صفحة جزء
( ويقنت في الثالثة قبل الركوع ) وقال الشافعي رحمه الله بعده لما روي { أنه عليه الصلاة والسلام قنت في آخر الوتر } وهو بعد الركوع . ولنا ما روي { أنه عليه الصلاة والسلام قنت قبل الركوع } [ ص: 429 ] وما زاد على نصف الشيء آخره


( قوله وقال الشافعي رحمه الله بعده ) أي بعد الركوع من الوتر ، هاهنا ثلاث خلافيات : إحداها أنه إذا قنت في الوتر يقنت قبل الركوع أو بعده . والثانية أن القنوت في الوتر في جميع السنة أو في النصف الأخير من رمضان . والثالثة هل يقنت في غير الوتر أو لا ، له في الأولى ما روى الدارقطني عن { سويد بن غفلة . قال سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله تعالى عنهم يقولون : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الوتر وكانوا يفعلون ذلك } .

وقوله وهو بعد الركوع من كلام المصنف على لسان الخصم ، ولهم ما هو أنص من ذلك وهو ما رواه الحاكم عن الحسن بن علي رضي الله عنهما وصححه قال { علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود : اللهم اهدني فيمن هديت } إلى آخره ، وسنذكره في القنوت ( قوله ولنا ما روي { أنه صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع } ) لو قال : كان يقنت كان أولى . قال النسائي وابن ماجه : حدثنا علي بن ميمون الرقي ، حدثنا مخلد بن يزيد عن سفيان عن زبيد اليامي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر فيقنت قبل الركوع } انتهى لابن ماجه .

ولفظ النسائي { كان يوتر بثلاث ، يقرأ في الأولى سبح اسم ربك الأعلى ، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون ، وفي الثالثة قل هو الله أحد ، ويقنت قبل الركوع } انتهى . وزاد في سننه { فإذا فرغ قال : سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يطيل في آخرهن } ثم قال وقد روى هذا الحديث غير واحد عن زبيد اليامي ولم يقل فيه وقنت قبل الركوع ، يريد بغير واحد من الرواة عن زبيد الذين لم يذكروا القنوت الأعمش وشعبة وعبد الملك بن أبي سليمان وجرير بن حازم .

لكن غايته أنه تفرد العدل بالزيادة وزيادة العدل مقبولة . وقد أخرج الخطيب في كتاب القنوت له حديث أبي الحسن أحمد بن محمد الأهوازي أنا أحمد بن محمد بن سعيد ، حدثنا أحمد بن الحسين بن عبد الملك ، حدثنا منصور بن أبي نويرة عن شريك عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الوتر قبل الركوع } وذكره ابن الجوزي في التحقيق وسكت عنه .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن مسلم حدثنا العلاء بن المسيب عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس قال { أوتر النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 429 ] بثلاث فقنت فيها قبل الركوع } وأخرج الطبراني في الأوسط حدثنا محمود بن محمد المروزي ، حدثنا سهيل بن العباس الترمذي ، حدثنا سعيد بن سالم القداح عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات ويجعل القنوت قبل الركوع } وقول أبي نعيم غريب من حديث حبيب ، والعلاء تفرد به عطاء بن مسلم ، وقول الطبراني لم يروه عن عبيد الله إلا سعيد بن سالم لا يوجب البعد لما قلنا في كلام النسائي ، بل قد حصل من انفراد سفيان الثوري عن زبيد ، ومن تفرد عطاء بن مسلم عن العلاء ، ومن تفرد سعيد عن عبيد الله مع حديث ابن مسعود الذي سكت عليه في التحقيق تظافر كثير مع أن كل طريق منها إما حسن أو صحيح .

وما في حديث أنس { أنه صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع } فالمراد منه أن ذلك كان شهرا فقط بدليل ما في الصحيح عن { عاصم الأحول ، سألت أنسا عن القنوت في الصلاة قال نعم ، فقلت : أكان قبل الركوع أو بعده ؟ قال قبله ، قلت : فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت بعده ، قال كذب ، إنما قنت صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا } انتهى وعاصم كان ثقة جدا ولا معارضة محتمة في ذلك مع ما رواه أصحاب أنس ، بل هذه تصلح مفسرة للمراد بمرويهم أنه قنت بعده ، ومما يحقق ذلك أن عمل الصحابة وأكثرهم كان على وفق ما قلنا : قال ابن أبي شيبة : حدثنا يزيد بن هارون عن هشام الدستوائي عن حماد عن إبراهيم عن علقمة أن ابن مسعود وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع .

ولما ترجح ذلك خرج ما بعد الركوع مع كونه محلا للقنوت ، فلذا روي عن أبي حنيفة أنه لو سها عن القنوت فتذكره بعد الاعتدال لا يقنت ، ولو تذكر في الركوع فعنه روايتان : إحداهما لا يقنت ، والأخرى يعود إلى القيام فيقنت . والذي في فتاوى قاضي خان والصحيح أنه لا يقنت في الركوع ولا يعود إلى القيام ، فإن عاد إلى القيام وقنت ولم يعد الركوع لم تفسد صلاته لأن ركوعه قائم لم يرتفض . وفي الخلاصة بعدما ذكر في الروايتين قال في رواية : يعود ويقنت ولا يعيد الركوع وعليه السهو قنت أو لم يقنت ، وهذا يحقق خروج القومة عن المحلية بالكلية إلا إذا اقتدى بمن يقنت في الوتر بعد الركوع فإنه يتابعه اتفاقا ، أما لو نسي السورة والقنوت فلا شك أنه يعود إذا تذكر في الركوع فيقرؤهما ويرتفض الركوع ، فلو لم يركع بطلت .

وأجمعوا على أن المسبوق بركعتين إذا قنت مع الإمام في الثالثة لا يقنت مرة أخرى . وعن أبي الفضل تسويته بالشاك وسيأتي في سجود السهو ، ولو سبقه الإمام فركع وهو لم يفرغ يتابعه ، ولو ركع الإمام وترك القنوت ولم يقرأ المأموم منه شيئا إن خاف فوت الركوع يركع وإلا قنت ثم ركع . الخلافية الثانية له فيها ما رواه أبو داود أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بهم عشرين ليلة من الشهر : يعني رمضان ولا يقنت بهم إلا في النصف الثاني ، فإذا كان العشر الأواخر تخلف فصلى في بيته .

وللمتن طريق آخر ضعفها النووي في الخلاصة ، وما أخرج ابن عدي عن أنس { كان صلى الله عليه وسلم يقنت في النصف من رمضان } إلخ ضعيف بأبي عاتكة ، وضعفه البيهقي مع أن القنوت فيه وفيما قبله يحتمل كونه طول القيام ، فإنه يقال عليه تخصيصا للنصف الأخير بزيادة الاجتهاد ، فهذا المعنى يمنع تبادر المتنازع فيه بخصوصه ، ولنا ما ذكره في الكتاب من { قوله صلى الله عليه وسلم للحسن اجعله في وترك } وهو بهذا اللفظ غريب . والمعروف ما أخرجوه في السنن الأربعة [ ص: 430 ] عن بريد بن أبي مريم عن أبي الجوزاء عن { الحسن بن علي رضي الله عنهما قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر ، وفي لفظ في قنوت الوتر : اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، إنك تقضي ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، تباركت وتعاليت } حسنه الترمذي . ورواه ابن حبان والبيهقي وزاد فيه بعد واليت { ولا يعز من عاديت } وزاد النسائي { بعد وتعاليت وصلى الله على النبي } قال النووي : إسناده صحيح أو حسن ، ورواه الحاكم وقال فيه : إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود كما قدمناه .

وأخرج الأربعة أيضا وحسنه الترمذي عن علي رضي الله عنه { أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك } ولا شك أن فيما قدمناه في الخلافية قبل هذه ما هو أنص على المواظبة على قنوت الوتر من هذا فارجع إليه تستغن عن هذا في هذا المطلوب . وإنما يحتاج إليه في إثبات وجوب القنوت وهو متوقف على ثبوت صيغة الأمر فيه : أعني قوله " اجعل هذا في وترك " والله أعلم به .

فلم يثبت لي ، ومنهم من حاول الاستدلال بالمواظبة المفادة من الأحاديث وهو متوقف على كونها غير مقرونة بالترك مرة ، لكن مطلق المواظبة أعم من المقرونة به أحيانا وغير المقرونة ، ولا دلالة للأعم على الأخص وإلا لوجبت هذه الكلمات عينا أو كانت أولى من غيرها ، لكن المتقرر عندهم ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران قال { بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل ، فأومأ إليه أن اسكت فسكت ، فقال يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا ، وإنما بعثك رحمة للعالمين ، ليس لك من الأمر شيء ثم علمه القنوت : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخاف عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق } وعن طائفة من المشايخ أنه لا يؤقت في دعاء القنوت لأنه حينئذ يجري على اللسان من غير صدق رغبة فلا يحصل به المقصود .

قال آخرون : ذلك في غير اللهم إنا نستعينك ، لأن الصحابة اتفقوا عليه ، ولو قرأ غيره جاز والأولى أن يقرأ بعده قنوت الحسن : اللهم اهدني فيمن هديت ، ولأنه ربما يجري على اللسان ما يشبه كلام الناس إذا لم يؤقت فتفسد الصلاة . ثم إذا شرع في دعاء القنوت قال : اللهم اهدني فيمن هديت ، لم يذكر رفع اليدين فيه ، والذي في ترجمة أبي يوسف ، قال أحمد بن أبي عمران الفقيه : حدثني فرج مولى أبي يوسف قال : رأيت مولاي أبا يوسف إذا دخل في القنوت للوتر رفع يديه في الدعاء ، قال ابن أبي عمران : كان فرج ثقة انتهى .

ووجهه عموم دليل الرفع للدعاء . ويجاب بأنه مخصوص بما ليس في الصلاة للإجماع على أنه لا رفع في دعاء التشهد ، ومن لا يحسن القنوت يقول : { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } وقال أبو الليث يقول اللهم اغفر لي ويكرر ثلاثا انتهى . وحديث { لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن } تقدم الكلام عليه في صفة الصلاة .

التالي السابق


الخدمات العلمية