صفحة جزء
الهداية شرح بداية المبتدي

وعن أبي يوسف أنه لا يجب اعتبارا بالمضاربة الصحيحة مع أنها فوقها ، والمال في المضاربة الفاسدة غير مضمون بالهلاك اعتبارا بالصحيحة ، [ ص: 450 ] ولأنه عين مستأجرة في يده ، [ ص: 451 ] وكل شرط يوجب جهالة في الربح يفسده لاختلال مقصوده ، وغير ذلك من الشروط الفاسدة لا يفسدها ، ويبطل الشرط كاشتراط الوضيعة على المضارب .

[ ص: 452 ] قال ( ولا بد أن يكون المال مسلما إلى المضارب ولا يد لرب المال فيه ) لأن المال أمانة في يده فلا بد من التسليم إليه ، وهذا بخلاف الشركة لأن المال في المضاربة من أحد الجانبين والعمل من الجانب الآخر ، فلا بد من أن يخلص المال للعامل ليتمكن من التصرف فيه . أما العمل في الشركة من الجانبين فلو شرط خلوص اليد لأحدهما لم تنعقد الشركة ، وشرط العمل على رب المال مفسد للعقد لأنه يمنع خلوص يد المضارب فلا يتمكن من التصرف فلا يتحقق المقصود سواء كان المالك عاقدا أو غير عاقد كالصغير لأن يد المالك ثابتة له ، وبقاء يده يمنع التسليم إلى المضارب ، وكذا أحد المتفاوضين وأحد شريكي العنان إذا دفع المال مضاربة وشرط عمل صاحبه لقيام الملك له وإن لم يكن عاقدا ، واشتراط العمل على العاقد مع المضارب وهو غير مالك يفسده إن لم يكن من أهل المضاربة فيه كالمأذون ، بخلاف الأب والوصي لأنهما من أهل أن يأخذا مال الصغير مضاربة بأنفسهما فكذا اشتراطه عليهما بجزء من المال .


فتح القدير

( قوله : وعن أبي يوسف ، أنه لا يجب اعتبارا بالمضاربة الصحيحة مع أنها فوقها ) ، فإن قلت : ما جواب ظاهر الرواية عن هذا التعليل القوي لأبي يوسف رحمه الله ، فإن العقد الفاسد يؤخذ حكمه أبدا من العقد الصحيح من جنسه، كما في البيع الفاسد ؟ قلت : جوابه هو [ ص: 450 ]

أن الفاسد إنما يعتبر بالجائز إذا كان انعقاد الفاسد مثل انعقاد الجائز كالبيع ، وهاهنا المضاربة الصحيحة تنعقد شركة لا إجارة ، والمضاربة الفاسدة تنعقد إجارة فتعتبر بالإجارة الصحيحة في استحقاق الأجر عند إيفاء العمل ، وإن تلف المال في يده فلا أجر مثله فيما عمل ، كذا في النهاية والعناية ، وعزاه صاحب العناية إلى المبسوط .

أقول : مقتضى هذا الجواب أن لا يجوز اعتبار المضاربة الفاسدة بالمضاربة الصحيحة في شيء من الأحكام مع أنهم اعتبروها بالمضاربة الصحيحة في حكم كون المال غير مضمون بالهلاك، كما ذكره المصنف متصلا بما نحن فيه ؛ حيث قال : والمال في المضاربة الفاسدة غير مضمون بالهلاك اعتبارا بالصحيحة . نعم يمكن إثبات ذاك الحكم بدليل آخر مآله إلى اعتبارها بالإجارة الصحيحة، كما ذكره المصنف أيضا بقوله: ولأنه عين مستأجرة في يده ، لكن الكلام في جعلهم اعتبارها بالمضاربة الصحيحة دليلا مستقلا عليه، كما هو الظاهر من عبارة الهداية والكافي وغيرهما فتأمل. ثم إن بعض الفضلاء رد على صاحب العناية في قوله وهاهنا: المضاربة الصحيحة تنعقد شركة لا إجارة ، بأنه يخالف ما أسلفه من أن عقد المضاربة مشتمل على التوكيل والإجارة .

