صفحة جزء
. قال ( وتبطل الوكالة بموت الموكل وجنونه جنونا مطبقا ولحاقه بدار الحرب مرتدا ) [ ص: 141 ] لأن التوكيل تصرف غير لازم فيكون لدوامه حكم ابتدائه فلا بد من قيام الأمر وقد بطل بهذه العوارض ، وشرط أن يكون الجنون مطبقا لأن قليله [ ص: 142 ] بمنزلة الإغماء ، وحد المطبق شهر عند أبي يوسف اعتبارا بما يسقط به الصوم . وعنه أكثر من يوم وليلة لأنه تسقط به الصلوات الخمس فصار كالميت . وقال محمد : حول كامل لأنه يسقط به جميع العبادات فقدر به احتياطا . قالوا : الحكم المذكور في اللحاق قول أبي حنيفة لأن تصرفات المرتد موقوفة عنده فكذا وكالته [ ص: 143 ] فإن أسلم نفذ ، وإن قتل أو لحق بدار الحرب بطلت الوكالة ، فأما عندهما تصرفاته نافذة فلا تبطل وكالته إلا أن يموت أو يقتل على ردته أو يحكم بلحاقه وقد مر في السير


( قال ) أي القدوري في مختصره ( وتبطل الوكالة بموت الموكل وجنونه جنونا مطبقا ) بالباء المسكورة : أي دائما ، ومنه الحمى المطبقة : أي الدائمة التي لا تفارق ليلا ولا نهارا ، وقيل مطبقا : أي مستوعبا ، من أطبق الغيم السماء ، إذا استوعبها ( ولحاقه ) بفتح اللام : أي وتبطل بلحاق الموكل ( بدار الحرب مرتدا ) وفي الذخيرة قالوا : ما ذكر من الجواب في الجنون المطبق محمول على ما إذا كانت الوكالة غير لازمة بحيث يملك الموكل العزل في كل ساعة وزمان كالوكيل بالخصومة من جانب الطالب ، وأما إذا كانت الوكالة لازمة بحيث لا يملك الموكل العزل كالعدل إذا سلط على بيع الرهن وكان التسليط مشروطا في عقد الرهن فلا ينعزل الوكيل بجنون الموكل وإن كان الجنون مطبقا ، وهذا لأن الوكالة إذا كانت غير لازمة يكون لبقائها حكم الإنشاء ، ولو أنشأ الموكل الوكالة بعدما جن جنونا مطبقا لا يصح ، فكذا لا تبقى الوكالة إذا صار الموكل بهذه الصفة .

وأما إذا [ ص: 141 ] كانت الوكالة لازمة بحيث لا يقدر الموكل على عزله لا يكون لبقاء الوكالة حكم الإنشاء ، وكان الوكيل في هذه الوكالة بمنزلة المالك من حيث إنه لا يملك الموكل عزله . ومن ملك شيئا من جهة أخرى ثم جن المملك فإنه لا يبطل ملكه ، كما لو ملك عينا فكذا إذا ملك التصرف ، وبهذا الطريق إذا جعل أمر امرأته بيدها ثم جن الزوج لا يبطل الأمر انتهى ، وفي غاية البيان قال في التتمة والفتاوى الصغرى : وهذا كله في موضع يملك الموكل عزله ، أما في موضع لا يملك عزله كالعدل في باب الرهن والأمر باليد للمرأة فإنه لا ينعزل الوكيل بموت الموكل وجنونه ، والوكيل بالخصومة بالتماس الخصم ينعزل بموت الموكل وجنونه ، والوكيل بالطلاق ينعزل بجنون الموكل استحسانا ولا ينعزل قياسا انتهى . أقول : في المنقول عن التتمة والفتاوى الصغرى إشكال ; لأن الظاهر من عبارته أن يكون الأمر باليد للمرأة من باب التوكيل ، وليس كذلك فإنه من باب التمليك لا التوكيل على ما تقرر فيما مر في باب تفويض الطلاق من كتاب الطلاق ، بخلاف عبارة الذخيرة كما لا يخفى على المتأمل .

ثم أقول : فيما بقي هاهنا شيء ، وهو أن تقسيمهم الوكالة على اللازمة وغير اللازمة وحملهم الجواب في الجنون المطبق على الثانية دون الأولى ينافي ما ذكروا في صدر كتاب الوكالة من أن صفة الوكالة هي أنها عقد جائز غير لازم حتى يملك كل واحد من الموكل والوكيل العزل بدون رضا صاحبه ، إذ الظاهر أن المذكور هناك صفتها العامة لجميع أنواعها ، اللهم إلا أن يقال : الأصل في الوكالة عدم اللزوم ، واللزوم في أحد القسمين المذكورين لعارض وهو تعلق حق الغير به على عكس ما قالوا في البيع بالخيار كما سيأتي فتأمل .

قال المصنف في تعليل مسألة الكتاب ( لأن التوكيل تصرف غير لازم ) قال صاحب العناية في تعليل هذه المقدمة : إذ اللزوم عبارة عما يتوقف وجوده على الرضا من الجانبين ، وهاهنا ليس كذلك لأن كلا منهما ينفرد في فسخها ، فإن للوكيل أن يمنع نفسه عن الوكالة وللموكل أن يمنع الوكيل عنها انتهى . وقد سبقه تاج الشريعة إلى هذا التعليل . أقول : فيه خلل ; لأن توقف الوجود على الرضا من الجانبين متحقق في كل عقد لازما كان أو غير لازم ، وإنما اللازم ما يتوقف فسخه على الرضا من الجانبين ; فقولهما إذا للزوم عبارة عما يتوقف وجوده على الرضا من الجانبين ليس بصحيح .

والصواب أن يقال : إذ التصرف اللازم عبارة عما يتوقف فسخه على الرضا من الجانبين وهاهنا ليس كذلك ( فيكون لدوامه ) أي لدوام التوكيل ( حكم ابتدائه ) لأن التصرف إذا كان غير لازم كان المتصرف بسبيل من فسخه في كل لحظة من لحظات دوامه ، فلما لم ينفسخ جعل امتناعه عن الفسخ عند تمكنه منه بمنزلة ابتداء تصرف آخر من جنسه إنزالا للمتمكن مكان المبتدئ والمنشئ كما قالوا في قوله تعالى { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } فصار كأنه يتجدد عقد الوكالة في كل ساعة فينتهي ، فكان كل جزء منه بمنزلة ابتداء العقد ( فلا بد من قيام الأمر ) أي فلا بد من قيام أمر الموكل بالتوكيل في كل ساعة إذا كان لا بد من أمره بذلك في ابتداء العقد ، فكذا فيما هو بمنزلته ( وقد بطل ) أي أمر الموكل ( بهذه العوارض ) وهي الموت والجنون والارتداد .

فإن قيل : البيع بالخيار غير لازم ومع ذلك لا يبطل البيع بالموت بل يتقرر ويبطل الخيار . قلنا : الأصل في البيع اللزوم وعدم اللزوم بسبب العارض وهو الخيار ، فإذا مات تقرر الأصل وبطل العارض ، كذا في الشروح ( وشرط ) أي شرط في بطلان الوكالة ( أن يكون الجنون مطبقا لأن قليله ) أي قليل [ ص: 142 ] الجنون ( بمنزلة الإغماء ) فلا تبطل به الوكالة لا تبطل بالإغماء ( وحد المطبق ) أي حد الجنون المطبق ( شهر عند أبي يوسف ) وروى ذلك أبو بكر الرازي عن أبي حنيفة ( اعتبارا بما يسقط به الصوم ) أي صوم شهر رمضان .

وقال في الواقعات الحسامية في باب البيوع الجائزة : والمختار ما قاله أبو حنيفة أنه مقدر بالشهر ; لأن ما دون الشهر في حكم العاجل فكان قصيرا ، والشهر فصاعدا في حكم الآجل فكان طويلا ( وعنه ) أي عن أبي يوسف ( أكثر من يوم وليلة لأنه تسقط به الصلوات الخمس فصار ) أي فصار من جن في هذه المدة ( كالميت ) فلا يصلح للوكالة ( وقال محمد : حول كامل ) قال الناطفي في الأجناس : قال ابن سماعة في نوادره : قال محمد في قوله الأول : حتى يجن يوما وليلة فيخرج الوكيل من الوكالة ، ثم رجع وقال : حتى يجن شهرا ، ثم رجع وقال : حتى يجن سنة ( لأنه يسقط به ) أي بالحول الكامل ( جميع العبادات ) وأما دون الحول فلا تسقط به الزكاة لأن وجوبها مقدر بالحول فلا يكون في معنى الموت ( فقدر به ) أي فقدر حد الجنون المطبق بالحول الكامل ( احتياطا ) قال في الكافي : وهو الصحيح ، وكذا قال في التبيين ( قالوا ) أي المشايخ ( الحكم المذكور في اللحاق ) أي الحكم المذكور في اللحاق في مختصر القدوري ، وهو ما ذكر قبل هذا بقوله : ولحاقه بدار الحرب مرتدا ( قول أبي حنيفة لأن تصرفات المرتد موقوفة عنده فكذا وكالته ) قال المصنف في باب أحكام المرتدين من كتاب السير : اعلم أن تصرفات المرتد على أربعة أقسام : نافذ بالاتفاق كالاستيلاد والطلاق لأنه لا يفتقر إلى حقيقة الملك وتمام الولاية ، وباطل بالاتفاق كالنكاح والذبيحة لأنه يعتمد الملة ولا ملة له ، وموقوف بالاتفاق كالمفاوضة لأنها تعتمد المساواة ولا مساواة بين المسلم والمرتد ما لم يسلم ، ومختلف في توقفه وهو ما عددناه ا هـ .

وقال الشراح هناك : يعني بقوله ما عددناه ما ذكره بقوله وما باعه أو اشتراه أو أعتقه أو وهبه أو تصرف فيه من أمواله في حال ردته فهو موقوف . أقول : فقد تلخص من ذلك أن مراده هاهنا أن بعض تصرفات المرتد [ ص: 143 ] موقوف عنده . فكذا وكالته لكونها في حكم ذلك . ولكن عبارته غير واضحة في إفادة المراد ( فإن أسلم نفذ ) أي فإن أسلم المرتد نفذ تصرفه السابق ( وإن قتل أو لحق بدار الحرب بطلت الوكالة ، فأما عندهما فتصرفاته نافذة فلا تبطل وكالته إلا أن يموت أو يقتل على ردته أو يحكم بلحاقه ) حتى يستقر أمر اللحاق ( وقد مر في السير ) أي مر كون تصرف المرتد موقوفا عند أبي حنيفة نافذا عندهما مع ذكر دليل الطرفين مستوفى في باب أحكام المرتدين من كتاب السير .

واستشكل صاحب التسهيل هذا المقام حيث قال : فيما نسب إلى أبي حنيفة نظر . إذ المرتد إذا لحق بدار الحرب ولم يحكم به الحاكم حتى عاد مسلما صار كأن لم يزل مسلما عند أبي حنيفة أيضا فكيف يبطل توكيله وسائر تصرفاته قبل أن يقضى بذلك . وقول أبي حنيفة في السير إنه حربي مقهور غير أنه يرجى إسلامه فتوقفنا ، فإن أسلم جعل العارض كالعدم ولم يعمل السبب ، وإن مات أو لحق وحكم بلحاقه استقر كفره فعمل السبب يدل على عدم بطلان تصرفه بمجرد اللحاق ، بل لا بد من الحكم به فينبغي أن يكون حكم الموكل كذلك لا يبطل توكيله بمجرد لحاقه عنده ا هـ كلامه . وأقول : هنا كلام آخر وهو أن الإمام قاضي خان ذكر في فتاواه ما ينافي ما نقله المصنف هاهنا عن المشايخ حيث قال في فصل ما يبطله الارتداد من باب الردة وأحكام أهلها من كتاب السير : وإن وكل رجلا ثم ارتد الموكل ولحق بدار الحرب ينعزل وكيله في قولهم ا هـ ، فإنه صريح في أن الحكم المذكور في اللحاق قولهم جميعا لا قول أبي حنيفة فقط .

فإن قلت : يجوز أن يكون المراد باللحاق لدار الحرب فيما ذكر في فتاوى قاضي خان أن يحكم الحاكم بلحاقه بها . قلت : ظاهر اللفظ لا يساعد ذلك . فإن جاز حمله عليه بدلالة القرائن والقواعد فلم لا يجوز الحمل عليه في مسألة الكتاب أيضا حتى تكون المسألة إجماعية ويتلخص عن التكلف الذي ارتكبوه في تخصيصها بقول أبي حنيفة . ثم أقول : الحق عندي أن المراد بما ذكر في الكتاب اللحاق مع قضاء القاضي به دون مجرد اللحاق فالمسألة إجماعية ، وعن هذا قال الإمام الزيلعي في شرح هذا المقام من الكنز : والمراد بلحاقه بدار الحرب مرتدا أن يحكم الحاكم بلحاقه ; لأن لحاقه لا يثبت إلا بحكم الحاكم ، فإذا حكم به بطلت الوكالة بالإجماع ا هـ . ومما يؤيد كون المراد باللحاق المبطل للوكالة اللحاق مع قضاء القاضي به دون مجرد اللحاق أن أساطين المشايخ قيدوا اللحاق بقضاء القاضي به عند بيانهم بطلان تصرفات المرتد عند أبي حنيفة بالموت والقتل واللحاق بدار الحرب ، منهم صاحب المحيط ; فإنه قال بصدد بيان الأنواع الأربعة لتصرفات المرتد ونوع منها اختلفوا في نفاذه وتوقفه وذلك كالبيع والشراء والإجارة والتدبير والكتابة والوصية وقبض الديون ، فعند أبي حنيفة توقف هذه التصرفات ، فإن أسلم تنفذ ، وإن مات أو قتل على ردته أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه تبطل ، وعندهما تنفذ هذه التصرفات ا هـ .

ومنهم الإمام قاضي خان ، فإنه قال في فتاواه أثناء بيان الوجوه الأربعة لتصرف المرتد : ومنها ما اختلفوا في توقفه نحو البيع والشراء والإجارة والإعتاق والتدبير والكتابة والوصية وقبض الديون عند أبي حنيفة : هذه التصرفات موقوفة ، فإن أسلم نفذت ، وإن مات أو قتل أو قضي بلحاقه بدار الحرب تبطل ، وعند صاحبيه تنفذ في الحال ا هـ .

إلى غير ذلك من الثقات ، حتى أن صاحب الوقاية قال في باب المرتد : وتوقف مفاوضته وبيعه وشراؤه وهبته وإجارته وتدبيره ووصيته ، إن أسلم نفذ ، وإن مات أو قتل أو لحق وحكم به بطل ا هـ

التالي السابق


الخدمات العلمية