صفحة جزء
[ ص: 161 ] قال ( وإن ادعى عقارا حدده وذكر أنه في يد المدعى عليه وأنه يطالبه به ) [ ص: 162 ] لأنه تعذر التعريف بالإشارة لتعذر النقل فيصار إلى التجديد فإن العقار يعرف به ، ويذكر الحدود الأربعة ، ويذكر أسماء أصحاب الحدود وأنسابهم ، ولا بد من ذكر الجد لأن تمام التعريف به عند أبي حنيفة على ما عرف هو الصحيح ، ولو كان الرجل مشهورا يكتفي بذكره ، فإن ذكر ثلاثة من الحدود يكتفى بها عندنا خلافا لزفر لوجود الأكثر ، بخلاف ما إذا غلط في الرابعة لأنه يختلف به المدعى ولا كذلك بتركها ، وكما يشترط التحديد في الدعوى يشترط في الشهادة .

وقوله في الكتاب وذكر أنه في يد المدعى عليه لا بد منه لأنه إنما ينتصب خصما إذا كان في يده ، وفي العقار لا يكتفى بذكر المدعي وتصديق المدعى عليه أنه في يده بل لا تثبت اليد فيه إلا بالبينة [ ص: 163 ] أو علم القاضي هو الصحيح نفيا لتهمة المواضعة إذ العقار عساه في يد غيرهما [ ص: 164 ] بخلاف المنقول لأن اليد فيه مشاهدة .

وقوله وأنه يطالبه به لأن المطالبة حقه فلا بد من طلبه ، ولأنه يحتمل أن يكون مرهونا في يده أو محبوسا بالثمن في يده ، وبالمطالبة يزول هذا الاحتمال ، وعن هذا قالوا في المنقول يجب أن يقول في يده بغير حق .


( قال ) أي القدوري في مختصره ( وإن ادعى عقارا حدده ) أي ذكر المدعي حدوده ( وذكر أنه ) أي العقار ( في يد المدعى عليه وأنه يطالبه به ) أي وذكر أن المدعي يطالب المدعى عليه بالمدعى .

أقول : هكذا وقع وضع هذه المسألة في عامة معتبرات المتون ، ولكن فيه قصور إذ المتبادر منه أن ذكر حدود العقار كاف في تعريفه عند الدعوى ، وليس كذلك إذ قد صرح في معتبرات الفتاوى بل في بعض شروح الهداية أيضا بأنه إذا وقعت الدعوى في العقار فلا بد من ذكر البلدة التي فيها الدار ومن ذكر المحلة ومن ذكر السكة ومن ذكر الحدود . وقال في الخلاصة : تصح الدعوى إذا بين المصر والمحلة والموضع والحدود . وقيل ذكر المحلة والسوق والسكة ليس بلازم ، وذكر المصر أو القرية لازم انتهى .

وقد صرح في معتبرات الفتاوى أيضا بأن الفقهاء اختلفوا في البداءة ، فقال الشيخ الإمام الفقيه الحاكم أبو نصر أحمد بن محمد السمرقندي في شروطه : إذا وقع الدعوى في العقار فلا بد من ذكر البلدة التي فيها الدار ، ثم من ذكر المحلة ، ثم من ذكر السكة ، فيبدأ أولا بذكر الكورة ثم بالمحلة اختيارا لقول محمد ، فإن المذهب عنده أن يبدأ بالأعم ثم ينزل منه إلى الأخص .