أقول : إنما يخالف ذلك أن لو كان مراده بما أسلفه أن عقد المضاربة مشتمل على حال صحة التوكيل والإجارة معا ، وأما إذا كان مراده بذلك أن عقد المضاربة مشتمل على التوكيل حال صحته وعلى الإجارة بعد فساده فلا مخالفة بين كلاميه، والظاهر هو الثاني لكونه موافقا لما صرحوا به .

( قوله : ولأنه عين مستأجرة في يده ) ، وفي بعض النسخ : عين مستأجر : يعني أن رأس المال عين استؤجر المضارب ليعمل به هو لا غيره فلا يضمن كأجير الوحد ، كذا في الشروح . قال بعض الفضلاء : فيكون مستأجرة في قول المصنف: "عين مستأجرة"، صفة جرت على غير من هي له ، أو هو من قبيل : سيل مفعم ، ولعل هذا أولى، انتهى .

أقول : فيه أن قولهم: سيل مفعم مما بني للمفعول وأسند للفاعل ؛ إذ المفعم اسم مفعول من أفعمت الإناء، ملأته وقد أسند إلى الفاعل ؛ لأن السيل هو المالئ لا المملوء بخلاف ما نحن فيه، فإن رأس المال ليس بفاعل للاستئجار قطعا، كما أنه ليس بمفعول فكيف يكون هذا من قبيل ذاك اللهم إلا أن يكون مراده بقوله: أو هو من قبيل سيل مفعم أو هو من قبيل الإسناد المجازي مطلقا لا أنه من قبيل خصوص الإسناد الواقع فيه ، فحينئذ يجوز، كما أشار إليه [ ص: 451 ] تاج الشريعة في شرح هذا المقام ؛ حيث قال : المستأجر في الحقيقة إنما هو المضارب لكن سمي العين مستأجرا لعمل المضارب فيه، اهـ.

ثم إن جماعة من الشراح قالوا : وهذا التعليل يشير إلى أن المضارب بمنزلة أجير الواحد من حيث إنه أجير لا يمكن له أن يؤاجر نفسه في ذلك الوقت لآخر . وقال صاحب العناية والنهاية منهم في تعليل ذلك : لأن العين الواحد لا يتصور أن يكون مستأجرا لمستأجرين في الوقت الواحد ، كما لا يمكن لأجير الواحد أن يؤجر نفسه لمستأجرين في الوقت الواحد، انتهى .

أقول : فيه بحث ؛ لأنه إن أريد بالعين الواحد في قولهما: لأن العين الواحد لا يتصور أن يكون مستأجرا لمستأجرين في الوقت الواحد نفس المضارب فلا نسلم أن نفسه لا يتصور أن يكون مستأجرا لمستأجرين في الوقت الواحد ؛ لأن الإجارة إذا كانت عقدا على العمل لا على المنفعة يجوز أن يكون شخص واحد مستأجرا لكثير من المستأجرين في وقت واحد كالقصار وراعي الغنم للعامة ونحوهما من الأجير المشترك لإمكان العمل لكل واحد منهم في ذلك الوقت ، وقد وقع عقد المضاربة على العمل من المضارب فجاز أن يكون مستأجرا لأكثر من واحد ، بخلاف أجير الوحد فإن الإجارة فيه كانت على المنفعة دون العمل فلا يقدر على أن يؤجر نفسه لآخر في الوقت الواحد، كما تقرر في محله ، وإن أريد بالعين الواحد في قولهما: المزبور رأس المال، فمسلم أن ذلك لا يتصور أن يكون مستأجرا لمستأجرين في وقت واحد ، أي : أن يكون في يد كل واحد منهما يعملان به في وقت واحد، ولكن هذا لا يقتضي أن يكون المضارب بمنزلة أجير الواحد لجريان هذا المعنى في كل أجير مشترك ، فإن ما يعمل به من الأعيان لا يتصور أن يكون في يده وفي غيره على الاستقلال في الوقت الواحد لامتناع وقوع شيء واحد في محلين مختلفين في وقت واحد فلا يتم التقريب .

