد نهي عنه ، ولا يخفى ضعف قوله لأن الجنس بانفراده يحرم النساء ، وإنما يتم لو كان كون المبيع أو الثمن بغير عينه يستلزم النسيئة وليس كذلك ; ألا ترى أن البيع بالنقود بيع بما ليس بمعين ويكون مع ذلك حالا فكونه بغير عينه ليس معناه نسيئة ، وبخلاف ما إذا كان أحدهما بغير عينه لأن الجنس بانفراده يحرم النساء ، والكالئ بالكالئ قال أبو عبيدة : هو النسيئة بالنسيئة .

وفي الفائق : كلأ الدين بالرفع كلأ فهو كالئ إذا تأخر . قال الشاعر :

وعينه كالكالئ الضمار

يهجو رجلا يريد بعينه عطيته الحاضرة كالمتأخر الذي لا يرجى ، ومنه كلأ الله بك أكلأ العمر : أي أكثره تأخيرا ، وتكلأت كلأ : أي استنسأت نسيئة .

وحديث النهي عن الكالئ بالكالئ رواه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والبزار في مسانيدهم من حديث موسى بن عبيدة بن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع كالئ بكالئ } وضعفه أحمد بن حنبل بموسى بن عبيدة فقيل له إن شعبة يروي عنه ، فقال : لو رأى شعبة ما رأينا منه لم يرو عنه . ورواه عبد الرزاق عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي عن عبد الله بن دينار وضعف بالأسلمي . ورواه الحاكم والدارقطني عن موسى بن عتبة عن نافع عن ابن عمر وصححه الحاكم على شرط مسلم ، وغلطهما البيهقي وقال : إنما هو موسى بن عبيدة الزبيدي .

ورواه الطبراني من حديث رافع بن خديج في حديث طويل وعن كالئ بكالئ . والحديث لا ينزل عن [ ص: 23 ] الحسن بلا شك

التالي السابق


الخدمات العلمية