وقال أبو زيد البغدادي : يبدأ بالأخص ثم بالأعم ، فيقول دار في سكة كذا في محلة كذا في كورة كذا [ ص: 162 ] وقاسه على النسب حيث يقول فلان ثم يقول ابن فلان ثم يذكر الجد . فيبدأ بما هو الأقرب ثم يترقى إلى الأبعد . قال : في كل واحد من الفصولين بعد ذكر هذا الاختلاف ما قاله محمد بن الحسن أحسن ، لأن العام يعرف بالخاص ولا يعرف الخاص بالعام وفصل النسب حجة عليه لأن الأعم اسمه ، فإن جعفرا في الدنيا كثير ، فإن عرف فيها وإلا ترقى إلى الأخص فيقول ابن محمد وهذا أخص ، فإن عرف فيها وإلا ترقى إلى الجد انتهى . وقال في المحيط : اختلف أهل الشروط في البداءة بالأعم أو بالأخص ، وأهل العلم بالخيار في البداءة بأيهما شاء انتهى . وقال عماد الدين في فصوله : قلت اختلافات أهل الشروط أنه ينزل من الأعم إلى الأخص ، أو من الأخص إلى الأعم إجماع منهم على شرطية البيان انتهى .

فقد تلخص مما ذكرناه كله أن ذكر الحدود ليس بكاف في تعريف العقار ، بل لا بد أيضا من ذكر البلدة والمحلة وغير ذلك على ما قرر . قال المصنف في تعليل لزوم التحديد في دعوى العقار ( لأنه تعذر التعريف بالإشارة لتعذر النقل ) أي نقل العقار ( فيصار إلى التحديد ، فإن العقار يعرف به ) أقول : لقائل أن يقول : إن تعذر النقل لا يقتضي تعذر التعريف بالإشارة لجواز أن يحضر القاضي عند العقار أو يبعث أمينه إليه فيشير المدعى إليه في محضر القاضي أو أمينه بعين ما قالوا في المنقولات التي يتعذر نقلها كالرحى ونحوه على ما ذكرناه فيما مر .

ويمكن أن يدفع بأن المنقولات التي يتعذر نقلها نادرة فالتزم فيها حضور القاضي أو أمينه عندها لعدم تأديه إلى الحرج ، بخلاف العقارات فإنها كثيرة ، فلو كلف القاضي بحضوره عندها أو بعث أمينه إليها لأدى إلى الحرج فافترقا ( ويذكر الحدود الأربعة ويذكر أسماء أصحاب الحدود وأنسابهم ، ولا بد من ذكر الجد لأن تمام التعريف به عند أبي حنيفة على ما عرف هو الصحيح ) احتراز عما روي عنهما أن ذكر الأب يكفي ( ولو كان الرجل مشهورا ) مثل أبي حنيفة وابن أبي ليلى ( يكتفي بذكره ) يعني لا حاجة إلى ذكر الأب والجد حينئذ لحصول التعريف بالاسم بلا ذكر النسب . وفي الدار لا بد من التحديد وإن كانت مشهورة عند أبي حنيفة ، وعندهما لا يشترط لأن الشهرة مغنية عنه ، وله إن قدرها لا يصير معلوما إلا بالتحديد ، كذا في الكافي وغيره ( فإن ذكر ثلاثة من الحدود يكتفي بها عندنا خلافا لزفر لوجود الأكثر ) دليل لنا : يعني أن إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع فنعمل به هاهنا أيضا ( بخلاف ما إذا غلط في الرابعة ) أي في الحد الرابع وأنثه المصنف باعتبار الجهة يعني إذا ذكر الحدود الثلاثة وسكت عن الرابع جاز عندنا خلافا لزفر .

وأما إذا ذكر الحد الرابع أيضا وغلط فيه فلا يجوز باتفاق بيننا وبين زفر ( لأنه يختلف به ) أي بالغلط ( المدعي ولا كذلك بتركها ) ونظير ما إذا شهد شاهدان بالبيع وقبض الثمن وتركا ذكر الثمن جاز ، ولو غلطا في الثمن لا تجوز شهادتهما لأنه صار عقدا آخر بالغلط ، وبهذا الفرق بطل قياس زفر الترك على الغلط ( وكما يشترط التحديد في الدعوى يشترط في الشهادة ) فيجري في الثانية ما يجري في الأولى ( وقوله في الكتاب ) أي قول القدوري في مختصره ( وذكر أنه ) يعني العقار ( في يد المدعى عليه لا بد منه لأنه ) أي المدعى عليه ( إنما ينتصب خصما ) أي في دعوى العين ( إذا كان في يده ) أي إذا كان المدعى في يده ( وفي العقار لا يكتفى بذكر المدعي وتصديق المدعى عليه أنه ) أي العقار ( في يده بل لا تثبت اليد فيه إلا بالبينة ) بأن يشهد الشهود أنهم عاينوا أن ذلك العقار المدعى في يد المدعى عليه ، حتى لو قالوا سمعنا إقرار المدعى عليه بأنه في يده لم تقبل شهادتهم ، وكذا الحال في غير هذه الصورة ، وقد لا يفرق الشهود بين الأمرين فلا بد أن يسألهم القاضي [ ص: 163 ] أعن معاينة تشهدون أم عن سماع ، كذا ذكر في معتبرات الفتاوى ( أو علم القاضي ) عطف على البينة أي أو بعلم القاضي أن ذلك العقار المدعى في يد المدعى عليه ( هو الصحيح ) احتراز عن قول بعض المشايخ فإن عندهم يكفي تصديق المدعى عليه أنه في يده ، وإنما لا تثبت اليد في العقار إلا بالبينة أو علم القاضي على القول الصحيح ( نفيا لتهمة المواضعة إذ العقار عساه ) أي لعله ( في يد غيرهما ) أي غير المدعي والمدعى عليه .

قال صاحب النهاية : أي يحتمل أنهما تواضعا على أن يصدق المدعى عليه المدعي بأن العقار في يد المدعى عليه ليحكم القاضي باليد للمدعى عليه حتى يتصرف المدعى عليه فيه ، وهو في الواقع في يد الثالث فكان ذلك قضاء بالتصرف في مال الغير ، ويؤدي ذلك إلى نقض القضاء عند ظهوره أنه في يد الثالث ا هـ كلامه .

وقد اقتفى أثره في شرح هذا المقام بهذا المعنى صاحب معراج الدراية ثم صاحب العناية ثم الشارح العيني . أقول : هذا خبط عظيم منهم ، أما أولا فلأن المدعى عليه في الصورة المزبورة لا يدعي على أحد شيئا بل يصدق المدعي في قوله إن العقار في يد المدعى عليه ، ولا شك أن تصديق الآخر ليس بدعوى عليه فكيف يتصور هناك من القاضي الحكم باليد للمدعى عليه ، والحكم بحقوق العباد يقتضي سابقة الدعوى . وأما ثانيا فلأن الحكم من القاضي لا يصح إلا بحجة من البينة أو الإقرار وقد انتفت بقسميها في تلك الصورة . أما انتفاء البينة فلأن المفروض أن لا تقوم بينة على ثبوت اليد للمدعى عليه . وأما انتفاء الإقرار فلأن الإقرار هو الإخبار بحق للغير على نفسه . ولا يخفى أن هذا المعنى غير متصور من المدعى عليه ولا من المدعي بالنسبة إلى حق اليد في تلك الصورة ، فإذا لم تتحقق الحجة أصلا لثبوت اليد للمدعى عليه في تلك الصورة لم يصح الحكم من القاضي باليد للمدعى عليه هناك ، فبطل قولهم ليحكم القاضي باليد للمدعى عليه إلخ .

والصواب أن مراد المصنف هاهنا هو أن العقار قد يكون في يد غيرهما ، وهما يتواضعان على أن يصدق المدعى عليه في أن ذلك العقار في يد المدعى عليه فيقيم المدعي البينة على المدعى عليه بأن ذلك العقار له فيحكم القاضي للمدعي بكونه له فيصير هذا قضاء له بمال الغير الذي كان ذلك العقار في يده في الواقع ويفضي ذلك إلى نقض القضاء عند ظهوره في يد ذلك الغير ، ولقد أفصح الإمام قاضي خان في فتاواه عن هذا حيث قال : وذكر الخصاف عن أصحابنا أن رجلا لو أقام البينة على رجل أن في يده الدار التي حدها كذا وبين حدودها فإن القاضي لا يسمع دعواه ولا يقبل بينته على الملك ما لم يقم البينة أن الدار في يد المدعى عليه ثم يقيم البينة أنها له لتوهم أنهما تواضعا في محدود في يد ثالث على أن يدعيه أحدهما فيقول الآخر بأنها في يده ويقيم المدعي بينته عليه أنها له والدار في يد غيرهما ، وهذا باطل لأن هذا [ ص: 164 ] قضاء على المسخر ا هـ ( بخلاف المنقول لأن اليد فيه مشاهدة ) فلا مجال للمواضعة المذكورة ( وقوله ) أي قول القدوري في مختصره ( وأنه يطالبه به لأن المطالبة حقه فلا بد من طلبه ) قال صاحب العناية : في عبارته تسامح لأنه يئول إلى تقدير فلا بد من طلب المطالبة فتأمل .

ويمكن أن يجاب عنه بأن المطالبة مصدر بمعنى المفعول فكان معناه المطالب حقه فلا بد من طلبه ا هـ كلامه .

أقول : كل من إيراده وجوابه ساقط . أما سقوط الأول فلأن الضمير في طلبه ليس براجع إلى حقه كما توهمه ، بل هو راجع إلى ما يرجع إليه ضمير حقه وهو المدعي ; فالمعنى المطالبة حق المدعي فلا بد من طلب المدعي حتى يجب على القاضي إعانته فلا مسامحة أصلا . وأما سقوط الثاني فمن وجهين : الأول أن المطالبة من طالبه بكذا فالمطالب المفعول هاهنا هو المدعى عليه ، والذي دخل عليه الباء هو المدعي ، فلو كان المعنى المطالب حق المدعي صار المعنى المدعى عليه حق المدعي ، ولا خفاء في فساده .

والثاني أن المدعى أيضا ليس بحق المدعي ألبتة ، بل إن ثبت دعوى المدعي يكون المدعى حقه وإلا فلا ، ففي ابتداء الأمر من أين ثبت أنه حقه حتى يتم أن يقال هو حقه فلا بد من طلبه ، اللهم إلا أن يقال إنه حقه في ابتداء الأمر أيضا على زعمه ، لكنه يحتاج حينئذ إلى تقدير قيد على زعمه كما يحتاج إلى جعل المصدر بمعنى المفعول . ولا يخفى أن شأن المصنف بمعزل عن مثل هذا التعسف وقال بعض الفضلاء : ولا يبعد أن تكون المطالبة اسم مفعول والتأنيث بتأويل الأرض ونحوها ا هـ .

أقول : هذا بعيد عن الحق ، وأبعد مما قاله صاحب العناية في جوابه . أما الأول فلما ذكرناه في سقوط جواب صاحب العناية من الوجهين . وأما الثاني فلأن مقتضاه التعبير عن كل مطلوب بصيغة التأنيث وتأويل كل مطلوب مذكر بمؤنث ، وهذا مما لا تقبله الفطرة السليمة ، بخلاف ما قال صاحب العناية ( ولأنه يحتمل أن يكون ) أي المدعى ( مرهونا في يده ) أي في يد المدعى عليه ( أو محبوسا بالثمن في يده ) فلا تصح الدعوى قبل أداء الدين أو قبل أداء الثمن ( وبالمطالبة يزول هذا الاحتمال ) إذ لو كان مرهونا أو محبوسا بالثمن لما طالب بالانتزاع من ذي اليد قبل أداء الدين أو الثمن ( وعن هذا ) أي بسبب هذا الاحتمال ( قالوا ) أي المشايخ ( في المنقول ) أي في دعوى المنقول ( يجب أن يقول في يده بغير حق ) أي يجب أن يقول المدعي هذا الشيء الذي أدعيه في يد المدعى عليه بغير حق [ ص: 165 ] إزالة لهذا الاحتمال ، فإن العين في يد ذي اليد في تينك الصورتين بحق .

أقول : يرد عليه أنه إن كان ذكر المطالبة مما لا بد منه في دعوى المنقول أيضا فقد حصل زوال الاحتمال المذكور فيها بذكر المطالبة ، كما في دعوى العقار فينبغي أن لا تجب زيادة بغير حق في دعوى المنقول ، كما لا تجب في دعوى العقار ، وإن لم يكن ذكر المطالبة مما لا بد منه في دعوى المنقول يكون الدليل الذي ذكره المصنف في وجوب ذكر المطالبة في دعوى العقار ودعوى الدين وهو قوله لأن المطالبة حق المدعي فلا بد من طلبه منقوضا بصورة دعوى المنقول .

ويمكن أن يجاب عنه بنوع بسط في الكلام وتحقيق في المقام ، وهو أن ذكر المطالبة مما لا بد منه في دعوى المنقول أيضا على ما يقتضيه الدليل الذي ذكره المصنف في دعوى العقار وفي دعوى الدين ، لكن لا يجب ذكرها قبل إحضار المدعى عليه المنقول إلى مجلس القاضي ، بل إنما يجب ذكرها بعد إحضاره إليه لأن إعلام المدعي بأقصى ما يمكن شرط ، وذلك في المنقول لا يكون إلا بالإشارة كما مر ، فما لم يحضر المنقول إلى مجلس القاضي لم تحصل الإشارة إليه ، وما لم يحصل الإشارة إليه لم يصر معلوما بما يجب إعلامه به ، وما لم يصر معلوما بهذا لم تتحقق الفائدة في ذكر المطالبة به ، يرشد إليه قول المصنف فيما سيأتي ، لأن صاحب الذمة قد حضر فلم يبق إلا المطالبة حيث يشير إلى أنه ما بقي شيء يتعلق به تمام الدعوى لم يجب ذكر المطالبة .

ولا شك أن إحضار المنقول إلى مجلس القاضي مما يتعلق به تمام الدعوى ، فلم يجب قبله على المدعي ذكر المطالبة ، فلما لم يجب قبله عليه ذكرها وجب عليه إذ ذاك أن يقول في يده بغير حق إزالة للاحتمال المذكور حتى يجب على المدعى عليه إحضار المدعى المنقول إلى مجلس القاضي ، ويصح للقاضي تكليفه بإحضاره إليه .

والحاصل أن الاحتياج إلى زيادة قيد بغير حق في دعوى المنقول لأجل أن يجب على المدعى عليه إحضار المدعى إلى مجلس الحكم ، ووجوب إحضار المدعى إلى مجلس القاضي مختص بدعوى المنقول كما مر في الكتاب فوجب زيادة القيد المذكور في دعوى المنقول دون غيرها . ثم لما زيد القيد المذكور في دعوى المنقول قبل إحضار المدعى عليه المدعى إلى مجلس القاضي وزال الاحتمال المذكور به لم يبق لذكر المطالبة فيها بعد إحضاره [ ص: 166 ] إليه إلا علة واحدة ، وهي أن المطالبة حقه فلا بد من ذكره كما هي العلة فقط في دعوى الدين ، بخلاف دعوى العقار فإن لذكر المطالبة فيها علتين كما ذكرهما المصنف ، وبهذا البسط والتحقيق تبين اندفاع اعتراض صدر الشريعة على القوم حيث قال في شرحه للوقاية : أقول هذه العلة تشمل العقار أيضا ، فلا أدري ما وجه تخصيص المنقول بهذا الحكم ا هـ .

ثم إن هاهنا كلمات أخرى للفضلاء المتأخرين ، فلا علينا أن ننقلها ونتكلم عليها . فاعلم أن صاحب الدرر والغرر أجاب عن اعتراض صدر الشريعة بوجه آخر حيث قال : إن دراية وجهه موقوفة على مقدمتين مسلمتين : إحداهما أن دعوى الأعيان لا تصح إلا على ذي اليد ، كما قال في الهداية : إنما ينتصب خصما إذا كان في يده . والثانية أن الشبهة معتبرة يجب دفعها لا شبهة الشبهة ، كما قالوا إن شبهة الربا ملحقة بالحقيقة لا شبهة الشبهة . إذا عرفتهما فاعلم أن في ثبوت اليد على العقار شبهة لكونه غير مشاهد ، بخلاف المنقول فإنه فيه مشاهدة فوجب دفعها في دعوى العقار بإثباته بالبينة لتصح الدعوى ، وبعد ثبوته يكون احتمال كون اليد لغير المالك بحق شبهة الشبهة فلا تعتبر .

وأما اليد في المنقول فلكونه مشاهدا لا يحتاج إلى إثباته لكن فيه شبهة كون اليد لغير المالك فوجب دفعها لتصح الدعوى ا هـ . ورد عليه هذا الجواب بعضهم بأنه قد صرح في الهداية والشروح بأنه لا بد من المطالبة في العقار أيضا ليزول احتمال كونه مرهونا أو محبوسا بالثمن ، ويعلم من هذا أنهم اعتبروا ذلك الاحتمال وأوجبوا دفعه في العقار أيضا ، وهذا ليس من شبهة الشبهة التي لم يعتبروها كما لا يخفى على المتدبر فتدبر ا هـ .

وقال بعض الفضلاء : وإن أردت تحقيق المقام وتلخيص الكلام ، فاستمع لما يتلى عليك مستعينا بالملك العلام ، ومستمدا من ولي الفيض والإلهام ، فأقول : لا شك أن في العقار شبهة في ثبوت اليد على المدعي ثم شبهة في كونها بغير حق ، وأن الثانية شبهة الشبهة ، وذلك ظاهر لمن تتبع أقاويلهم ، وأن شبهة الشبهة غير معتبرة إلا إذا اندفعت الشبهة فإن شبهة الشبهة حينئذ تكون معتبرة ; ألا يرى أنهم إذا شهدوا على رجل بالزنا بامرأة غائبة فإنه يحد لأن الذي فيه هو شبهة دعوى النكاح إذا حضرت ثم شبهة صدقها في تلك الدعوى فلا تعتبر لكونها شبهة الشبهة .

وأما إذا حضرت قبل الاستيفاء وادعت النكاح لا يحد الرجل اعتبارا لشبهة الصدق . إذا تحققت هذه المقدمات فنقول : لو أتى مدعي العقار بهذه الزيادة وقال هو في يده بغير حق وقد قرع سمعك من علماء العربية أنه إذا كان في كلام مثبت أو منفي تقييد بوجه من الوجوه فمناط الإفادة هو ذلك القيد يلزم عكس المقصود ، وهو الاهتمام بدفع شبهة الشبهة مع بقاء الشبهة بحالها ، فأحالوا دفعها إلى كلام مستقل متأخر بحسب الرتبة عن ثبوت اليد وهو قول المدعي أطالبه فإن في تلك الرتبة اندفعت الشبهة بطريقها وبقيت شبهة الشبهة شبهة معتبرة بخلاف المنقول فإن ثبوت اليد فيه مشاهدة لا شبهة فيه فأوجبوا تلك الزيادة لتندفع بها شبهة كون اليد بحق . أو نقول : لو زاد المدعي قوله بغير حق في دعوى العقار وهو متعلق بالكلام الأول ومن جملته ، ولم يندفع في تلك الحالة ، شبهة كونه في يد غيره يلزم اعتبار شبهة الشبهة والمطالبة متأخرة مرتبة عن ثبوت اليد فلا يلزم من اندفاعها به محذور كما نبهت عليه ، بخلاف المنقول فإنه ليس فيه شبهة كونه في يد غيره ، فاغتنم هذا فإنه هو الكلام الفصل والقول الجزل .

ثم اعلم أن المطالبة في المنقول كالمطالبة في الديون ليس لدفع الاحتمال بل ذلك مخصوص بالعقار ، إلى هنا كلامه .

وأقول : ما ذكره ذلك الفاضل هاهنا وسماه بالتحقيق مما لا يجدي طائلا وما هو بذلك التلقيب بحقيق . أما أولا فلأن خلاصة كلامه هي أن مدعي العقار لو أتى بتلك الزيادة وجعلها قيدا للكلام الأول وقصد بها دفع شبهة كون اليد بحق لزم اعتبار شبهة الشبهة والاهتمام بدفعها مع بقاء الشبهة وهي شبهة كونه في يد الغير بحالها إذا لم تندفع هذه الشبهة قبل ثبوت اليد ، وقد تقرر عندهم أن شبهة الشبهة غير معتبرة قبل اندفاع الشبهة ، فأحالوا دفع شبهة الشبهة إلى كلام مستقل متأخر في الرتبة عن ثبوت اليد وهو قول المدعي أطالبه ، فإن في تلك المرتبة اندفعت الشبهة وبقيت شبهة الشبهة معتبرة ، بخلاف المنقول فإن ثبوت اليد فيه مشاهد فليس فيه شبهة كونه في يد غيره فأوجبوا [ ص: 167 ] تلك الزيادة ليندفع بها شبهة كون اليد بحق لكنها ليست بتامة ; لأن الحاصل منها أن لا يصح الإتيان بتلك الزيادة في دعوى العقار على أن تجعل تلك الزيادة قيدا للكلام الأول ، وهذا لا ينافي صحة الإتيان بها على أن تجعل كلاما مستقلا بأن يقول المدعي إنه في يده وإن يده بغير حق ، فإن الزيادة حينئذ تصير كلاما مستقلا كما ترى وتصير متأخرا في الرتبة عن ثبوت اليد كقوله أطالبه لأنه كما أن حق ذكر المطالبة أن يكون بعد ثبوت اليد ، كذلك حق ذكر أن يده بغير حق بعد ثبوتها ، إذ قبل ثبوت اليد كما لا فائدة في المطالبة لا فائدة أيضا في بيان أن يده بغير حق ، وهذا مما لا سترة به فلم يظهر وجه عدم تلك الزيادة مطلقا في دعوى المنقول .

وبالجملة إن ما ذكره وجه لفظي مخصوص بصورة كون الزيادة قيدا للكلام الأول لا وجه فقهي عام لجميع صور الزيادة فلا يتم التقريب قطعا .

وأما ثانيا فلأنه حينئذ يبقى الإشكال في المقام بأن شبهة كون اليد بحق تندفع في دعوى المنقول أيضا بالمطالبة ، فينبغي أن تترك الزيادة المذكورة في دعوى المنقول كما تترك في دعوى العقار ، ولا ينحل هذا الإشكال بما ذكره بقوله ثم اعلم أن المطالبة في المنقول كالمطالبة في الديون ليس لدفع الاحتمال بل ذلك مخصوص بالعقار انتهى ; لأن دفع الاحتمال المذكور يحصل قطعا من ذكر المطالبة في المنقول أيضا فلا يدفع : أي لا يقصد بها دفع ذلك الاحتمال في المنقول استدراك الزيادة المذكورة فيه . وأما ما قدمناه من التحقيق فيندفع به هذا الإشكال كما يندفع به اعتراض صدر الشريعة كما تحققته من قبل . الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله

التالي السابق


الخدمات العلمية