( قوله : وكل شرط يوجب جهالة في الربح يفسده لاختلال مقصوده ، وغير ذلك من الشروط الفاسدة لا يفسدها، ويبطل الشرط كاشتراط الوضيعة على المضارب ) .

قال في النهاية : فإن قلت هذا الكل منقوض بما ذكر بعد هذا بخطوط وهو قوله : وشرط العمل على رب المال مفسد للعقد ، فإن هذا الشرط داخل تحت ذلك الكل ؛ لأن هذا الشرط لا يوجب جهالة في الربح ومع ذلك أفسد عقد المضاربة ، وعلى قضية ذلك الكل ينبغي أن لا تفسد المضاربة ؛ لأنه غير الذي يوجب جهالة في الربح . قلت : نعم كذلك إلا أنه يحتمل أن يريد بقوله: "وغير ذلك"، الشروط الفاسدة لا يفسدها الشرط الذي لا يمنع موجب العقد ، وأما إذا كان شرطا يمنع موجب العقد يفسد العقد ؛ لأن العقد إنما شرع لإثبات موجبه، انتهى .

أقول: هذا الجواب لا يشفي العليل ولا يجدي طائلا .

[ ص: 452 ] لأن كون المراد بقوله: "وغير ذلك"، الشرط الذي لا يمنع موجب العقد مع أنه مجرد احتمال محض لا يدل عليه اللفظ الزبور لعمومه مفسدا لما هو المقصود في المقام ؛ إذ المقصود هاهنا بيان أصل ينضبط به أحوال الشروط الفاسدة في باب المضاربة فعلى تقدير أن يكون المراد بقوله: "وغير ذلك"، الشرط الذي لا يمنع موجب العقد يكون الشرط الذي يمنع موجب العقد ولا يوجب جهالة في الربح خارجا عن قسمي هذا الأصل فلا يتحقق الانضباط فلا يتم المقصود .

وأجاب صاحب العناية عن السؤال المذكور بوجه آخر ؛ حيث قال : قيل : شرط العمل على رب المال لا يوجب جهالة في الربح ولا يبطل في نفسه، بل يفسد المضاربة، كما سيجيء فلم تكن القاعدة مطردة .

والجواب أنه قال : وغير ذلك من الشروط الفاسدة لا يفسدها ، أي : المضاربة ، وإذا شرط العمل على رب المال فليس ذلك بمضاربة : وسلب الشيء عن المعدوم صحيح، يجوز أن يقال: زيد المعدوم ليس ببصير ، وقوله بعد هذا بخطوط وشرط العمل على رب المال مفسد للعقد، معناه مانع عن تحققه، انتهى كلامه .

أقول : مضمون هذا الجواب وإن لم يكن فاسدا في نفسه إلا أنه مفسد لمعنى المقام؛ لأن معنى القسم الثاني من الأصل المذكور على ما صرحوا به هو أن غير ذلك من الشروط لا يفسد المضاربة بل تبقى المضاربة صحيحة ويبطل الشرط ، وقد أشار إليه المصنف بقوله: كاشتراط الوضيعة على المضارب ، فإن الشرط هناك باطل والمضاربة صحيحة ، وقد كان اعترف به صاحب العناية أيضا ؛ حيث قال أولا : ولما كان من الشروط ما يفسد العقد ومنها ما يبطل في نفسه وتبقى المضاربة صحيحة أراد أن يشير إلى ذلك بأمر جملي فقال : وكل شرط يوجب جهالة في الربح... إلخ . ولا شك أن المضاربة المعدومة لا تندرج في هذا المعنى .

[ ص: 453 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية